الدين

الإيمان بالقدر خيره وشره بتوازن للجزائريين

يُعد الإيمان بالقدر خيره وشره ركنًا أساسيًا من أركان الإيمان الستة، ومع ذلك، يظل من أكثر المفاهيم التي يكتنفها الغموض وسوء الفهم في واقعنا المعاصر. ففي خضم تحديات الحياة اليومية، بين السعي لتحقيق النجاح ومواجهة المصاعب، يجد الكثير من المسلمين، خاصة في مجتمعنا الجزائري، أنفسهم في حيرة بين الإيمان بتقدير الله المطلق ومسؤوليتهم عن أفعالهم. هذا المقال ليس مجرد تذكير وعظي، بل هو دليل مرجعي شامل يهدف إلى تفكيك هذا المفهوم العظيم، وتقديمه بصورة متوازنة تجمع بين عمق العقيدة ويسر الفهم، ليكون نبراسًا يضيء القلب طمأنينة، والعقل فهماً، والجوارح عملاً.

ما هو الإيمان بالقدر؟ تعريف شرعي شامل

لفهم هذا الركن العظيم، لا بد من تفصيله لغة واصطلاحًا، وتمييزه عن المفاهيم القريبة منه لتتضح صورته الكاملة.

المعنى اللغوي للقدر

القدر في اللغة يأتي من الفعل “قَدَرَ”، ويدور حول معانٍ عدة أبرزها: التقدير، والحكم، والبيان، والطاقة، ومبلغ الشيء. تقول: “قدّرتُ الشيءَ” أي بيّنت مقداره، و”قدر الله هذا الأمر” أي حكم به وقضاه.

المعنى الاصطلاحي في العقيدة الإسلامية

أما في الاصطلاح الشرعي، فالإيمان بالقدر هو: “التصديق الجازم بأن كل ما يقع في هذا الكون، من خير أو شر، هو بعلم الله الأزلي وتقديره وكتابته ومشيئته وخلقه”. وهو سر الله في خلقه الذي استأثر بعلمه، فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا.

ويقوم الإيمان بالقدر على أربعة أركان أو مراتب أساسية، لا يكتمل إيمان العبد بالقدر إلا بالإيمان بها جميعًا:

  1. مرتبة العلم: الإيمان بأن الله تعالى علم بكل شيء جملة وتفصيلاً، أزلاً وأبداً، علم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
  2. مرتبة الكتابة: الإيمان بأن الله كتب كل ما هو كائن في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
  3. مرتبة المشيئة: الإيمان بأن كل ما يقع في الكون هو بمشيئة الله النافذة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
  4. مرتبة الخلق: الإيمان بأن الله هو خالق كل شيء، بما في ذلك أفعال العباد. فهم يفعلون حقيقةً، والله خالقهم وخالق أفعالهم.

أركان الإيمان بالقدر وأدلته من القرآن والسنة

إن عقيدة القدر ليست مجرد تصور فلسفي، بل هي حقيقة إيمانية راسخة تستند إلى نصوص قطعية من الكتاب والسنة.

1. الأدلة على مرتبة العلم

قال الله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 59]. هذه الآية تؤكد إحاطة علم الله بكل شيء، دقيقه وجليله.

2. الأدلة على مرتبة الكتابة

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء” (رواه مسلم). هذا الحديث أصل في إثبات الكتابة السابقة لكل شيء.

3. الأدلة على مرتبة المشيئة

قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]. فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، لا تخرج عنها.

4. الأدلة على مرتبة الخلق

قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]. وهذه الآية دليل على أن الله هو خالق العباد وخالق أعمالهم، مع إثبات العمل الحقيقي للعبد الذي يترتب عليه الثواب والعقاب.

منهج أهل السنة والجماعة في فهم القدر

لقد سار السلف الصالح وعلماء الأمة على منهج وسطي متوازن في فهم القدر، يجمع بين إثبات تقدير الله الشامل، وإثبات حرية الإرادة والفعل للعبد.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما سُئل عن القدر: “سر الله فلا تتكلفه”. وهذا توجيه عظيم بالكف عن الخوض في كنه القدر الذي لا تدركه العقول، والاكتفاء بالإيمان بما ورد في النصوص.

وقد لخص الإمام الطحاوي عقيدة أهل السنة بقوله: “وأفعال العباد هي خلق الله، وكسب من العباد”. فالفعل يُنسب إلى الله خلقًا وإيجادًا، ويُنسب إلى العبد فعلاً وكسبًا ومباشرةً.

لذا، فمنهجهم يقوم على عدم الاحتجاج بالقدر على المعاصي، وضرورة الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، والرضا بالقضاء بعد وقوعه.

كيف نعيش بالقدر؟ التوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل

إن الفهم الصحيح للقدر لا يقود إلى الكسل والقعود، بل إلى العمل والجد مع راحة القلب وطمأنينة النفس. وهذا يتحقق عبر الجمع بين أمرين متلازمين:

1. الأخذ بالأسباب: واجب شرعي

الإسلام دين العمل. لقد أمرنا الله بالسعي في مناكب الأرض، وطلب الرزق، والتداوي من الأمراض، والتعلم، والدعاء. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس درعين في الحرب، وكان يدّخر قوت أهله سنة، وهو سيد المتوكلين. فالأخذ بالأسباب جزء من الدين، ومن تركها فقد خالف الشرع.

2. التوكل على الله: عبادة قلبية

التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله في جلب المصالح ودفع المضار، مع الثقة به والأخذ بالأسباب. فالمسلم يحرث الأرض ويبذر البذر (أخذ بالأسباب)، ثم يتوكل على الله في إنبات الزرع ونزول المطر (تفويض النتائج لله).

نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية

اجعل شعارك في الحياة: “اعقلها وتوكل”. ابذل قصارى جهدك في كل أمور دينك ودنياك، ثم سلّم الأمر بثقة ويقين إلى مدبر الكون. فالسعي من عمل جوارحك، والتوكل من عمل قلبك، ولا يكتمل إيمانك إلا بهما معًا.

ثمار الإيمان بالقدر في حياة المسلم

عندما يستقر الإيمان بالقدر في القلب، فإنه ينتج آثارًا عظيمة على سلوك الفرد والمجتمع:

  • الطمأنينة وراحة البال: يعلم المؤمن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فيرضى ويسلم، وتزول من قلبه أمراض الحسد والقلق والهلع.
  • الشجاعة والإقدام: يدرك أن الأجل والرزق مكتوبان، فلا يخشى في الله لومة لائم، ويقدم على فعل الخير ونصرة الحق دون خوف من المخلوقين.
  • الصبر عند المصائب والشكر عند النعم: إذا أصابته ضراء صبر لعلمه أنها بقدر الله وفيها حكمة، وإذا أصابته سراء شكر لعلمه أنها فضل من الله.
  • طرد اليأس والقنوط: لا مجال لليأس في قلب المؤمن بالقدر، فهو يعلم أن بعد العسر يسرًا، وأن أمر الله كله خير.

تصحيح مفاهيم خاطئة حول القدر

نشأت عبر التاريخ، وتجددت في عصرنا، بعض الانحرافات في فهم القدر، من أبرزها:

  • الجبرية: وهم الذين غلوا في إثبات القدر حتى سلبوا العبد إرادته واختياره، وجعلوه كالريشة في مهب الريح. وهذا باطل، فالإنسان يشعر بداخله بقدرته على الاختيار بين الفعل والترك.
  • القدرية: وهم الذين نفوا تقدير الله السابق لأفعال العباد، وقالوا إن الإنسان يخلق فعله بنفسه. وهذا مخالف لصريح القرآن والسنة.
  • الاحتجاج بالقدر على المعاصي: وهو من أسوأ المفاهيم الخاطئة. فلا يصح لأحد أن يسرق ثم يقول “الله قدّر عليّ ذلك”. فنحن لا نعلم القدر إلا بعد وقوعه، وقد أُمرنا باتباع الشرع لا القدر.

سؤال وجواب: تصحيح مفهوم

السؤال: إذا كان كل شيء مكتوبًا، فلماذا العمل والدعاء؟
الجواب: هذا فهم مغلوط. لقد كتب الله المقادير وكتب أسبابها. فكتب أن فلانًا سيُشفى (المقدار) لأنه سيتناول الدواء (السبب). وكتب أن فلانًا سينجح لأنه سيدرس. وكتب أن القدر قد يتغير بالدعاء. فالعمل والدعاء هما أيضًا من قدر الله الذي أمرنا به. نحن مأمورون باتباع الأوامر الشرعية (الأسباب)، لا الكشف عن الغيب (القدر).

أسئلة شائعة حول الإيمان بالقدر

هل الإنسان مُسيّر أم مُخيّر؟

الإنسان مُخيّر في أفعاله التي يُحاسب عليها، وهو الذي يختار بين الطاعة والمعصية بإرادته. وهو مُسيّر من حيث إنه لا يخرج عن قدر الله ومشيئته وعلمه. فله إرادة واختيار حقيقيان، ولكن هذه الإرادة لا تخرج عن إرادة الله الشاملة.

هل الدعاء يغير القدر؟

نعم، الدعاء من الأسباب القوية التي قد يغير الله بها المقادير، كما جاء في الحديث: “لا يرد القضاء إلا الدعاء” (حسنه الألباني). والتغيير هنا هو في الصحف التي بأيدي الملائكة، أما ما في اللوح المحفوظ فلا يتغير. فالدعاء ورد القضاء به كلاهما من قدر الله.

لماذا يُقدّر الله الشر والمصائب؟

الله لا يخلق شرًا محضًا، فكل ما يقدره من مصائب أو شرور (بالنسبة لنا) ففيه حِكَمٌ عظيمة قد نعلمها أو نجهلها، كتمحيص المؤمنين، وتكفير سيئاتهم، ورفع درجاتهم، وإظهار حقيقة الإيمان. فالشر نسبي، وهو في فعل المخلوق لا في خلق الله وتقديره.

كيف أُحاسَب على فعلٍ مقدّرٍ عليّ؟

تُحاسب لأنك فعلته باختيارك وإرادتك. فالله لم يجبرك على المعصية، بل بيّن لك طريق الخير وطريق الشر، وأعطاك القدرة على الاختيار. وعلم الله السابق بفعلك لا يعني إجباره لك عليه، فعلمه كاشف لا مُجبِر.

كيف أرضى بقدر مؤلم؟

الرضا بالقدر المؤلم يتحقق بأمور: اليقين بأن هذا اختيار الله الحكيم الرحيم، واستحضار الأجر العظيم للصابرين، والعلم بأن هذا البلاء قد يكون دافعًا لشر أكبر أو سببًا لخير أعظم، وتذكر أن الدنيا دار ابتلاء لا دار جزاء، والتأسي بالأنبياء والصالحين في صبرهم.

خلاصة القول: القدر سر الله في خلقه

إن الإيمان بالقدر خيره وشره هو ميزان التوحيد، وعنوان الطمأنينة، ومفتاح السعادة الحقيقية. إنه ليس دعوة للقعود، بل هو وقود للسعي والعمل بجد واجتهاد، مع قلب معلق بخالقه، يرضى بحكمه، ويثق في تدبيره. هو أن تبذل كل ما في وسعك، ثم تترك النتائج لمن بيده ملكوت كل شيء. وللتوسع في هذه الجوانب وغيرها من العلوم الشرعية، ندعوكم إلى متابعة الشؤون الدينية في الجزائر عبر موقعنا، للحصول على محتوى موثوق ومتجدد. أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين والثبات عليه.

تنويه من “akhbardz”:
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى