تعريف الغش التجاري في القانون الجزائري وأحكامه

هل سبق لك أن اشتريت منتجًا على أنه أصلي لتكتشف لاحقًا أنه مقلد؟ أو ربما تعرضت لخداع في وزن سلعة أو تاريخ صلاحيتها؟ إن ظاهرة الغش التجاري في القانون الجزائري ليست مجرد ممارسة غير أخلاقية، بل هي جريمة يعاقب عليها القانون بصرامة لحماية المستهلك والاقتصاد الوطني. فهم الإطار القانوني لهذه الجريمة، وكيفية الإبلاغ عنها، والعقوبات المترتبة عليها هو خطوتك الأولى للحصول على حقك.
هذا الدليل الشامل والمفصل، الذي أعده فريق akhbardz القانوني، يشرح لك كل ما تحتاج لمعرفته حول جريمة الغش التجاري، بدءًا من تعريفها القانوني الدقيق وصولًا إلى الإجراءات العملية التي يمكنك اتخاذها بصفتك مستهلكًا متضررًا.
السند القانوني المنظم لمكافحة الغش التجاري في الجزائر
الإطار التشريعي الأساسي الذي يحكم هذه المسألة هو القانون رقم 09-03 المؤرخ في 25 فيفري سنة 2009، المتعلق بحماية المستهلك وقمع الغش. هذا القانون هو حجر الزاوية في المنظومة القانونية الجزائرية لحماية المستهلك، حيث يحدد بوضوح التزامات المتدخلين (المنتجين، المستوردين، تجار الجملة والتجزئة)، ويعرف المخالفات، وينص على العقوبات الرادعة.
بالإضافة إلى هذا القانون الرئيسي، يمكن أن تتقاطع جريمة الغش التجاري مع نصوص أخرى، أبرزها:
- الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات: خاصة في الجرائم المتعلقة بالتزوير واستعمال المزور في العلامات التجارية أو شهادات المطابقة.
- الأمر رقم 75-59 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975، المتضمن القانون التجاري: فيما يتعلق بالمنافسة غير النزيهة والالتزامات العامة للتاجر.
- نصوص تنظيمية وتطبيقية: تصدر عن وزارة التجارة وهيئات التقييس لتحديد المواصفات التقنية للمنتجات والخدمات.
ما هو تعريف الغش التجاري والخداع في نظر القانون؟
يجب التمييز بين مفهومي “الخداع” و”الغش” اللذين وردا في القانون 09-03. بشكل مبسط، الخداع هو الفعل الذي يهدف إلى تضليل المستهلك، بينما الغش قد يشمل الخداع بالإضافة إلى تزييف المنتج نفسه. يعرّف القانون هذه الممارسات بأنها كل فعل يهدف إلى خداع المتعاقد أو دفعه إلى التعاقد بوسائل مضللة.
مفهوم الخداع (Tromperie)
يعتبر خداعًا، وفقًا للمادة 29 من القانون 09-03، كل فعل يقوم به المتدخل يهدف إلى تضليل المستهلك حول واحد أو أكثر من العناصر التالية:
- طبيعة السلعة: بيع منتج على أنه من نوع معين بينما هو في الحقيقة من نوع آخر أقل جودة (مثال: بيع خليط زيوت على أنه زيت زيتون صافٍ).
- المكونات والتركيبة: ذكر مكونات غير موجودة في المنتج أو إخفاء مكونات أخرى، خاصة تلك التي قد تسبب حساسية.
- كمية المواد الأولية: الإيهام بأن نسبة مكون معين عالية بينما هي في الحقيقة منخفضة جدًا (مثال: عصير بنسبة “فاكهة طبيعية” 1% فقط).
- مصدر المنتوج أو أصله: الادعاء بأن منتجًا صنع في بلد معين (ذو سمعة جيدة) بينما هو مصنّع محليًا أو في بلد آخر.
- نتائج الفحوصات والتحاليل: تزوير شهادات المطابقة أو نتائج الاختبارات لإظهار جودة غير حقيقية.
- طريقة الاستعمال أو الاحتياطات: تقديم معلومات خاطئة حول كيفية استخدام المنتج بشكل آمن.
مفهوم الغش وتزييف المنتجات (Fraude et Falsification)
يتجاوز الغش مجرد التضليل المعلوماتي ليشمل التلاعب المادي بالمنتج نفسه. يعتبر غشًا أو تزييفًا للمنتجات الغذائية أو غير الغذائية، كل عملية تهدف إلى تغيير طبيعتها أو مكوناتها عمدًا، مثل:
- إضافة مواد غير مصرح بها: كإضافة الماء إلى الحليب لزيادة حجمه، أو إضافة مواد كيميائية للحفاظ على مظهر طازج لمنتج فاسد.
- نزع أحد المكونات الأساسية: مثل نزع الدسم من الحليب وبيعه على أنه حليب كامل الدسم.
- استبدال المكونات: استخدام مكونات رخيصة ومنخفضة الجودة بدلًا من المكونات الأصلية المذكورة في الوسم.
- عرض منتجات منتهية الصلاحية: تغيير تاريخ انتهاء الصلاحية أو بيع منتجات مع العلم أنها لم تعد صالحة للاستهلاك.
من هي الجهة المسؤولة عن الرقابة وقمع الغش؟
الجهة الرسمية الأولى المسؤولة عن مراقبة السوق وقمع الغش في الجزائر هي وزارة التجارة وترقية الصادرات، والتي تعمل من خلال مديرياتها الولائية (مديرية التجارة للولاية).
يتم تنفيذ المهام الرقابية ميدانيًا من خلال سلك متخصص من الموظفين يُعرفون بـ “أعوان الرقابة وقمع الغش”. هؤلاء الأعوان، الذين يتمتعون بصفة الضبطية القضائية في مجال اختصاصهم، لديهم صلاحيات واسعة تشمل:
- الدخول إلى المحلات التجارية والمصانع والمستودعات خلال أوقات العمل.
- فحص السلع والمنتجات المعروضة للبيع.
- أخذ عينات من المنتجات لإرسالها إلى المخابر الرسمية للتحليل.
- الاطلاع على الفواتير والسجلات التجارية وأي وثيقة تثبت مصدر السلعة ومطابقتها.
- تحرير محاضر رسمية (Procès-verbal – PV) بالمخالفات المرتكبة.
هذه المحاضر الرسمية التي يحررها أعوان قمع الغش لها حجية قانونية قوية وتعتبر أساس المتابعة القضائية ضد التاجر المخالف.
شرح الإجراءات خطوة بخطوة: كيف تبلغ عن حالة غش تجاري؟
إذا كنت ضحية لعملية غش تجاري، لا تتردد في اتخاذ الإجراءات القانونية. المسار الصحيح ليس المواجهة المباشرة مع البائع، بل اتباع القنوات الرسمية لضمان إثبات حقك ومعاقبة المخالف. إليك الخطوات بالتفصيل:
- الحفاظ على الأدلة: هذا هو أهم جزء. احتفظ بالمنتج المغشوش في حالته الأصلية قدر الإمكان، ولا تتخلص من العلبة أو الغلاف. الأهم من كل ذلك هو الفاتورة أو وصل الشراء، فهو الدليل القاطع على وجود علاقة تجارية بينك وبين البائع. قم بتصوير المنتج والفاتورة.
- تحديد الجهة المختصة: توجه إلى مديرية التجارة للولاية التي يقع فيها المحل التجاري الذي اشتريت منه السلعة. يوجد في كل ولاية مديرية للتجارة بها مصلحة خاصة بحماية المستهلك وقمع الغش.
- تحرير شكوى كتابية: قم بكتابة شكوى (عريضة) مفصلة وواضحة. يجب أن تتضمن الشكوى معلوماتك الشخصية الكاملة (الاسم، اللقب، العنوان، رقم الهاتف)، ومعلومات التاجر (الاسم، عنوان المحل)، وشرحًا دقيقًا للوقائع (تاريخ الشراء، نوع المنتج، طبيعة الغش المكتشف).
- إيداع الشكوى والملف: قدم الشكوى المكتوبة مرفقة بالوثائق المطلوبة (سيتم تفصيلها لاحقًا) إلى مكتب الاستقبال في مديرية التجارة.
- الحصول على وصل إيداع: تأكد من الحصول على وصل يثبت أنك أودعت شكوى. هذا الوصل مهم لمتابعة ملفك لاحقًا.
بمجرد إيداع الشكوى، ستقوم مصالح قمع الغش ببرمجة زيارة تفتيشية إلى المحل المعني للتحقق من الوقائع واتخاذ الإجراءات اللازمة، والتي قد تصل إلى تحرير محضر رسمي وإحالته على وكيل الجمهورية.
الوثائق المطلوبة لتقديم شكوى (الملف الإداري)
لجعل شكواك قوية ومقبولة، يجب أن ترفقها بملف إداري كامل. جهز الوثائق التالية:
- شكوى خطية: موقعة من طرفك، تشرح فيها تفاصيل الواقعة.
- نسخة من بطاقة التعريف الوطنية: لإثبات هويتك.
- الفاتورة أو وصل الشراء (Bon d’achat): هذه هي الوثيقة الأهم على الإطلاق. بدونها، يصعب جدًا إثبات عملية الشراء.
- المنتج موضوع الغش: إذا كان ممكنًا، قدم المنتج نفسه كدليل مادي.
- غلاف المنتج أو العلبة: مهم جدًا لأنه يحتوي على معلومات الوسم، تاريخ الصلاحية، والمكونات.
- أي دليل آخر: صور فوتوغرافية، شهادة ضمان، أو أي وثيقة أخرى تدعم شكواك.
العقوبات المقررة لمرتكبي جريمة الغش التجاري
نص القانون رقم 09-03 على عقوبات صارمة تتدرج بحسب خطورة المخالفة والأضرار التي قد تسببها. تتراوح العقوبات بين الغرامات المالية الكبيرة والحبس، بالإضافة إلى عقوبات تكميلية مثل غلق المحل التجاري ومصادرة السلع.
لتوضيح الأمر، إليك جدول يلخص أبرز المخالفات والعقوبات المرتبطة بها:
| الجريمة (المخالفة) | السند القانوني (من القانون 09-03) | العقوبة (الغرامة و/أو الحبس) |
|---|---|---|
| جريمة الخداع أو محاولة الخداع (Tromperie) في طبيعة السلعة، مصدرها، كميتها، إلخ. | المادة 63 | الحبس من شهرين (2) إلى سنتين (2) وبغرامة من 100,000 دج إلى 1,000,000 دج أو بإحدى هاتين العقوبتين. |
| الغش في منتجات موجهة لتغذية الإنسان أو الحيوان إذا كانت سامة أو مضرة بالصحة. | المادة 65 | الحبس من سنتين (2) إلى خمس (5) سنوات وبغرامة من 200,000 دج إلى 2,000,000 دج. وتضاعف العقوبة في حال تسبب الغش في مرض أو عجز. |
| حيازة منتجات سامة أو فاسدة بقصد بيعها مع العلم بذلك. | المادة 69 | الحبس من ستة (6) أشهر إلى ثلاث (3) سنوات وبغرامة من 100,000 دج إلى 1,500,000 دج. |
| عدم احترام إلزامية النظافة والنظافة الصحية للمواد الغذائية أو الأماكن. | المادة 72 | غرامة من 50,000 دج إلى 200,000 دج. وفي حالة العود، غرامة من 100,000 دج إلى 500,000 دج والحبس من شهر إلى ستة أشهر. |
| عدم الإعلام بالأسعار والتعريفات (عدم إشهار الأسعار). | المادة 74 | غرامة من 10,000 دج إلى 100,000 دج. |
نصيحة الخبير: الفاتورة هي سلاحك القانوني الأول
الكثير من المستهلكين يتهاونون في طلب الفاتورة عند الشراء، خاصة للمنتجات اليومية. هذا خطأ فادح. الفاتورة ليست مجرد ورقة، بل هي عقد بيع يثبت ثلاثة أمور جوهرية أمام القانون: هوية البائع، تاريخ المعاملة، ووصف المنتج وسعره. بدون فاتورة، قد يتم رفض شكواك لعدم وجود دليل. اطلب دائمًا الفاتورة أو وصل الشراء واحتفظ به، فهذا حق يكفله لك القانون والتزام على التاجر بموجب التنظيم المعمول به.
تنبيه هام: تجنب المواجهة المباشرة وتصعيد الموقف
عند اكتشاف حالة غش، قد يدفعك الغضب إلى مواجهة البائع بشكل مباشر أو الدخول في شجار. هذا السلوك قد يضرك أكثر مما ينفعك. أولاً، قد يؤدي إلى إتلاف الأدلة أو دفع البائع إلى إخفائها. ثانيًا، يمكن أن يتحول الموقف إلى نزاع شخصي قد يعرضك لمتابعات قضائية أخرى. الطريق الصحيح هو التزام الهدوء، جمع الأدلة بصمت، والتوجه مباشرة إلى القنوات الرسمية (مديرية التجارة). دع أعوان الرقابة المؤهلين يقومون بعملهم، فمحاضرهم الرسمية هي التي يعتد بها أمام القضاء.
أسئلة شائعة حول الغش التجاري في الجزائر
ماذا أفعل إذا رفض التاجر منحي فاتورة؟
رفض إصدار الفاتورة هو بحد ذاته مخالفة للقانون. يمكنك الإبلاغ عن هذا التاجر لدى مديرية التجارة حتى لو لم تشترِ منه. يكفي التبليغ عن واقعة رفض الفوترة، وستقوم مصالح الرقابة بالتحقيق في الأمر وفرض العقوبات المناسبة عليه.
هل بيع المنتجات المقلدة (Contrefaçon) يعتبر غشًا تجاريًا؟
نعم، بكل تأكيد. بيع منتج مقلد على أنه أصلي يندرج مباشرة تحت جريمة الخداع في طبيعة السلعة وأصلها، وهو ما يعاقب عليه القانون 09-03. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر التقليد جريمة مستقلة تتعلق بالملكية الفكرية والصناعية ويعاقب عليها قانون العقوبات ونصوص أخرى خاصة بالعلامات التجارية.
اشتريت منتجًا عبر الإنترنت من صفحة على فيسبوك وتعرضت للغش، ماذا أفعل؟
الإجراءات متشابهة، لكنها أكثر تعقيدًا. يجب عليك جمع كل الأدلة الرقمية: صور للمحادثات، لقطات شاشة (screenshot) للمنشور والإعلان، رقم هاتف البائع، وأي معلومات حول عملية الدفع والتوصيل. يمكنك تقديم شكوى لدى مديرية التجارة، وفي نفس الوقت تقديم شكوى لدى مصالح الأمن (الشرطة أو الدرك الوطني) المختصة في الجرائم الإلكترونية.
كم من الوقت تستغرق معالجة الشكوى؟
لا يوجد أجل قانوني محدد، فالمدة تختلف حسب ضغط العمل على مصالح الرقابة، مدى تعقيد القضية، وطبيعة التحقيقات المطلوبة (مثل انتظار نتائج التحاليل المخبرية). لكن بشكل عام، يتم التعامل مع الشكاوى بجدية، خاصة تلك المتعلقة بالمنتجات الغذائية والصحة العمومية. يمكنك متابعة شكواك باستخدام وصل الإيداع الذي حصلت عليه.
للاطلاع على التحديثات المستمرة في القوانين الجزائرية، من المفيد متابعة المنصات الإخبارية الموثوقة مثل أخبار الجزائر التي تواكب الشأن الوطني والقانوني.
الخاتمة: كن مستهلكًا واعيًا بحقوقك
إن مكافحة الغش التجاري مسؤولية مشتركة. المشرع الجزائري وضع ترسانة قانونية قوية لحماية المستهلك، وأجهزة الدولة الرقابية تعمل باستمرار على تطهير السوق من هذه الممارسات الضارة. لكن دورك كمستهلك يبقى محوريًا. من خلال معرفتك بحقوقك، مطالبتك بالفاتورة، وعدم التردد في الإبلاغ عن أي تجاوز، تساهم بشكل مباشر في بناء اقتصاد نزيه وسوق شفافة تحمي صحة وسلامة الجميع.
المصادر والمراجع الرسمية
- القانون رقم 09-03 المؤرخ في 25 فيفري سنة 2009، المتعلق بحماية المستهلك وقمع الغش (الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، العدد 15).
- الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم.
- الموقع الرسمي لوزارة التجارة وترقية الصادرات الجزائرية.
- البوابة القانونية لوزارة العدل الجزائرية.




