الشيك بدون رصيد في الجزائر مخاطر وعقوبات قانونية

يعد التعامل بالشيكات أمراً شائعاً في المعاملات اليومية والتجارية في الجزائر، لكن المشكلة تبرز عندما تواجه شيكاً بدون رصيد. هذا الموقف لا يعرقل معاملاتك المالية فحسب، بل يضعك أمام تحدٍ قانوني حقيقي. إن فهم الإطار القانوني لجريمة إصدار شيك بدون رصيد في الجزائر، ومعرفة العقوبات المترتبة عليها والإجراءات الواجب اتباعها، هو خط الدفاع الأول لحماية حقوقك واسترجاع أموالك. هذا المقال هو دليلك الشامل والعملي للتعامل مع هذه القضية الشائكة وفقاً لأحدث التعديلات القانونية.
السند القانوني لجريمة الشيك بدون رصيد في الجزائر
تنظم جريمة إصدار شيك بدون رصيد نصوص قانونية صارمة تهدف إلى حماية الثقة في هذه الأداة الائتمانية الهامة. المرجعية الأساسية لهذه الجريمة تقع ضمن قانون العقوبات، مع أحكام تكميلية في القانون التجاري تنظم الشيك كأداة وفاء.
المادة 374 من قانون العقوبات الجزائري
تعتبر المادة 374 من الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، والمعدل والمتمم، حجر الزاوية في تجريم هذا الفعل. تحدد هذه المادة بوضوح الأفعال التي تشكل الجريمة والعقوبات المترتبة عليها. وتنص على معاقبة كل من أصدر بسوء نية شيكاً لا يقابله رصيد قائم وقابل للتصرف فيه، أو كان الرصيد أقل من قيمة الشيك. كما تشمل الجريمة حالات أخرى مثل:
- سحب كل الرصيد أو جزء منه بعد إصدار الشيك (تفويت الرصيد).
- إصدار أمر للمسحوب عليه (البنك) بعدم الدفع في غير الحالات القانونية (الاعتراض غير القانوني).
- قبول أو تظهير شيك صادر في هذه الظروف مع العلم بذلك.
هذه المادة هي الأساس الذي يبني عليه وكيل الجمهورية متابعته القضائية ضد مُصدر الشيك.
أحكام القانون التجاري
بينما يجرم قانون العقوبات الفعل، يحدد القانون التجاري (الأمر رقم 75-59 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975، المعدل والمتمم) طبيعة الشيك وشروط صحته وإجراءات تقديمه للوفاء. المواد المتعلقة بالشيك في القانون التجاري تؤكد على أنه “أداة وفاء” وليس “أداة ائتمان”. هذا يعني أن الشيك مستحق الدفع بمجرد الاطلاع، وأن أي اتفاق على تقديمه في تاريخ لاحق (ما يعرف بـ “شيك ضمان”) لا ينفي قيام الجريمة إذا كان الرصيد غير متوفر في تاريخ تقديمه للبنك.
شرح إجراءات المتابعة القضائية خطوة بخطوة
عندما تجد نفسك حاملاً لشيك بدون رصيد، يجب التحرك بسرعة ووفق مسار قانوني محدد لضمان عدم ضياع حقك. الإجراءات تختلف بين ما يجب على المستفيد القيام به وما يواجهه الساحب (مُصدر الشيك).
1. من جهة المستفيد (حامل الشيك)
بصفتك ضحية، عليك اتباع الخطوات التالية بدقة:
- التقديم للبنك: الخطوة الأولى والأهم هي تقديم الشيك للبنك المسحوب عليه خلال الآجال القانونية. هذه الآجال هي 20 يوماً إذا كان الشيك صادراً ومستحق الدفع في الجزائر، و45 يوماً إذا كان صادراً خارج الجزائر ومستحق الدفع فيها.
- الحصول على شهادة عدم الدفع (Certificat de non-paiement): في حال عدم وجود رصيد كافٍ، سيرفض البنك صرف الشيك. هنا، يجب عليك فوراً طلب “شهادة عدم الدفع”. هذه الوثيقة رسمية ومجانية، وتثبت أنك قدمت الشيك للوفاء ولكن الرصيد كان غير كافٍ. هي الدليل المادي الأساسي لقيام الجريمة.
- إيداع شكوى لدى وكيل الجمهورية: بعد الحصول على شهادة عدم الدفع، تتوجه إلى محكمة الاختصاص (المحكمة التي يقع في دائرتها مقر البنك المسحوب عليه أو موطن المتهم) وتقوم بإيداع شكوى رسمية لدى مصالح وكيل الجمهورية.
- تحريك الدعوى العمومية: يقوم وكيل الجمهورية بعد استلام الشكوى وملفها بتحريك الدعوى العمومية ضد الساحب، ويأمر مصالح الضبطية القضائية (الشرطة أو الدرك الوطني) بفتح تحقيق واستدعاء المشتبه به لسماع أقواله.
2. من جهة الساحب (مُصدر الشيك)
إذا كنت من أصدر الشيك، فستواجه الإجراءات التالية:
- الاستدعاء للتحقيق: سيتم استدعاؤك من قبل مصالح الضبطية القضائية للتحقيق معك حول ملابسات إصدار الشيك.
- فرصة التسوية: يمنحك القانون فرصة لتجنب العقوبة الحبسية. يمكنك في أي مرحلة من مراحل الدعوى، وقبل صدور حكم نهائي، أن تقوم بـ “تسوية” وضعيتك. تتم التسوية عبر دفع مبلغ الشيك كاملاً، بالإضافة إلى المصاريف القضائية التي تم إنفاقها.
- إثبات التسوية: لإثبات التسوية، يجب عليك إحضار ما يثبت دفع المبلغ (مخالصة من الضحية) وتقديمها لوكيل الجمهورية أو لهيئة المحكمة. في هذه الحالة، تنقضي الدعوى العمومية، ولكن قد تبقى ملزماً بدفع غرامة جبائية.
- المحاكمة: في حال عدم التسوية، سيتم تقديمك للمحاكمة أمام قسم الجنح، حيث ستصدر المحكمة حكمها بناءً على الأدلة المقدمة.
الوثائق المطلوبة لتكوين ملف الشكوى (الملف الإداري)
لتقديم شكوى قوية ومقبولة شكلاً، يجب أن يتضمن ملفك الوثائق التالية بدقة:
- عريضة الشكوى: وثيقة مكتوبة تتوجه بها إلى السيد وكيل الجمهورية، تشرح فيها وقائع القضية وتحدد هوية المشتكى منه (الساحب) وتطلب فيها متابعته قضائياً.
- أصل الشيك: يجب تقديم الشيك الأصلي الذي تم رفضه، فهو جسم الجريمة.
- شهادة عدم الدفع الأصلية: الوثيقة الصادرة عن البنك والتي تثبت عدم وجود رصيد.
- نسخة من بطاقة التعريف الوطنية: لإثبات هويتك كشاكٍ.
- طابع جبائي: بقيمة تحددها قوانين المالية (غالباً ما يكون مطلوباً لإضفاء الرسمية على الشكوى).
العقوبات المقررة لجريمة إصدار شيك بدون رصيد
العقوبات التي نصت عليها المادة 374 من قانون العقوبات تعتبر رادعة، وهي تنقسم إلى عقوبات أصلية وأخرى تكميلية.
العقوبات الأصلية
يعاقب مرتكب جريمة إصدار شيك بدون رصيد بـ:
- الحبس: من سنة (1) إلى خمس (5) سنوات.
- الغرامة: لا تقل عن قيمة الشيك أو عن قيمة النقص في الرصيد.
يجدر الذكر أن المحكمة تتمتع بالسلطة التقديرية لتطبيق العقوبة ضمن هذا النطاق، مع إمكانية تطبيق ظروف التخفيف إذا رأت ذلك مناسباً.
العقوبات التكميلية
بالإضافة إلى الحبس والغرامة، يمكن للمحكمة أن تحكم بعقوبات تكميلية تزيد من ردع الجريمة، من أهمها:
- المنع من إصدار الشيكات: يمكن أن يُمنع المحكوم عليه من إصدار الشيكات لمدة تتراوح بين سنة وخمس سنوات.
- الحرمان من الحقوق الوطنية والمدنية والعائلية: في بعض الحالات الجسيمة، يمكن أن تصل العقوبة إلى الحرمان من بعض الحقوق المنصوص عليها قانوناً.
| العنصر | التفصيل | السند القانوني |
|---|---|---|
| عقوبة الحبس | من سنة (1) إلى خمس (5) سنوات | المادة 374 من قانون العقوبات |
| الغرامة المالية | لا تقل عن قيمة الشيك أو النقص في الرصيد | المادة 374 من قانون العقوبات |
| أجل تقديم الشيك (محلي) | 20 يوماً من تاريخ إصداره | القانون التجاري |
| المنع من إصدار الشيكات | من سنة (1) إلى خمس (5) سنوات كعقوبة تكميلية | وفقاً للتنظيم المعمول به |
نصيحة الخبير
بمجرد حصولك على “شهادة عدم الدفع” من البنك، لا تتردد ولا تتأخر في إيداع شكواك. عامل الوقت حاسم. بعض الأشخاص يقعون في فخ الوعود المتكررة من مُصدر الشيك بالدفع اللاحق، مما قد يؤدي إلى ضياع الوقت وتجاوز آجال التقادم. الإجراء الرسمي عبر المحكمة هو أضمن وسيلة للضغط على المدين وإجباره على التسوية، أو الحصول على حكم قضائي يمكنك من خلاله استرجاع حقك عبر طرق التنفيذ الجبري لاحقاً. المسار القضائي هو أسرع طريق عملي لاسترجاع أموالك.
تنبيه هام: “شيك الضمان” لا يعفي من المسؤولية الجزائية
من الأخطاء الشائعة في الجزائر الاعتقاد بأن كتابة عبارة “شيك ضمان” على الشيك أو الاتفاق الشفهي على عدم تقديمه للبنك إلا بعد فترة معينة يعفي مُصدره من المسؤولية الجزائية. هذا الاعتقاد خاطئ تماماً. القضاء الجزائري، استناداً إلى نصوص القانون التجاري، يعتبر الشيك أداة وفاء مستحقة الدفع بمجرد الاطلاع. متى ما تم تقديمه للبنك وكان الرصيد غير كافٍ، تقوم الجريمة بكامل أركانها، ولا يمكن الدفع بأن القصد كان “الضمان” فقط.
أسئلة شائعة حول الشيك بدون رصيد
هنا نجيب على بعض الأسئلة الأكثر شيوعاً التي يطرحها المواطنون حول هذه القضية.
ماذا أفعل إذا قام مُصدر الشيك بتسديد المبلغ بعد إيداع الشكوى؟
إذا قام الساحب بدفع مبلغ الشيك كاملاً بالإضافة إلى المصاريف بعد تحريك الدعوى العمومية، فإن ذلك يؤدي إلى انقضاء الدعوى. يجب عليك كضحية أن تمنحه “مخالصة” أو “تنازل عن الشكوى” موثق، ليقدمه بدوره للعدالة كدليل على التسوية. هذا الإجراء يوقف المتابعة الجزائية ضد الساحب، وهو حل مفيد لكلا الطرفين حيث تسترجع مالك بسرعة ويتجنب هو العقوبة السالبة للحرية.
هل هناك تقادم لجريمة إصدار شيك بدون رصيد؟
نعم، تخضع جريمة إصدار شيك بدون رصيد، بوصفها جنحة، للتقادم العام للدعوى العمومية، وهو ثلاث (3) سنوات كاملة. يبدأ سريان هذا الأجل من تاريخ تقديم الشيك للبنك وثبوت عدم وجود رصيد (أي من تاريخ تحرير شهادة عدم الدفع)، وليس من تاريخ إصدار الشيك.
فقدت الشيك الأصلي، هل يمكنني متابعة الساحب قضائياً؟
متابعة الساحب بجريمة إصدار شيك بدون رصيد تتطلب “أصل الشيك” كدليل مادي. في حال ضياعه، تصبح المتابعة الجزائية بهذه التهمة شبه مستحيلة. لكن هذا لا يعني ضياع حقك. يمكنك اللجوء إلى القضاء المدني ورفع “دعوى إثبات حق” للمطالبة بقيمة الدين الأصلي الذي كان الشيك ضماناً له، لكنك ستحتاج إلى إثبات هذا الدين بوسائل إثبات أخرى (عقد، شهود، اعتراف بالدين…).
هل يمكنني التفاوض مع البنك لسحب الشكوى؟
الشكوى في جريمة الشيك بدون رصيد هي حق شخصي للضحية (حامل الشيك). البنك ليس طرفاً في الشكوى الجزائية، دوره فني بحت ويتمثل في إصدار “شهادة عدم الدفع”. الجهة الوحيدة التي يمكنك التنازل أمامها عن الشكوى هي الجهات القضائية (وكيل الجمهورية أو المحكمة).
الخاتمة وإخلاء المسؤولية
في الختام، يظل الشيك أداة وفاء فعالة إذا تم التعامل معها بحذر. لكن عند مواجهة شيك بدون رصيد، فإن المشرع الجزائري قد وفر حماية قانونية قوية للمستفيد. إن معرفة الإجراءات، بدءاً من الحصول على شهادة عدم الدفع مروراً بتكوين ملف الشكوى ووصولاً إلى فهم العقوبات، هو السلاح الأقوى في يدك. لا تتردد في اللجوء إلى القضاء، فهو الطريق الأمثل لضمان حقوقك وردع مثل هذه الممارسات التي تضر بالثقة في المعاملات المالية. البقاء على اطلاع دائم بآخر المستجدات القانونية، كما تقدمها منصات مثل akhbardz، يساعد في اتخاذ القرارات الصحيحة. تذكر دائماً أن القانون في صفك إذا اتبعت المسار الصحيح.
المصادر والمراجع
- الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم.
- الأمر رقم 75-59 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975، المتضمن القانون التجاري، المعدل والمتمم.
- الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
- موقع وزارة العدل الجزائرية.
- موقع إلكتروني إخباري وقانوني: https://akhbardz.com/




