الدين

استخدم وسائل التواصل الاجتماعي للدعوة إلى الله بفعالية

في عصرٍ تشابكت فيه خيوط العالم الرقمي لتنسج واقعًا جديدًا، وأصبحت فيه الشاشات نوافذ نطل منها على أفكار وثقافات لا حصر لها، يجد المسلم نفسه أمام ميدان فسيح للدعوة إلى الله، لم يكن متاحًا للأجيال السابقة بهذه السعة وهذا التأثير. إن منصات التواصل الاجتماعي، التي قد يراها البعض مضيعة للوقت أو مصدرًا للفتن، هي في حقيقتها سلاح ذو حدين، يمكن أن تكون منبرًا عظيمًا لنشر الحق والخير، أو بوقًا للباطل والسطحية. الإشكال ليس في الوسيلة، بل في الغاية والمنهج. فكثيرًا ما تُختزل الدعوة الرقمية في مجرد إعادة نشر للمقاطع، أو الدخول في جدالات عقيمة، أو تقديم نسخة مشوهة من الإسلام تسعى لإرضاء الجماهير بدلًا من إرضاء رب الجماهير. هذا الدليل المرجعي يسعى لتأصيل الممارسة الدعوية على وسائل التواصل الاجتماعي، وإعادتها إلى أصولها الشرعية ومقاصدها السامية، لتكون عبادة متقبلة، وأثرًا باقيًا، وحجة للمسلم لا عليه.

فهرس المقال إخفاء

1. المفهوم الشرعي للدعوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي

لفهم حقيقة الدعوة عبر الفضاء الرقمي، لا بد من تفكيك المفهوم إلى أصله اللغوي والاصطلاحي، وتمييزه عن الممارسات الشائعة الخاطئة.

المعنى اللغوي والاصطلاحي

  • المعنى اللغوي: “الدعوة” في اللغة مصدر من الفعل (دعا، يدعو)، وتأتي بمعنى الطلب، والنداء، والحث على الشيء.
  • المعنى الاصطلاحي: هي حث الناس على الخير والهدى، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتبليغ رسالة الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، بغية إخراجهم من الظلمات إلى النور.

الفرق بين المفهوم الصحيح والتصور الشائع

المفهوم الشرعي الصحيح للدعوة الرقمية هو “تبليغ ممنهج” قائم على العلم والرحمة والصبر. أما التصور الشائع الخاطئ فيختزلها في “نشر عشوائي” قائم على الحماس وردود الأفعال. الدعوة الصحيحة تهدف إلى بناء القناعات وتغيير السلوك، بينما يكتفي التصور الخاطئ بحصد الإعجابات والمشاركات دون أثر حقيقي في واقع الناس.

2. الأصل القرآني والنبوي: تأصيل مشروعية الدعوة الرقمية

استخدام الوسائل الحديثة في الدعوة ليس بدعة، بل هو تحقيق لمقصد “التبليغ” الذي أمر به الشرع، فالوسائل تتغير وتبقى الغاية ثابتة. والأدلة على ذلك واضحة في الكتاب والسنة.

أدلة من القرآن الكريم

الأصل في الدعوة هو الأمر الإلهي بالتبليغ بأفضل الأساليب. قال تعالى:

“ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”
(النحل: 125).

هذه الآية هي دستور الدعوة، وتحدد أركانها: الحكمة (مخاطبة كل شخص بما يناسبه)، والموعظة الحسنة (الترغيب والترهيب بأسلوب لين)، والجدال بالتي هي أحسن (عند الحاجة للنقاش). وهذه الأركان يجب أن تكون حاضرة في كل منشور وتغريدة ومقطع فيديو دعوي.

أدلة من السنة النبوية

كان النبي صلى الله عليه وسلم يستخدم كل الوسائل المتاحة في عصره لإيصال الرسالة، من الخطابة والشعر إلى إرسال الرسائل للملوك والأمراء. ومن الأصول النبوية في هذا الباب:

  • عموم التبليغ: قوله صلى الله عليه وسلم: “بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً” (رواه البخاري). وهذا الأمر يشمل كل مسلم بما يعلمه، ووسائل التواصل هي أيسر سبل التبليغ اليوم.
  • الرفق واللين: قوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ” (رواه مسلم). والكثير من التفاعلات الرقمية تفتقر إلى هذا الأصل العظيم.

نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية

اجعل حسابك على وسائل التواصل الاجتماعي شاهدًا لك لا عليك. قبل أن تضغط زر “نشر”، اسأل نفسك: هل هذا المحتوى يُرضي الله؟ هل فيه نفع للناس؟ هل هو حجة لي أم حجة عليّ يوم القيامة؟ الإخلاص هو أساس القبول، سواء في العالم الواقعي أو الرقمي.

3. أقوال العلماء في توظيف الوسائل الحديثة للدعوة

أكد العلماء المعاصرون على أهمية استغلال التقنيات الحديثة في نشر الدين، مع وضع ضوابط تضمن سلامة المنهج. يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ما معناه: “كل شيء يكون وسيلة لخير فإنه خير”. فالقاعدة الفقهية تقول: “للوسائل أحكام المقاصد”. فإذا كان المقصد (الدعوة إلى الله) واجبًا أو مندوبًا، فإن استخدام الوسيلة التي تحققه (وسائل التواصل) يأخذ نفس الحكم، بشرط ألا تكون الوسيلة محرمة في ذاتها.

4. التطبيق العملي: كيف تدعو إلى الله بفعالية عبر السوشيال ميديا؟

الانتقال من التنظير إلى التطبيق يتطلب استراتيجية واضحة وخطوات عملية.

خطوات عملية للداعية الرقمي

  1. حدد تخصصك ومجالك: لا تكن نسخة مكررة. قد تتخصص في شرح أسماء الله الحسنى، أو في السيرة النبوية، أو في فقه الأسرة، أو في تصحيح المفاهيم العقدية. التخصص يمنحك عمقًا ومصداقية.
  2. ركّز على جودة المحتوى لا كميته: منشور واحد عميق وموثق خير من عشرة منشورات سطحية. ابحث، دقق، واستعن بالمصادر الموثوقة.
  3. كن قدوة في سلوكك الرقمي: أخلاقك في التعليقات والردود هي جزء لا يتجزأ من دعوتك. لا تدخل في السباب والجدال العقيم. أنت تمثل الإسلام بأخلاقك قبل كلماتك.
  4. نوّع في الأساليب: استخدم النصوص المكتوبة، والتصاميم الجرافيكية (Infographics)، والمقاطع القصيرة (Reels/Shorts)، والبث المباشر للأسئلة والأجوبة. لكل منصة لغتها، فتعلمها.

أخطاء شائعة يجب تجنبها

  • نشر الأحاديث الضعيفة والموضوعة: وهو من الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم. استخدم مواقع متخصصة مثل موقع الدرر السنية للتأكد من صحة الحديث قبل نشره.
  • الاستعجال في الفتوى: لا تتصدر للفتوى وأنت لست من أهلها. دورك هو نقل العلم الموثوق عن أهله، لا إنتاج الفتاوى.
  • التركيز على الفضائح والعيوب: الدعوة تقوم على ستر النصح، لا على فضح العصاة والتشهير بهم.
  • الرياء وحب الظهور: أن يكون هدفك هو عدد المتابعين والتفاعلات وليس وجه الله. وهذا محبط للعمل.

5. الآثار الإيمانية والسلوكية للدعوة الرقمية الصحيحة

عندما تُمارس الدعوة الرقمية وفق الضوابط الشرعية، فإن آثارها تتجاوز الشاشات لتصل إلى القلوب والمجتمعات.

  • على الفرد الداعية: يزداد علمه ورسوخه بمراجعة المسائل قبل نشرها، ويجدد إيمانه باستشعار مسؤوليته، ويثقل ميزان حسناته بنشر الخير.
  • على المجتمع: تساهم في نشر الوعي الديني الصحيح، ومحاربة الشبهات والأفكار المنحرفة، وتقديم صورة مشرقة عن سماحة الإسلام وعدله.

6. انحرافات ومفاهيم خاطئة في الدعوة الرقمية

كما أن هناك منهجًا قويمًا، فهناك مسالك منحرفة تضر بالدعوة أكثر مما تنفعها.

  • الغلو والتطرف: ويتمثل في التكفير والتفسيق بغير علم، والتشدد في غير موضعه، واستخدام لغة التهديد والوعيد بدلًا من لغة الرحمة والبشارة.
  • التفريط والتمييع: ويتمثل في تمييع الثوابت الشرعية إرضاءً للجمهور، وتجنب الحديث عن بعض الأحكام الشرعية خشية “تنفير المتابعين”، وتقديم إسلام “لايت” منزوع الدسم.
  • الدعوة الشخصانية (Influencer Da’wah): حيث يتحول الداعية إلى “نجم” والتركيز يكون على حياته الشخصية وأخباره بدلًا من الرسالة التي يحملها، فتصبح الدعوة تابعة للشخص لا العكس.

سؤال وجواب (تصحيح مفهوم)

السؤال الشائع: هل يكفي أن أنشر مقاطع للعلماء والمشايخ وبذلك أكون قد أديت ما عليّ من واجب الدعوة؟

الجواب: نشر علم العلماء الموثوقين عمل طيب ومأجور عليه إن شاء الله، وهو من التعاون على البر والتقوى. لكن الدعوة لا تقتصر على ذلك. فأخلاقك الشخصية على حسابك، وطريقة تفاعلك مع الناس، وصدقك، وأمانتك، كلها جزء من دعوتك الصامتة التي قد تكون أبلغ من ألف مقطع منشور. كن داعية بأخلاقك وسلوكك قبل أن تكون داعية بمنشوراتك.

الأسئلة الشائعة (FAQ)

1. هل يجب أن أكون عالمًا لأدعو إلى الله على وسائل التواصل؟

لا يُشترط أن تكون عالمًا، لقوله صلى الله عليه وسلم “بلغوا عني ولو آية”. يمكنك الدعوة بما تعلمه وتتيقن من صحته. ادعُ إلى الصلاة، الصدق، بر الوالدين، وانقل كلام أهل العلم الموثوقين في المسائل التي لا تعرفها.

2. كيف أتعامل مع التعليقات السلبية والمسيئة؟

التعامل يكون بالحكمة. تجاهل الجاهل، وجادل الذي يبحث عن الحق بالتي هي أحسن. لا تنزل لمستوى السباب والشتم. يمكنك استخدام الحظر عند الضرورة القصوى لمنع نشر الأذى. تذكر قوله تعالى: “وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا”.

3. هل يجوز تحقيق الربح من المحتوى الدعوي على يوتيوب أو فيسبوك؟

اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة. منهم من أجازها بضوابط، كأن تكون النية الأصلية هي الدعوة والربح تابعًا، وألا يحتوي المحتوى أو الإعلانات على محرمات. ومنهم من كرهها سدًا للذريعة وخشية على إخلاص الداعية. والأحوط للمرء أن يبتعد عن الشبهات ما استطاع، وأن يجعل عمله خالصًا لله.

4. ما حكم استخدام الصور والموسيقى في المقاطع الدعوية؟

استخدام صور الأشخاص والرسوم الكرتونية في الدعوة مسألة خلافية، والأولى الابتعاد عن صور النساء وعما يثير الفتنة. أما الموسيقى، فالأصل فيها التحريم، ويُستعاض عنها بالمؤثرات الصوتية البشرية (الآهات) أو الأصوات الطبيعية التي لا تشتمل على معازف.

5. كيف أحافظ على نيتي خالصة لله في عالم يسعى خلف الأرقام؟

هذا هو أكبر تحدٍ. الحفاظ على النية يكون بتجديدها قبل كل منشور، والدعاء الدائم بالإخلاص، وتذكير النفس بأن رضا الله هو الغاية لا رضا الناس، والابتعاد عن مقارنة أرقامك بأرقام الآخرين، والسرور بنفع الناس وهدايتهم أكثر من السرور بزيادة عدد المتابعين.

خاتمة: منبرك الرقمي.. حجة لك أو عليك

إن كل حساب تملكه على منصات التواصل هو منبرك الخاص الذي ستقف يوم القيامة لتُسأل عما قلت فيه ونشرت عبره. فاجعله منبرًا للحق والهدى، ومنارة للعلم النافع، وسببًا في هداية الناس، لا صدًا عن سبيل الله. إن المسؤولية عظيمة، والأجر أعظم لمن أخلص النية وأحسن العمل واتبع المنهج القويم. فلنتقِ الله في كلماتنا ومنشوراتنا، ولنجعل من هذه الوسائل جسرًا نعبر به إلى رضوان الله وجنته.
للمزيد من المقالات الإسلامية التي تنير دربك وتثري معرفتك، ندعوك لتصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد.

تنويه من “akhbardz”:
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى