القانون والإدارة

الطعون في إسناد الصفقات العمومية في الجزائر شروطها و إجراءاتها القانونية

لقد شاركت شركتك في مناقصة وطنية هامة، وكنت واثقاً من أن عرضك هو الأفضل تقنياً ومالياً، لكنك تفاجأت بإعلان فوز متعهّد آخر بصفة مؤقتة. هل تشعر بأن قرار الإسناد كان غير منصف، أو شابه خرق للإجراءات، أو تضمن تفسيراً خاطئاً لدفتر الشروط؟ لا تقلق، القانون الجزائري يمنحك آليات دقيقة للدفاع عن حقوقك. إن فهم مسارات وإجراءات الطعون في إسناد الصفقات العمومية هو سلاحك الأول لضمان الشفافية والمنافسة النزيهة.

هذا المقال هو دليلك الشامل والمفصل، خطوة بخطوة، لفهم كيفية تقديم طعن صحيح وفعال ضد قرار المنح المؤقت للصفقة، وفقاً لأحكام المرسوم الرئاسي 15-247 والتطبيق العملي أمام الإدارات والمحاكم الجزائرية.

السند القانوني المنظم للطعون في الصفقات العمومية

تخضع مسألة الطعون في مجال الصفقات العمومية في الجزائر بشكل أساسي لنص قانوني محوري، وهو المرجعية الأولى لكل متضرر. من الضروري معرفة هذه النصوص لتبني طعنك على أساس قانوني سليم.

  • المرسوم الرئاسي رقم 15-247 المؤرخ في 2 ذي الحجة عام 1436 الموافق 16 سبتمبر سنة 2015، المتضمن تنظيم الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام. يعتبر هذا المرسوم هو حجر الزاوية، وتحديداً المادة 82 منه التي تفصّل مسارات الطعن الإداري وآجاله وإجراءاته بدقة متناهية.
  • القانون رقم 08-09 المؤرخ في 18 صفر عام 1429 الموافق 25 فبراير سنة 2008، المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية. هذا القانون هو المرجع في حالة اللجوء إلى القضاء الإداري، حيث ينظم إجراءات رفع الدعاوى أمام المحاكم الإدارية، لا سيما دعوى الإلغاء وطلب وقف التنفيذ.

أنواع الطعون في مجال الصفقات العمومية: المسار الإداري والقضائي

فرّق المشرع الجزائري بين نوعين من الطعون، وجعل أحدهما شرطاً أساسياً للجوء إلى الثاني. فهم هذا الترتيب إلزامي لتفادي خطأ إجرائي قد يؤدي إلى رفض طعنك شكلاً.

أولاً: الطعن الإداري (المرحلة الأولى الإجبارية)

هو المسار الأول الذي يجب على كل متعهد متضرر أن يسلكه. يتميز بكونه طعناً أمام جهات إدارية، وهو أسرع وأقل تكلفة من المسار القضائي. ينقسم بدوره إلى مسلكين يمكن للمتعهد أن يختار بينهما أو يجمعهما حسب الحالة:

1. الطعن أمام المصلحة المتعاقدة

هذا هو الإجراء المباشر الأول. يقوم المتعهد الطاعن برفع تظلمه مباشرة إلى المسؤول الأول عن المصلحة المتعاقدة التي أطلقت المناقصة (مثلاً: مدير المؤسسة العمومية، رئيس المجلس الشعبي البلدي، الوزير…). الهدف هو لفت انتباه الإدارة إلى خطأ محتمل في التقييم وحثها على مراجعة قرارها.

  • الأجل: يجب إيداع الطعن في أجل أقصاه 10 أيام، ابتداءً من تاريخ أول نشر لإعلان المنح المؤقت للصفقة في النشرة الرسمية لصفقات المتعامل العمومي (BOMOP) أو في الصحافة.
  • التزام الإدارة: على المصلحة المتعاقدة الرد على الطاعن في أجل أقصاه 3 أيام عمل قبل انقضاء مدة صلاحية عروض المتعهدين.

2. الطعن أمام لجنة الصفقات المختصة

في نفس الوقت أو كخيار بديل، يمكن للمتعهد رفع طعنه أمام لجنة الصفقات العمومية المختصة. هذه اللجنة هي هيئة رقابية خارجية عن المصلحة المتعاقدة، مما يمنحها حيادية أكبر في دراسة الطعن. تختلف اللجنة المختصة باختلاف الصفقة:

  • اللجنة القطاعية للصفقات العمومية: للصفقات التابعة للوزارات والإدارات المركزية.
  • اللجنة الولائية للصفقات العمومية: للصفقات التابعة لمصالح الولاية والبلديات والمؤسسات العمومية المحلية.
  • لجنة الصفقات للمؤسسة العمومية الوطنية ذات الطابع الصناعي والتجاري: حسب الحالة.

الأجل: نفس الأجل المذكور أعلاه، أي 10 أيام من تاريخ أول نشر لإعلان المنح المؤقت للصفقة.

أثر الطعن: حسب نص المادة 82، فإن إخطار لجنة الصفقات المختصة بالطعن يؤدي إلى تعليق كل إجراءات إبرام الصفقة إلى غاية صدور قرار اللجنة. هذا أثر قانوني هام جداً يجمّد الوضع ويمنع الإدارة من التوقيع النهائي على العقد.

ثانياً: الطعن القضائي (اللجوء إلى المحكمة الإدارية)

إذا لم يقتنع المتعهد برد المصلحة المتعاقدة، أو في حالة الرفض الصريح أو الضمني لطعنه الإداري، يمكنه اللجوء إلى القضاء. الجهة القضائية المختصة هي المحكمة الإدارية التي يقع في دائرة اختصاصها مقر المصلحة المتعاقدة.

يتم رفع دعوى قضائية تهدف أساساً إلى:

  • دعوى الإلغاء: يطلب فيها الطاعن من القاضي الإداري إلغاء مقرر المنح المؤقت للصفقة لمخالفته القانون أو الإجراءات.
  • طلب وقف التنفيذ: يمكن للطاعن أن يطلب من القاضي، في إطار استعجالي، إصدار أمر بوقف تنفيذ إجراءات الصفقة إلى حين الفصل في دعوى الإلغاء، وذلك لتفادي أضرار قد يصعب تداركها.

الإجراءات العملية للطعن خطوة بخطوة

بعد فهم الإطار النظري، ننتقل الآن إلى الجانب العملي. كيف تقدم طعنك بشكل صحيح؟

1. كتابة عريضة الطعن

عريضة الطعن هي المستند الأساسي. يجب أن تكون مكتوبة بوضوح ودقة وتتضمن العناصر التالية:

  • معلومات الطاعن: الاسم الكامل للشركة، الشكل القانوني، العنوان، رقم السجل التجاري، اسم الممثل القانوني.
  • معلومات المطعون ضده: تحديد المصلحة المتعاقدة بدقة.
  • موضوع الطعن: “طعن في قرار المنح المؤقت للصفقة المتعلقة بـ… المعلن عنه بتاريخ…”.
  • الوقائع: سرد موجز ومنظم لوقائع المشاركة في المناقصة وصولاً إلى قرار المنح المؤقت.
  • الأوجه القانونية للطعن: هذا هو الجزء الأهم. يجب أن تبين بالتفصيل الأسباب التي تجعل قرار المنح المؤقت غير قانوني. مثلاً:
    • خرق مبدأ المساواة بين المترشحين.
    • إقصاء تعسفي وغير مبرر لعرضك.
    • خطأ في تطبيق معايير الاختيار المنصوص عليها في دفتر الشروط.
    • قبول عرض منافس لا يستجيب للمتطلبات التقنية الدنيا.
    • عدم مطابقة العرض الفائز لدفتر الشروط.
  • الطلبات: اطلب بوضوح إلغاء قرار المنح المؤقت للصفقة وإعادة تقييم العروض.

2. إيداع الطعن واحترام الآجال

يجب إيداع عريضة الطعن ومرفقاتها لدى الجهة المختصة (المصلحة المتعاقدة أو أمانة لجنة الصفقات) مقابل وصل إيداع (Accusé de réception). هذا الوصل هو دليلك القاطع على أنك أودعت طعنك في الأجل القانوني. لا تقبل أبداً بالإيداع الشفوي أو بدون وصل.

الوثائق المطلوبة لإيداع طعن (الملف الإداري)

لتقوية طعنك، يجب إرفاق عريضتك بمجموعة من الوثائق التي تدعم ادعاءاتك. جهز الملف التالي:

  • عريضة الطعن: أصلية، موقعة ومختومة من الممثل القانوني للشركة.
  • نسخة من السجل التجاري للطاعن: ساري المفعول.
  • نسخة من إعلان المنح المؤقت للصفقة: صفحة الجريدة أو نسخة من موقع BOMOP.
  • نسخة من رسالة رفض عرضك (إن وجدت): إذا أبلغتك المصلحة المتعاقدة بأسباب الرفض كتابياً.
  • أية وثيقة تدعم أسباب الطعن: هذا يعتمد على طبيعة طعنك. يمكن أن يكون تقريراً فنياً مقارناً، نسخة من أجزاء دفتر الشروط التي تم خرقها، صور، مراسلات سابقة، إلخ.
  • إثبات المشاركة في المناقصة: مثل وصل إيداع العرض.

جدول تلخيصي لآجال الطعون الإدارية

لتسهيل الأمر عليك، إليك هذا الجدول الذي يلخص الآجال الحاسمة التي يجب ألا تفوتها.

نوع الطعن الإداريالجهة المختصة بالنظر في الطعنالأجل القانوني لإيداع الطعنأجل الرد من الإدارة
الطعن أمام المصلحة المتعاقدةالمسؤول عن المصلحة المتعاقدة (المدير، الوزير…)10 أيام من تاريخ أول نشر لإعلان المنح المؤقت3 أيام عمل قبل انتهاء مدة صلاحية العروض
الطعن أمام لجنة الصفقاتلجنة الصفقات المختصة (قطاعية، ولائية…)10 أيام من تاريخ أول نشر لإعلان المنح المؤقتتبت اللجنة قبل انقضاء أجل صلاحية العروض

نصيحة الخبير

لا تكتفِ في طعنك بالعبارات العامة مثل “القرار غير منصف”. كن دقيقاً ومحدداً. استند إلى مواد من دفتر الشروط تم انتهاكها، أو معايير تقييم لم يتم احترامها. كلما كان طعنك مدعماً بأدلة مادية وقانونية، زادت فرص قبوله. ننصح في akhbardz بالاستعانة بخبير فني في مجال الصفقة لصياغة الحجج التقنية في الطعن.

تنبيه هام

اللجوء مباشرة إلى المحكمة الإدارية دون استنفاد طرق الطعن الإداري المنصوص عليها في المادة 82 من المرسوم الرئاسي 15-247 (أمام المصلحة المتعاقدة أو لجنة الصفقات) سيؤدي حتماً إلى الحكم بعدم قبول الدعوى شكلاً لعدم احترام مبدأ التدرج في الطعون. المسار الإداري هو خطوة أولى إجبارية لا يمكن تجاوزها.

الأسئلة الشائعة (FAQ) حول الطعون في الصفقات العمومية

ماذا أفعل إذا لم ترد المصلحة المتعاقدة أو لجنة الصفقات على طعني في الأجل المحدد؟

يعتبر سكوت الإدارة عن الرد بعد انقضاء الآجال القانونية بمثابة قرار رفض ضمني. هذا الرفض الضمني يفتح لك الباب للتوجه إلى المرحلة التالية من التقاضي، وهي رفع دعوى الإلغاء أمام المحكمة الإدارية المختصة.

هل يمكنني الطعن بعد المنح النهائي للصفقة وتوقيع العقد؟

الطعن الأساسي والفعال يكون ضد “المنح المؤقت” للصفقة. الطعن بعد المنح النهائي وتوقيع العقد يصبح أكثر تعقيداً، حيث يتحول النزاع من إلغاء مقرر إداري إلى نزاع عقدي. في هذه الحالة، لا يمكن طلب إلغاء العقد إلا في حالات استثنائية جداً أمام قاضي العقد بالمحكمة الإدارية، وعادة ما تقتصر المطالبة على التعويض عن الضرر إن ثبت وجود خطأ جسيم من الإدارة.

هل تقديم الطعن يوقف إجراءات إبرام العقد؟

نعم. تنص المادة 82 صراحة على أن إخطار لجنة الصفقات المختصة بالطعن يترتب عليه تعليق كافة إجراءات إبرام الصفقة إلى حين أن تبت هذه اللجنة في الطعن. أما الطعن أمام المصلحة المتعاقدة وحدها فلا يوقف الإجراءات بقوة القانون، وإن كان يجمدها عملياً في أغلب الأحيان.

ما هي أسباب الطعن الأكثر شيوعاً والتي تقبلها اللجان والمحاكم؟

الأسباب الأكثر جدية وقبولاً هي تلك التي تمس بمبادئ أساسية في الصفقات العمومية، مثل: إقصاء متعهد بالرغم من أن عرضه يستجيب لدفتر الشروط، قبول عرض منافس يفتقر لوثيقة إقصائية مطلوبة، خطأ واضح في حساب نقطة التقييم المالي أو التقني، أو خرق صارخ لمبدأ المساواة بين المتعهدين من خلال الكشف عن معلومات لأحدهم دون الآخر.

الخاتمة

إن حق الطعن في قرارات إسناد الصفقات العمومية ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو ضمانة أساسية كرسها المشرع الجزائري لحماية حقوق المتعهدين وتكريس الشفافية والنزاهة في إدارة المال العام. من خلال اتباع الإجراءات الصحيحة، واحترام الآجال، وتقديم طعن مؤسس قانوناً وموضوعياً، يمكنك الدفاع عن مصالح شركتك بفعالية والمساهمة في تحسين مناخ الأعمال. تذكر دائماً أن التوثيق الدقيق والاستشارة القانونية المسبقة هما مفتاح النجاح في هذا المسار. لمزيد من التحليلات القانونية، يمكنكم تصفح موقع أخبار الجزائر.

تنويه قانوني: المعلومات الواردة في هذا المقال هي لأغراض الاسترشاد وتبسيط المفاهيم القانونية وفقاً للنصوص السارية وقت النشر. هذه المعلومات لا تغني بأي حال عن استشارة محامٍ مختص أو مراجعة الجهات الرسمية.

المصادر والمراجع

  • المرسوم الرئاسي رقم 15-247 المؤرخ في 16 سبتمبر 2015، المتضمن تنظيم الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام (الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، العدد 50).
  • القانون رقم 08-09 المؤرخ في 25 فبراير 2008، المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية (الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، العدد 21).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى