الجزائر تودع الرئيس الأسبق اليامين زروال: قصة قائد ومجاهد جمع بين صرامة العسكري وحكمة السياسي

ودعت الجزائر مساء أمس السبت، أحد أبرز رموزها الوطنية ورجالات الدولة، الرئيس الأسبق اليامين زروال، الذي انتقل إلى جوار ربه بالمستشفى العسكري محمد الصغير نقاش بالعاصمة، بعد صراع طويل مع المرض العضال. رحيل زروال يترك فراغًا كبيرًا في المشهد الوطني، ويستعيد ذاكرة الأمة سيرة رجل جمع بين صرامة العسكري وحنكة السياسي، تاركًا إرثًا وطنيًا حافلًا بالعطاء في الميدانين العسكري والسياسي.
وُلد اليامين زروال في الثالث من جويلية عام 1941 بمدينة باتنة، وانضم في ريعان شبابه إلى صفوف جيش التحرير الوطني، ملبيًا نداء الوطن للمساهمة في معركة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي. لقد كانت مسيرته الثورية شاهدة على إيمانه العميق بقضية وطنه، وتفانيه في سبيل استقلاله.
بعد استقلال الجزائر، واصل زروال مساره العسكري بخطوات ثابتة وبتكوين أكاديمي رفيع المستوى. تلقى تدريبات عسكرية متقدمة في الاتحاد السوفياتي، ثم استكمل تكوينه بالمدرسة الحربية الفرنسية سنة 1974. تدرج الفقيد في هرم المسؤوليات داخل الجيش الوطني الشعبي، حيث شغل مناصب قيادية بارزة، منها قيادة المدرسة العسكرية في باتنة، والأكاديمية العسكرية بشرشال، بالإضافة إلى قيادته لعدد من النواحي العسكرية، قبل أن يتولى منصب قائد القوات البرية.
في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ الجزائر المعاصر، عُيّن اليامين زروال رئيسًا للدولة في الحادي والثلاثين من جانفي 1994 من قبل المجلس الأعلى للدولة. وفي استحقاق تاريخي، انتخبه الشعب رئيسًا للجمهورية في السادس عشر من نوفمبر 1995، في فترة شهدت فيها البلاد تحديات أمنية وسياسية كبرى. خلال عهدته، عمل رجل الدولة هذا بجد على استعادة الأمن والاستقرار وتوحيد الصف الوطني، مجسدًا مفهوم الحكمة السياسية في أصعب الظروف.
وفي خطوة اتسمت بالبصيرة وبعد النظر، أعلن الرئيس الأسبق في سبتمبر 1998 عن تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة، منهيًا بذلك عهدته رسميًا في السابع والعشرين من أفريل 1999. وقد ساهم هذا القرار في الحفاظ على استقرار الدولة وضمان انتقال سلس للسلطة في فترة دقيقة، مؤكدًا التزامه بالمسار الديمقراطي.
برحيل اليامين زروال، تفقد الجزائر أحد أبرز رجالاتها الذين بصموا تاريخها الحديث. سيظل اسمه محفورًا في ذاكرة الأمة كرجل دولة وهب حياته لخدمة وطنه، تاركًا إرثًا من الوطنية والعطاء والإخلاص، ورمزًا للحكمة والشجاعة التي ميزت مسيرته السياسية والعسكرية الحافلة.




