إجراءات التحقيق القضائي أمام قاضي التحقيق في التشريع الجزائري

يُعد استدعاؤك للمثول أمام قاضي التحقيق لحظة محورية قد تحدد مسار قضيتك الجنائية. هذه المرحلة، التي تسمى التحقيق القضائي، هي فترة حساسة ومحكومة بإجراءات دقيقة تهدف إلى البحث عن الحقيقة مع ضمان حقوق المتهم. إن فهم إجراءات التحقيق القضائي أمام قاضي التحقيق في التشريع الجزائري ليس مجرد ثقافة قانونية، بل ضرورة لحماية حقوقك وضمان سير العدالة بشكل سليم. في هذا المقال، سنقوم بتفكيك هذه الإجراءات خطوة بخطوة، مدعومة بالنصوص القانونية والتطبيقات العملية.
السند القانوني المنظم لإجراءات التحقيق القضائي
العمود الفقري الذي ينظم عمل قاضي التحقيق وإجراءاته هو الأمر رقم 66-155 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون الإجراءات الجزائية، المعدل والمتمم. هذا القانون يحدد بدقة صلاحيات قاضي التحقيق، وواجباته، وحقوق المتهم والضحية، وكل الأطراف في الدعوى الجزائية.
بالإضافة إلى قانون الإجراءات الجزائية، تستمد هذه الإجراءات شرعيتها من مبادئ دستورية عليا، أبرزها:
- قرينة البراءة: فكل متهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي.
- حقوق الدفاع: التي يكفلها الدستور وتعتبر مقدسة.
شرح إجراءات التحقيق القضائي خطوة بخطوة
التحقيق القضائي ليس مرحلة عشوائية، بل هو سلسلة من الإجراءات المنظمة التي تبدأ من لحظة تكليف قاضي التحقيق بالملف وتنتهي بإصداره قراراً بشأن مآل القضية.
أولاً: كيف يتم تحريك التحقيق القضائي؟
لا يبدأ قاضي التحقيق عمله من تلقاء نفسه، بل يجب أن تُعرض عليه القضية بإحدى طريقتين حصريتين نص عليهما القانون:
- الطلب الافتتاحي من النيابة العامة: وهو الطريق الأكثر شيوعاً. عندما يرى وكيل الجمهورية أن الوقائع تشكل جناية، أو جنحة تتطلب تحقيقاً معمقاً، يقدم طلباً مكتوباً لقاضي التحقيق يسمى “طلب افتتاحي لإجراء تحقيق” لبدء التحريات وجمع الأدلة.
- الشكوى المصحوبة بالادعاء المدني: يمكن للضحية (المتضرر من الجريمة) أن يبادر مباشرة إلى تحريك الدعوى العمومية عن طريق تقديم شكوى مباشرة أمام قاضي التحقيق. في هذه الحالة، يصبح الشاكي طرفاً مدنياً في القضية، ويطالب بالتعويض عن الضرر الذي لحقه. يتطلب هذا الإجراء إيداع مبلغ مالي ككفالة لدى كتابة ضبط المحكمة لضمان جدية الشكوى.
ثانياً: الاستجواب عند الحضور الأول (لحظة حاسمة)
يُعتبر الاستجواب الأول للمتهم أمام قاضي التحقيق من أهم الإجراءات على الإطلاق، حيث يضع أسس القضية. وقد أحاطه المشرع بضمانات صارمة نصت عليها المادة 100 من قانون الإجراءات الجزائية:
- التحقق من هوية المتهم: يقوم القاضي بالتأكد من هوية الشخص المثول أمامه كاملةً.
- إعلامه بالوقائع المنسوبة إليه: يجب على القاضي أن يحيط المتهم علماً وبشكل واضح بالأفعال المتابع بها وتكييفها القانوني.
- تنبيهه بحقه في عدم الإدلاء بأي تصريح: للمتهم الحق الكامل في التزام الصمت، ولا يمكن تفسير صمته ضده.
- إعلامه بحقه في الاستعانة بمحامٍ: وهو حق جوهري. إذا لم يكن للمتهم محامٍ، يقوم القاضي بتعيين محامٍ له في إطار المساعدة القضائية إذا طلب ذلك.
تنبيه: لا يجوز لقاضي التحقيق استجواب المتهم في الموضوع قبل أن يتم إعلامه بهذه الحقوق وتمكينه من الاتصال بمحاميه. أي استجواب يتم خرقاً لهذه القواعد يعتبر باطلاً.
ثالثاً: أوامر قاضي التحقيق
يملك قاضي التحقيق سلطة إصدار مجموعة من الأوامر القضائية لضمان سير التحقيق وحضور المتهم. هذه الأوامر تتدرج في شدتها وقوتها الإلزامية.
| الأمر القضائي | الهدف منه | كيفية التنفيذ | السند القانوني (ق.إ.ج) |
|---|---|---|---|
| الأمر بالحضور | استدعاء المتهم للمثول أمام القاضي في تاريخ وساعة محددين. | يتم تبليغه عن طريق محضر قضائي أو أحد أعوان القوة العمومية. | المادة 109 |
| الأمر بالإحضار | إجبار المتهم على المثول الفوري أمام القاضي. | تقوم القوة العمومية (شرطة أو درك) بالبحث عن المتهم واقتياده أمام القاضي. | المادة 110 |
| الأمر بالإيداع | إيداع المتهم في مؤسسة عقابية (السجن) بعد استجوابه. | يصدر بعد استجواب المتهم، ويسلم نسخة منه لمدير المؤسسة العقابية. | المادة 117 |
| الأمر بالقبض | إصدار أمر بالبحث عن المتهم الهارب أو المقيم خارج إقليم المحكمة والقبض عليه. | يتم تعميمه على كافة مصالح الأمن للبحث عن المتهم وتوقيفه وتقديمه للقاضي. | المادة 119 |
رابعاً: الإجراءات المتعلقة بالحبس المؤقت والرقابة القضائية
الحبس المؤقت
هو الإجراء الأكثر خطورة، ويتمثل في وضع المتهم في السجن قبل محاكمته. نظراً لتعارضه مع قرينة البراءة، جعله المشرع إجراءً استثنائياً ومقيداً بشروط صارمة وآجال محددة وفقاً للمادة 123 وما يليها من قانون الإجراءات الجزائية. لا يمكن الأمر به إلا إذا كانت الرقابة القضائية غير كافية، ويكون لمدة أقصاها أربعة (04) أشهر في مواد الجنح، قابلة للتمديد. أما في الجنايات، فالمدة أطول وأكثر تعقيداً.
الرقابة القضائية
هي بديل للحبس المؤقت، وتهدف إلى إخضاع المتهم لالتزامات معينة تضمن حضوره لإجراءات التحقيق. من بين هذه الالتزامات المنصوص عليها في المادة 125 مكرر 1:
- عدم مغادرة حدود إقليمية معينة.
- المثول الدوري أمام مصالح الأمن (التوقيع).
- عدم الاتصال بأشخاص معينين (الضحايا، الشهود، الشركاء).
- إيداع كفالة مالية.
- الخضوع لعلاج طبي أو نفسي.
خامساً: إجراءات التحقيق الأخرى
بالإضافة للاستجواب، يقوم قاضي التحقيق بإجراءات أخرى لجمع الأدلة، منها:
- التفتيش والحجز: تفتيش مسكن المتهم أو أي مكان آخر يُحتمل وجود أدلة فيه، مع احترام الشروط القانونية (الوقت، حضور المعني أو من يمثله).
- سماع الشهود: يستدعي القاضي أي شخص يرى فائدة في سماع شهادته، وبعد أداء اليمين القانونية يدلي بتصريحاته.
- الخبرة القضائية: عندما تتطلب القضية رأياً فنياً أو علمياً (خبرة طبية، محاسبية، باليستية)، ينتدب القاضي خبيراً مختصاً لإعداد تقرير مفصل.
- المواجهة: جمع المتهم مع الشهود أو مع متهمين آخرين لمواجهتهم بتصريحاتهم المتناقضة.
سادساً: انتهاء التحقيق
بعد اكتمال التحقيقات، يصدر قاضي التحقيق أمراً قضائياً يحدد مصير القضية:
- الأمر بانتفاء وجه الدعوى: يصدره القاضي إذا رأى أن الأدلة غير كافية، أو أن الوقائع لا تشكل جريمة، أو أن الفاعل مجهول. هذا الأمر ينهي المتابعة القضائية ويمكن الإفراج عن المتهم فوراً إذا كان محبوساً.
- الأمر بالإحالة: إذا كانت الأدلة كافية، يصدر القاضي أمراً بإحالة الملف إلى المحكمة المختصة لمحاكمة المتهم:
- محكمة الجنح: إذا كانت الوقائع تشكل جنحة.
- محكمة المخالفات: إذا كانت الوقائع تشكل مخالفة.
- محكمة الجنايات: إذا كانت الوقائع تشكل جناية، ويتم ذلك عبر غرفة الاتهام بمقر المجلس القضائي.
تجدر الإشارة إلى أن جميع أوامر قاضي التحقيق قابلة للاستئناف أمام غرفة الاتهام، وهي هيئة قضائية أعلى درجة بمجلس القضاء. وللمهتمين بتفاصيل أكثر، يمكن متابعة آخر الأخبار القانونية عبر منصات موثوقة مثل akhbardz.
الوثائق التي يجب أن تكون بحوزة المتهم أو محاميه
على الرغم من أن التحقيق القضائي ليس إجراءً إدارياً يتطلب ملفاً، إلا أنه من الحكمة تجهيز بعض الوثائق التي قد يحتاجها محاميك لدعم دفوعك، خاصة عند طلب الإفراج المؤقت أو وضعك تحت الرقابة القضائية:
- نسخة من الاستدعاء أو الأمر القضائي.
- بطاقة التعريف الوطنية البيومترية أو جواز السفر.
- وثائق إثبات الإقامة (شهادة إقامة، عقد إيجار، فاتورة كهرباء).
- وثائق إثبات الوضعية المهنية والاجتماعية (شهادة عمل، عقد توظيف، سجل تجاري).
- وثائق إثبات الوضعية العائلية (دفتر عائلي).
- أي مستندات أخرى قد تدعم براءتك أو تثبت ضمانات حضورك (ملف طبي، شهادات…).
نصيحة الخبير القانوني
لا تستهن أبداً بالاستجواب عند الحضور الأول. كل كلمة تقولها يتم تدوينها في محضر رسمي وستبقى في الملف. لا تتنازل عن حقك في حضور محامٍ، حتى لو كنت تعتقد أنك بريء وأن الأمور بسيطة. المحامي هو ضمانتك لفهم الإجراءات وحماية حقوقك، ويمكنه أن ينصحك بالصمت الاستراتيجي أو بالإدلاء بتصريحات مدروسة تخدم قضيتك. التصريحات الأولية العفوية هي غالباً ما تُعقّد الملفات لاحقاً.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
ما هي المدة القصوى للحبس المؤقت في الجزائر؟
تختلف المدة حسب طبيعة الجريمة. في الجنح، المدة القصوى هي أربعة (04) أشهر، يمكن تمديدها مرة واحدة لمدة أربعة أشهر أخرى بأمر مسبب من قاضي التحقيق. أما في الجنايات، فالمدة الأصلية هي أربعة أشهر قابلة للتمديد مرتين. في بعض الجرائم الخطيرة، يمكن تمديدها لآجال أطول وفقاً لشروط قانونية مشددة.
هل يمكنني استئناف قرار قاضي التحقيق بوضعي في الحبس المؤقت؟
نعم، بكل تأكيد. الأمر بالإيداع في الحبس المؤقت، مثله مثل معظم أوامر قاضي التحقيق، قابل للاستئناف أمام غرفة الاتهام بالمجلس القضائي. يجب تقديم الاستئناف من طرفك أو من طرف محاميك خلال أجل ثلاثة (03) أيام من تاريخ تبليغ الأمر.
ما الفرق بين قاضي التحقيق وقاضي الحكم؟
هناك فرق جوهري. قاضي التحقيق هو قاضٍ مكلف بمرحلة ما قبل المحاكمة؛ مهمته هي جمع الأدلة والتحري والبحث عن الحقيقة بشكل محايد (جمع أدلة الإثبات وأدلة النفي). أما قاضي الحكم (في محكمة الجنح أو الجنايات) فهو الذي يترأس جلسة المحاكمة العلنية، ويستمع للأطراف والمرافعات، ويفصل في القضية بإصدار حكم بالإدانة أو البراءة.
ماذا يحدث إذا لم أحضر بعد استدعائي من طرف قاضي التحقيق؟
إذا تم استدعاؤك قانونياً (عبر الأمر بالحضور) وتخلفت عن الحضور دون عذر مقبول، يجوز لقاضي التحقيق أن يصدر ضدك أمراً بالإحضار، أي أنه سيأمر القوة العمومية بإحضارك بالقوة للمثول أمامه. وفي حالات معينة، قد يصدر ضدك أمراً بالقبض.
تنبيه وتصحيح لمفهوم شائع
من الأخطاء الشائعة اعتبار قاضي التحقيق خصماً للمتهم. قانوناً، قاضي التحقيق هو “سلطة تحقيق” محايدة. دوره ليس البحث عن أدلة لإدانة المتهم فقط، بل هو ملزم بالبحث عن الحقيقة كاملة، بما في ذلك الأدلة التي قد تبرئ المتهم. لهذا السبب يطلق عليه اسم “قاضٍ”، لأنه يجب أن يتمتع بالحياد والموضوعية خلال مرحلة التحقيق.
الخاتمة
إن مرحلة التحقيق القضائي هي من أدق وأهم مراحل الدعوى الجزائية في النظام القانوني الجزائري. هي مرحلة توازن دقيق بين ضرورة كشف الحقيقة ومكافحة الجريمة من جهة، وحماية الحقوق والحريات الفردية التي كرسها الدستور من جهة أخرى. معرفة هذه الإجراءات تمنح المواطن القدرة على فهم ما يدور حوله وتمكّن المحامي من أداء دوره في الدفاع على أكمل وجه، مما يساهم في تحقيق العدالة المنشودة.
المصادر والمراجع
- الأمر رقم 66-155 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون الإجراءات الجزائية، المعدل والمتمم.
- الدستور الجزائري.
- البوابة الإلكترونية لوزارة العدل الجزائرية.




