الفساد في الصفقات العامة في الجزائر: جرائم الفساد وتأثيراتها على الاقتصاد الوطني

تُعتبر الصفقات العمومية الشريان الرئيسي لتنفيذ المشاريع التنموية في الجزائر، إلا أنها في الوقت ذاته تمثل إحدى أكبر الساحات التي تنتشر فيها ممارسات الفساد. يجد الكثير من أصحاب المؤسسات الصغيرة والمقاولين الشرفاء أنفسهم أمام أبواب موصدة بسبب شبكات المحاباة والرشوة، مما لا يضر بمصالحهم فحسب، بل يقوّض أسس الاقتصاد الوطني ويهدر المال العام. فهم الإطار القانوني الصارم الذي وضعه المشرع الجزائري لمواجهة جرائم الفساد في الصفقات العامة ليس مجرد ثقافة قانونية، بل هو ضرورة لحماية الحقوق والمساهمة في بناء اقتصاد شفاف وعادل.
الإطار القانوني لمكافحة الفساد في الصفقات العمومية
وضع المشرع الجزائري ترسانة قانونية متكاملة تهدف إلى الوقاية من الفساد في مجال الصفقات العمومية ومكافحته، وتستند هذه الترسانة بشكل أساسي على نصين رئيسيين، أحدهما يجرّم الأفعال والآخر يضع آليات الوقاية الإجرائية.
1. القانون رقم 06-01: حجر الزاوية في التجريم والعقاب
يعد القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006، المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، المعدل والمتمم، هو النص المحوري في هذا المجال. هذا القانون، المستلهم من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، عرّف وحدّد مختلف جرائم الفساد بدقة، ووضع لها عقوبات صارمة. ومن أهم الجرائم التي نص عليها وتتعلق مباشرة بالصفقات العمومية نجد:
- الرشوة في القطاع العام (المادتان 25 و 27).
- منح امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية (المادة 26).
- استغلال النفوذ (المادة 32).
- تعارض المصالح (المادة 34).
- الإثراء غير المشروع (المادة 37).
هذا القانون لا يقتصر على التجريم، بل أسس أيضاً لهيئات متخصصة في مكافحة الفساد، والتي تطورت لتصبح اليوم “السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته”.
2. تنظيم الصفقات العمومية: آليات الوقاية والشفافية
النص الثاني هو المرسوم الرئاسي رقم 15-247 المؤرخ في 16 سبتمبر 2015، المتضمن تنظيم الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام. هذا النص لا يجرم، بل يضع القواعد الإجرائية التي يجب على الإدارة (المصلحة المتعاقدة) اتباعها عند إبرام أي صفقة. الهدف من هذه الإجراءات هو ضمان:
- حرية الوصول للطلبات العمومية: من خلال الإشهار والنشر الإلزامي للإعلانات عن المناقصات.
- المساواة في معاملة المترشحين: عبر تطبيق نفس المعايير على جميع المشاركين دون تمييز.
- شفافية الإجراءات: من خلال لجان فتح الأظرفة وتقييم العروض، وإلزامية تبرير القرارات.
يعتبر أي خرق لهذه المبادئ الأساسية قرينة قوية على وجود محاولة لارتكاب إحدى جرائم الفساد التي نص عليها القانون 06-01.
أبرز جرائم الفساد المتعلقة بالصفقات العمومية في التشريع الجزائري
بناءً على الإطار القانوني المذكور، يمكن تفصيل الجرائم الأكثر شيوعاً في مجال الصفقات العمومية على النحو التالي:
1. جريمة المحاباة (منح امتيازات غير مبررة)
تعتبر هذه الجريمة من أكثر الجرائم انتشاراً وسهولة في الإثبات. تنص عليها المادة 26 من القانون 06-01، وتعاقب كل موظف عمومي يمنح للغير امتيازاً غير مبرر عند إبرام صفقة أو عقد مع الدولة أو إحدى هيئاتها. تتحقق هذه الجريمة بمجرد “خرق القوانين والتنظيمات” بهدف منح هذا الامتياز.
أمثلة عملية على المحاباة:
- قبول ملف شركة بعد انقضاء الآجال القانونية لتقديم العروض.
- تكييف دفتر الشروط “على مقاس” شركة معينة لاستبعاد المنافسين الآخرين.
- تسريب معلومات سرية حول العروض الأخرى لأحد المتنافسين لمنحه الأفضلية.
- تجاهل عيوب تقنية في عرض شركة معينة ومنحها الصفقة رغم وجود عروض أفضل.
2. جريمة الرشوة (الرشوة السلبية والإيجابية)
تعتبر الرشوة “أم الجرائم” في هذا المجال، وقد فرق المشرع بين حالتين:
- الرشوة السلبية (المادة 25 من القانون 06-01): وتخص الموظف العمومي الذي يطلب أو يقبل مزية غير مستحقة (مال، هدية، خدمة…) لنفسه أو لغيره، بهدف أداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل يدخل في إطار واجباته. في سياق الصفقات، قد يقبل الموظف (عضو لجنة تقييم مثلاً) رشوة لتمرير ملف شركة لا تستوفي الشروط.
- الرشوة الإيجابية (المادة 27 من القانون 06-01): وتخص الشخص الذي يقدم الرشوة (صاحب الشركة مثلاً). فمجرد وعد الموظف بمزية أو عرضها عليه يعتبر جريمة قائمة بحد ذاتها، حتى لو رفض الموظف العرض.
3. جريمة استغلال النفوذ
نصت عليها المادة 32 من القانون 06-01، وتتحقق عندما يقوم شخص (موظف أو غير موظف) باستغلال نفوذه الحقيقي أو المزعوم لدى هيئة عمومية للحصول على مزية غير مستحقة مقابل مقابل مادي أو غيره. المثال الكلاسيكي هو “الوسيط” الذي يدعي أن له معارف في لجنة الصفقات ويمكنه ضمان فوز شركة معينة بالصفقة مقابل مبلغ مالي.
العقوبات المقررة قانوناً لمرتكبي جرائم الفساد
شدد المشرع الجزائري العقوبات على مرتكبي هذه الجرائم، سواء كانوا موظفين عموميين أو أصحاب شركات، وذلك نظراً لخطورتها على المال العام والاقتصاد. يلخص الجدول التالي أبرز العقوبات:
| الجريمة | السند القانوني (من القانون 06-01) | العقوبة (الحبس) | العقوبة (الغرامة المالية) |
|---|---|---|---|
| المحاباة (منح امتيازات غير مبررة) | المادة 26 | من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات | من 200.000 دج إلى 1.000.000 دج |
| الرشوة السلبية للموظف العمومي | المادة 25 | من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات | من 200.000 دج إلى 1.000.000 دج (وتصل إلى ضعف قيمة المزية) |
| الرشوة الإيجابية (الراشي) | المادة 27 | من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات | من 200.000 دج إلى 1.000.000 دج |
| استغلال النفوذ | المادة 32 | من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات | من 200.000 دج إلى 1.000.000 دج |
ملاحظة: يمكن تشديد هذه العقوبات في حال ارتكاب الجرائم في ظروف معينة (صفقات تخص قطاعات حساسة، أوقات أزمات، إلخ).
نصيحة الخبير القانوني
لأصحاب المؤسسات المشاركة في الصفقات العمومية: احرصوا على توثيق كل خطوة في العملية. احتفظوا بنسخ من كل المراسلات، محاضر الفتح والتقييم، واحرصوا على تقديم طعونكم الإدارية كتابياً لدى لجنة الصفقات المختصة ولدى المصلحة المتعاقدة في حالة الشك في وجود إخلال بالإجراءات. هذه الوثائق هي سلاحكم القانوني الوحيد في حال قررتم اللجوء إلى القضاء أو تقديم شكوى. لا تعتمدوا على الوعود الشفوية إطلاقاً.
التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للفساد في الصفقات العامة
تتجاوز آثار الفساد في الصفقات العمومية مجرد هدر المال العام لتطال بنية الاقتصاد والمجتمع ككل.
على المستوى الاقتصادي
- تضخيم تكاليف المشاريع: غالباً ما تكون تكلفة المشاريع التي تشوبها شبهات فساد أعلى بكثير من تكلفتها الحقيقية، مما يستنزف ميزانية الدولة.
- تدني جودة الإنجاز: الشركة التي تحصل على صفقة بالرشوة أو المحاباة غالباً ما تلجأ إلى استخدام مواد رديئة أو تقنيات غير مطابقة لتعويض الأموال التي دفعتها بشكل غير قانوني، مما يؤدي إلى بنى تحتية هشة (طرق، مستشفيات، مدارس…).
- عزوف الاستثمار الأجنبي والوطني الجاد: بيئة الأعمال التي يسودها الفساد تطرد المستثمرين الذين يبحثون عن الشفافية والمنافسة العادلة.
- إقصاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة: يقضي الفساد على فرص المؤسسات الصغيرة والناشئة التي لا تملك شبكات نفوذ أو القدرة على دفع الرشاوى، مما يخنق الابتكار ويحد من خلق مناصب الشغل. كما يمكنك قراءة المزيد حول التحديات الاقتصادية على مختلف المنصات الإخبارية.
على المستوى الاجتماعي
- فقدان الثقة في مؤسسات الدولة: عندما يرى المواطن أن المشاريع تمنح على أساس الولاء وليس الكفاءة، يفقد ثقته في الإدارة والقضاء على حد سواء.
- ترسيخ اللامساواة: يخلق الفساد طبقة من الأثرياء بشكل غير مشروع على حساب الأغلبية، مما يزيد من الفجوة الاجتماعية ويثير الاحتقان.
تنبيه هام: التبليغ عن الفساد
يعتقد الكثيرون أن التبليغ عن الفساد قد يعرضهم للمساءلة أو الانتقام. لكن القانون رقم 06-01 يوفر حماية قانونية للمبلغين. تنص المادة 45 منه على تدابير لحماية الشهود والخبراء والضحايا والمبلغين، كما أن القانون الجديد المتعلق بحماية المبلغين عن الفساد يعزز هذه الحماية. التبليغ واجب وطني ومسؤولية قانونية. يمكن التبليغ لدى السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته أو لدى مصالح الضبطية القضائية (الشرطة، الدرك الوطني) أو وكيل الجمهورية المختص إقليمياً.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
ما الفرق بين جريمة المحاباة وجريمة الرشوة في الصفقات العمومية؟
الفرق الجوهري يكمن في وجود “المقابل”. في الرشوة، هناك “مقابل” (مزية غير مستحقة) يطلبه أو يقبله الموظف لأداء عمله. أما في المحاباة، فليس من الضروري وجود مقابل مادي، يكفي أن يقوم الموظف بخرق القوانين عمداً لمنح امتياز غير مبرر لمتعامل ما، حتى لو كان ذلك بسبب علاقة قرابة أو صداقة ودون أن يأخذ أي مقابل مالي.
هل يمكن متابعة شركة خاصة (شخص معنوي) قضائياً في قضايا الفساد؟
نعم، بكل تأكيد. ينص القانون 06-01 في مادته 53 على قيام المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي (الشركات، المؤسسات) إذا ارتكبت الجريمة لحسابه من طرف أجهزته أو ممثليه الشرعيين. وتكون العقوبات في هذه الحالة غرامات مالية تصل إلى خمسة أضعاف الغرامة المقررة للشخص الطبيعي، بالإضافة إلى عقوبات تكميلية خطيرة مثل الإقصاء من الصفقات العمومية، حل الشركة، أو مصادرة الأملاك.
كيف يمكن لمتنافس تم إقصاؤه من صفقة أن يطعن في القرار؟
يوفر تنظيم الصفقات العمومية آليتين أساسيتين: أولاً، يمكنه تقديم طعن إداري أمام المصلحة المتعاقدة نفسها خلال أجل 10 أيام من تاريخ نشر الإعلان عن المنح المؤقت للصفقة. ثانياً، إذا لم يتم الرد أو كان الرد غير مقنع، يمكنه رفع طعن آخر أمام لجنة الصفقات المختصة (القطاعية أو الولائية أو الوطنية) خلال أجل 10 أيام. اللجوء إلى القضاء الإداري يبقى دائماً خياراً متاحاً لإلغاء القرار المشبوه.
ما هو مصير الصفقة إذا ثبت قضائياً أنها منحت بناءً على جريمة فساد؟
إذا صدر حكم قضائي نهائي يثبت أن الصفقة كانت موضوع جريمة فساد، فإن مصيرها هو البطلان. يعتبر العقد كأن لم يكن وتُلغى كل آثاره القانونية. كما يمكن للمحكمة أن تأمر بمصادرة كل الأموال والأرباح الناتجة عن هذه الصفقة الفاسدة.
الخاتمة
إن مكافحة الفساد في الصفقات العمومية في الجزائر ليست مجرد شعار، بل هي منظومة قانونية متكاملة تضع آليات للوقاية وإجراءات للردع وعقوبات صارمة. إن تفعيل هذه المنظومة لا يقع على عاتق الدولة وهيئاتها الرقابية والقضائية فحسب، بل هو أيضاً مسؤولية تقع على عاتق المتعاملين الاقتصاديين من خلال التزامهم بالنزاهة، وعلى المواطنين من خلال ممارسة حقهم في الرقابة والتبليغ. فالشفافية والمنافسة العادلة هما السبيل الوحيد لضمان صرف المال العام بفعالية وتحقيق تنمية مستدامة يستفيد منها الجميع.
المصادر والمراجع
- القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006، المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته (مع تعديلاته).
- المرسوم الرئاسي رقم 15-247 المؤرخ في 16 سبتمبر 2015، المتضمن تنظيم الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام.
- قانون العقوبات الجزائري.
- الموقع الرسمي للجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
- الموقع الرسمي للسلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته.




