الدين

تعلم العقيدة الأشعرية بسهولة ودقة أصولها ومبادئها الأساسية

في خضمِّ أمواج الشبهات الفكرية والجدل العقدي الذي يعصف بعقول الكثير من المسلمين اليوم، تبرز الحاجة الماسة للعودة إلى الأصول الراسخة التي حفظت عقيدة أهل السنة والجماعة على مرِّ القرون. ومن أهم هذه الأصول، المنهج الذي صاغه ونظّمه إمام أهل السنة، أبو الحسن الأشعري، والذي أصبح يُمثّل عقيدة السواد الأعظم من علماء الأمة عبر التاريخ. إن فهم العقيدة الأشعرية ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة لحماية الإيمان من التشبيه والتعطيل، ولتأسيس علاقة صحيحة مع الله، مبنية على التنزيه والتعظيم كما يليق بجلاله، وهذا الدليل الشامل يهدف إلى تبسيط هذا العلم الجليل وتقديمه بصورة منهجية دقيقة.

ما هي العقيدة الأشعرية؟ تعريف شامل ومبسط

العقيدة الأشعرية ليست مذهباً جديداً أو فرقة مبتدعة، بل هي مدرسة كلامية سنية تهدف إلى تحرير عقيدة السلف الصالح وتقديمها بأسلوب منهجي يعتمد على الأدلة النقلية (القرآن والسنة) والعقلية (البراهين المنطقية) للدفاع عنها في وجه الفرق المنحرفة كالمعتزلة والمجسمة. هي منهج في الفهم والاستدلال أكثر من كونها مجموعة من الآراء الجديدة.

1. المعنى اللغوي والاصطلاحي

  • لغويًا: النسبة إلى الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (المتوفى سنة 324 هـ)، وهو من نسل الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
  • اصطلاحًا: هي المنهج العقدي الذي يقرر عقائد أهل السنة والجماعة في الإلهيات والنبوات والسمعيات، معتمدًا على نصوص الوحي كأصل، ومستخدمًا البراهين العقلية كأداة لفهمها والدفاع عنها ورد الشبهات المثارة حولها. جوهرها هو تنزيه الله تعالى عن مشابهة مخلوقاته، وإثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات على الوجه اللائق بكماله وجلاله.

2. الفرق بين المفهوم الصحيح والتصور الشائع

يخطئ من يظن أن الأشاعرة فرقة منفصلة عن أهل السنة، أو أنهم أتوا بعقيدة تخالف عقيدة الصحابة والتابعين. الحقيقة أن الإمام الأشعري -بعد أن كان على مذهب المعتزلة- رجع إلى عقيدة أهل الحديث والسنة، وألف كتبه للدفاع عن هذه العقيدة بنفس الأدوات المنطقية التي كان يستخدمها خصومه، فأبطل شبهاتهم وأقام الحجة عليهم، فصار منهجه هو المعتمد لدى جمهور علماء الأمة من المالكية والشافعية وفضلاء الحنابلة والحنفية.

أصول المنهج الأشعري من القرآن والسنة

لم يأتِ المنهج الأشعري من فراغ، بل أصوله ضاربة في أعماق نصوص الوحي. فهو يقوم على الجمع بين النقل الصحيح والعقل الصريح.

  • من القرآن الكريم:
    • التنزيه المطلق: الأصل الأكبر هو قول الله تعالى: ﴿…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11). هذه الآية هي القاعدة المحكمة التي يُبنى عليها فهم جميع نصوص الصفات، فهي تنفي المماثلة (التشبيه) وتُثبت الصفات (السمع والبصر).
    • استخدام الدليل العقلي: القرآن نفسه يحث على النظر والتفكر، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا…﴾ (الأنبياء: 22). هذا برهان عقلي واضح على وحدانية الله، وهو ما يستخدمه الأشاعرة لإثبات العقائد.
  • من السنة النبوية:
    • حديث النزول: في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: “ينزلُ ربُّنا تباركَ وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا…”، يتعامل معه المنهج الأشعري بإحدى طريقتين: إما التفويض، وهو مذهب السلف، أي الإيمان بالنزول مع تفويض كيفيته إلى الله تعالى، مع الجزم بأنه ليس كنزول المخلوقين. أو التأويل بما يوافق لغة العرب ولا يتعارض مع أصل التنزيه، كأن يُفسَّر بنزول أمره أو رحمته.
    • الدعاء برفع اليدين: كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إلى السماء في الدعاء، وهذا لا يعني أن الله في السماء بذاته، بل لأن السماء قبلة الدعاء ومحل نزول الرحمات، تمامًا كما نستقبل الكعبة في الصلاة مع علمنا بأن الله ليس في الكعبة. للمزيد من الشروحات المفصلة، يمكن مراجعة المصادر الموثوقة مثل مركز الفتوى بإسلام ويب.

مكانة العقيدة الأشعرية عند علماء الأمة

تبنّى جمهور الأمة من العلماء والفقهاء والمحدثين المنهج الأشعري عبر العصور، حتى قيل إن “الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة” في أبواب العقيدة. ومن أبرز هؤلاء الأعلام:

  • الإمام البيهقي، صاحب السنن الكبرى.
  • إمام الحرمين الجويني، شيخ الإمام الغزالي.
  • حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، صاحب “إحياء علوم الدين”.
  • الإمام النووي، شارح صحيح مسلم.
  • الحافظ ابن حجر العسقلاني، شارح صحيح البخاري في “فتح الباري”.
  • السلطان صلاح الدين الأيوبي، الذي أمر بتدريس العقيدة الأشعرية في مدارسه.

هذا القبول الواسع من جبال العلم في الأمة دليل على أن هذا المنهج هو التعبير المنضبط والأكثر نضجًا عن عقيدة أهل السنة والجماعة.

سؤال وجواب (تصحيح مفهوم)

السؤال: هل الأشاعرة ينكرون صفات الله الخبرية (كاليد والوجه) أو علوَّه على خلقه؟
الجواب: هذا اتهام باطل وشائع. الأشاعرة يُثبتون كل ما ورد في القرآن والسنة من صفات، ولكنهم يقررون أنها صفات تليق بجلال الله وليست كصفات المخلوقين. فهم يثبتون صفة “اليد” لله كما وردت، ولكنهم ينفون عنها معنى الجارحة أو العضو. ويثبتون “علوّ” المكانة والقدر والقهر، لا علو المكان والجهة الذي يستلزم التحيز والجسمية، وهو ما يتنزه الله عنه. فهم يفرون من التشبيه (القول إن يد الله كيدنا) ومن التعطيل (إنكار الصفة بالكلية).

التطبيق العملي في حياة المسلم: منهج التنزيه والإثبات

كيف يعتقد المسلم في ربه على هذا المنهج؟ القاعدة بسيطة: “إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل”.

  1. الإثبات: نؤمن بكل اسم وصفة أثبتها الله لنفسه أو أثبتها له رسوله ﷺ، ونمرها كما جاءت.
  2. التنزيه: نعتقد جزمًا أن الله لا يشبه شيئًا من خلقه، فلا جسم له ولا مكان يحويه ولا زمان يمر عليه.
  3. عند ورود نص متشابه:
    • طريق السلف (التفويض): نقرأ النص، نؤمن به، ونفوض حقيقة معناه وكيفيته إلى الله. نقول: “استوى على العرش” كما قال، والكيف مجهول.
    • طريق الخلف (التأويل): إذا دعت الحاجة لرد شبهة، يمكن تأويل النص بمعنى صحيح في لغة العرب يليق بجلال الله، فنقول: “استوى” بمعنى استولى أو قهر، لدفع شبهة الجلوس التي قد تتبادر لبعض الأذهان.

الآثار الإيمانية والسلوكية لتبني العقيدة الصحيحة

إن ترسيخ عقيدة التنزيه له آثار عظيمة على إيمان المسلم وسلوكه:

  • على الفرد: يورث تعظيمًا حقيقيًا لله، ويحرر العقل من تصور الله بصورة مادية، مما يزيد الخشية والمحبة ويجعل العبادة خالصة.
  • على المجتمع: يوحد كلمة المسلمين على عقيدة صافية، ويغلق باب الجدال العقيم الذي يفرق ولا يجمع، ويحصن الأمة ضد الأفكار الوافدة التي تجسّم الخالق أو تنكر صفاته.

انحرافات ومفاهيم خاطئة شائعة

  • الغلو في التأويل: المبالغة في تأويل النصوص حتى يتم تعطيل معناها بالكلية، وهذا مسلك المعتزلة وليس مسلك الأشاعرة المحققين.
  • اتهامهم بالجهمية: وصف الأشاعرة بأنهم جهمية أو معطلة هو تجنٍ واضح، فهم يثبتون الأسماء والصفات، وخلافهم مع بعض المدارس السنية الأخرى هو في كيفية فهم وإثبات الصفات الخبرية، وهو خلاف في المنهج لا في أصل الإيمان.
  • الزعم بأنهم أهل كلام مذموم: علم الكلام المذموم هو الذي يخوض في ذات الله بغير علم، أو يقدم العقل على النقل. أما الكلام الذي استخدمه الأشاعرة فهو “كلام محمود” لأنه استُخدم كدرع للدفاع عن عقيدة الوحي ورد شبهات المبتدعة.

نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية

لتكن قاعدتك في فهم صفات الله هي آية الشورى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا هو التنزيه، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وهذا هو الإثبات. كلما قرأت صفة لله، استحضر هاتين القاعدتين في قلبك، يسلم لك دينك وإيمانك من الزلل.

أسئلة شائعة حول العقيدة الأشعرية

من هو الإمام أبو الحسن الأشعري؟

هو علي بن إسماعيل الأشعري، من أئمة القرن الثالث الهجري، يُعتبر إمام أهل السنة والجماعة في عصره. مر بمراحل فكرية، أشهرها تركه لمذهب المعتزلة ورجوعه لمنهج السلف وأهل الحديث، وتأليفه كتباً عظيمة في نصرة عقيدتهم.

ما الفرق بين الأشاعرة والماتريدية؟

الماتريدية والأشاعرة هما جناحا أهل السنة والجماعة في العقيدة. يتفقان في أكثر من 95% من الأصول، والخلاف بينهما في مسائل فرعية دقيقة لا تخرج أيًا منهما عن دائرة أهل السنة. يمكن القول إن خلافهما كخلاف المذاهب الفقهية الأربعة.

هل الأشاعرة من أهل السنة والجماعة؟

نعم، بالإجماع المنعقد عبر التاريخ. هم السواد الأعظم من الأمة، وعلماؤهم هم من حملوا لواء العلوم الشرعية من فقه وتفسير وحديث ولغة على مدى أكثر من ألف عام.

لماذا ظهر المنهج الأشعري؟

ظهر كرد فعل علمي ومنهجي على ظهور الفرق المبتدعة كالمعتزلة والمجسمة، التي بدأت تطرح شبهات فلسفية ومنطقية على عقائد الإسلام. فكان لا بد من وجود علماء يستخدمون نفس الأدوات العقلية للرد عليهم والدفاع عن عقيدة السلف.

ما حكم تعلم “علم الكلام”؟

تعلم علم الكلام فرض كفاية على الأمة، بحيث يقوم به من هو مؤهل له من العلماء لرد الشبهات عن الدين. أما عامة الناس، فالأولى في حقهم الاشتغال بما يصحح عبادتهم وسلوكهم، ويكفيهم الإيمان الإجمالي بعقائد الإسلام دون الخوض في تفاصيل الجدل الكلامي.

خاتمة: عقيدة التنزيه سبيل النجاة

إن العقيدة الأشعرية ليست إلا صياغة منهجية دقيقة لعقيدة أهل السنة والجماعة، قامت على ركنين أساسيين: تعظيم نصوص الوحي، وتنزيه الخالق عن مشابهة الخلق. وهي العقيدة التي وحّدت المسلمين قرونًا طويلة وحفظت إيمانهم صافيًا نقيًا. وفي زمننا هذا، حيث كثرت الشبهات وتنوعت مصادر التلقي، أصبحت العودة إلى هذا المنهج الأصيل ضرورة لا غنى عنها لكل من يريد أن يعبد الله على بصيرة ويحفظ دينه من الانحراف. للمزيد من المقالات الإسلامية التي تبني الوعي الديني الصحيح، ندعوكم لتصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد باستمرار.

تنويه من “akhbardz”:
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى