تعليم كبار السن قراءة القرآن من الصفر خطوة بخطوة الجزائر

في قلوب كثير من آبائنا وأمهاتنا في الجزائر، من كبار السن الذين شابوا في الإسلام، أمنية دفينة وحلم يراودهم كل حين: أن يتمكنوا من قراءة كتاب الله بألسنتهم، وأن يرتلوا آياته التي طالما سمعوها بخشوع. لكنّ حاجزاً نفسياً كبيراً، يغذيه تصور خاطئ بأن قطار التعلم قد فات، أو شعور بالحرج من الجلوس في حلقة علم بعد أن بلغوا من الكبر عتياً، يقف عائقاً أمام تحقيق هذه الغاية النبيلة. هذا المقال ليس مجرد دليل تعليمي، بل هو رسالة إيمانية وتأصيل شرعي يهدف إلى كسر هذه الحواجز، وبيان أن باب تعلم القرآن مفتوح لا يغلق بتقدم العمر، وأن كل حرف يُقرأ بمشقة له عند الله أجران.
فضل تعلم القرآن للكبار في ميزان الشرع: لا يوجد عمر متأخر
إن مفهوم “طلب العلم من المهد إلى اللحد” ليس مجرد حكمة شعبية، بل هو أصل من أصول الدين. وتعلم القرآن الكريم هو أجلّ العلوم وأشرفها. لا يوجد في الشريعة الإسلامية ما يشير إلى أن فضل التعلم أو القدرة عليه تتوقف عند سن معينة، بل الأدلة تؤكد عكس ذلك تماماً.
- المفهوم الشرعي الصحيح: تعلم القرآن عبادة مستمرة، وفضله لا يرتبط بعمر المتعلم، بل بإخلاصه وجهده. إن مشقة التعلم في الكبر ترفع درجة صاحبها عند الله، ولا تنقص من قدره.
- التصور الشائع الخاطئ: يعتقد البعض أن تعليم الصغار هو الأصل، أما الكبار فقد “فاتهم الأوان”. هذا التصور يخالف هدي الصحابة الكرام الذين أسلم كثير منهم كباراً، فتعلموا القرآن وعملوا به وصاروا قادة الأمة.
الأدلة من القرآن والسنة: البشارة لمن يجد صعوبة
النصوص الشرعية جاءت عامة في الحث على تعلم القرآن وتلاوته، بل وخصّت من يجد صعوبة في ذلك بمزيد من الفضل والأجر، وهو ما ينطبق تماماً على كبار السن الذين قد تكون ذاكرتهم أضعف أو نطقهم أثقل.
أدلة من القرآن الكريم
قال الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿أَوۡ زِدۡ عَلَیۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِیلًا﴾ [المزمل: 4]. الأمر بالترتيل هنا عام لكل مسلم ومسلمة، في كل وقت وحين، وهو دعوة لإتقان التلاوة وتحسينها مهما كان مستوى القارئ وعمره.
أدلة من السنة النبوية المطهرة
الحديث الذي يمثل الركيزة الأساسية في هذا الباب هو أعظم بشارة لكبار السن، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الْماهِرُ بالقُرْآنِ مع السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ، والذي يَقْرَأُ القُرْآنَ ويَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وهو عليه شاقٌّ، له أجْرانِ”. (متفق عليه).
قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث: “والذي يتتعتع فيه هو الذي يتردد في تلاوته لضعف حفظه فله أجران: أجر بالقراءة، وأجر بتتعتعه في تلاوته ومشقته”. هذا الحديث دليل صريح على أن المشقة في التعلم ليست عيباً، بل هي سبب لمضاعفة الأجر.
أقوال العلماء في فضل طلب العلم في الكبر
سار سلفنا الصالح على هذا النهج، فلم يمنعهم تقدم السن من طلب العلم. فالتاريخ الإسلامي حافل بنماذج لعلماء وأئمة بدأوا طلب العلم في سن متأخرة فأصبحوا منارات يُهتدى بها.
قال الإمام البخاري في صحيحه: “باب الاغتباط في العلم والحكمة، وقال عمر: (تفقهوا قبل أن تسودوا)”. قال أبو عبد الله (البخاري): “وبعد أن تسودوا، وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كبر سنهم”.
هذا الأثر عن الصحابة الكرام هو حجة قاطعة، فهم خير القرون، وقد تعلموا القرآن والدين وهم رجال كبار، فمنهم من جاوز الأربعين والخمسين عند إسلامه.
دليل عملي خطوة بخطوة: كيف تبدأ رحلة تعلم القرآن من الصفر؟
الانتقال من الرغبة إلى التطبيق هو التحدي الأكبر. إليك خارطة طريق عملية ومبسطة، مصممة خصيصاً لتناسب ظروف وقدرات كبار السن في الجزائر.
الخطوة الأولى: التهيئة النفسية والإيمانية
قبل أن تفتح المصحف، افتح قلبك. جدد النية بأن هذا العمل لله وحده. تذكر حديث “الأجرين” واستحضر فضل كل حرف تقرؤه. تخلص من أي شعور بالخجل أو الحرج، فأنت في أعظم تجارة مع الله.
الخطوة الثانية: اختيار المعلم والمنهج المناسب
هذه أهم خطوة. ابحث عن معلم صبور، يفهم طبيعة تعليم الكبار. يمكن أن يكون إمام المسجد، أو طالب علم في الحي، أو حتى أحد الأبناء أو الأحفاد المتقنين. في الجزائر، لا تزال “الكتاتيب” القرآنية في المساجد ترحب بجميع الأعمار. أما المنهج، فـ “القاعدة النورانية” أو “المنهجية الرشيدية” تعتبر من أفضل الطرق للبدء من الصفر، لأنها تركز على النطق الصحيح للحروف والحركات.
الخطوة الثالثة: إتقان الحروف الهجائية نطقاً وشكلاً
لا تستعجل هذه المرحلة. خصص وقتاً كافياً لكل حرف. استمع إلى النطق الصحيح من معلمك أو من التسجيلات الصوتية للقراء المتقنين. ركز على الحروف التي يكثر الخطأ فيها (مثل: ث، ذ، ظ، ض).
الخطوة الرابعة: تعلم الحركات (الفتحة، الضمة، الكسرة) والسكون
بعد إتقان الحروف، يأتي تعلم أصواتها بالحركات. التدرب على كلمات بسيطة من ثلاث حروف (مثل: كَتَبَ، أَكَلَ، شَرِبَ) هو أساس هذه المرحلة.
الخطوة الخامسة: البدء بقصار السور (جزء عمّ)
عندما تتمكن من تهجئة الكلمات، ابدأ مباشرة بقصار السور من جزء عمّ. ابدأ بسورة الفاتحة، ثم الناس، الفلق، الإخلاص. الشعور بالإنجاز عند قراءة أول سورة بنفسك سيكون دافعاً قوياً للاستمرار.
نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية
اجعل مصحفك رفيقك الدائم، واخصص وقتاً ثابتاً يومياً ولو كان عشر دقائق فقط. القليل الدائم خير من الكثير المنقطع. البركة تأتي مع المداومة والاستمرارية.
الخطوة السادسة: المداومة والصبر الجميل
الاستمرارية هي مفتاح النجاح. ستواجه صعوبات، وقد تشعر بالنسيان، وهذا طبيعي جداً. لا تقارن نفسك بالآخرين. رحلتك مع القرآن هي رحلة خاصة بينك وبين ربك، وكل محاولة فيها مأجورة.
الآثار الإيمانية والسلوكية لتعلم القرآن في الكبر
- على الفرد: يجد المسن في القرآن أنيساً لوحدته، وشفاءً لقلبه، وطمأنينة لنفسه. كما أن عملية التعلم المستمر تنشط الذاكرة وتحارب أمراض الشيخوخة الذهنية.
- على الأسرة: يصبح الجد أو الجدة قدوة حسنة للأحفاد، وتجتمع الأسرة على مائدة القرآن، مما يزيد من الألفة والبركة في البيت.
- على المجتمع: إحياء هذه السنة يعزز من قيمة العلم في المجتمع ويؤكد أنه لا يتوقف عند عمر معين، ويعيد لكبار السن دورهم الريادي في التربية الإيمانية. للمزيد من المقالات الإسلامية التي تهم الأسرة والمجتمع، يمكنكم تصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد.
تصحيح مفاهيم خاطئة منتشرة
من المهم دحض بعض الأفكار التي قد تثبط العزائم:
- “ذاكرتي ضعيفة ولا أستطيع الحفظ”: الهدف الأول هو تعلم القراءة الصحيحة، وليس الحفظ. القراءة من المصحف لها أجر عظيم.
- “يجب أن أتعلم كل أحكام التجويد المعقدة”: في البداية، يكفي تعلم النطق الصحيح للحروف والحركات. أحكام التجويد المتقدمة تأتي في مرحلة لاحقة لمن أراد الترقي.
سؤال وجواب: تصحيح مفهوم
السؤال: أخشى أن أقع في اللحن والخطأ عند القراءة، فهل آثم بذلك؟
الجواب: لا إثم عليك البتة في مرحلة التعلم، بل لك أجران كما بشّر النبي صلى الله عليه وسلم: أجر القراءة وأجر المشقة. الخطأ في سبيل التعلم هو طريق الإتقان، والله لا يضيع أجر المحسنين. الإثم يكون على من كان قادراً على التعلم الصحيح وأهمله تكاسلاً.
أسئلة شائعة (FAQ)
كم من الوقت أحتاج لتعلم قراءة القرآن؟
الأمر يختلف من شخص لآخر حسب الجهد والوقت المخصص. بالالتزام اليومي لمدة 15-30 دقيقة، يمكن للشخص أن يبدأ في قراءة الكلمات القرآنية البسيطة خلال أشهر قليلة بإذن الله.
هل يمكنني الاعتماد على تطبيقات الهاتف للتعلم؟
نعم، التطبيقات مفيدة جداً كأداة مساعدة للاستماع والتكرار، لكنها لا تغني عن المعلم المباشر الذي يصحح لك النطق ويتابع تقدمك.
أجد صعوبة في نطق بعض الحروف، ماذا أفعل؟
هذا طبيعي. الحل هو التكرار المستمر والاستماع المكثف لنطق الحرف من قارئ متقن، ومحاولة تقليده. الصبر والممارسة هما العلاج.
أين أجد معلماً مناسباً في الجزائر؟
أفضل مكان للبحث هو المسجد القريب منك. اسأل الإمام أو المؤذن، فغالباً ما توجد حلقات لتعليم الكبار أو يمكنهم إرشادك إلى شخص موثوق.
هل الأفضل القراءة من المصحف أم محاولة الحفظ؟
ابدأ بالقراءة من المصحف. إتقان النظر في المصحف والقراءة بطلاقة هو الأساس. الحفظ يأتي لاحقاً لمن وفقه الله لذلك.
ما هو أفضل وقت للتعلم والدراسة؟
أفضل الأوقات هي التي يكون فيها الذهن صافياً، مثل بعد صلاة الفجر أو في أي وقت تشعر فيه بالنشاط والتركيز. اجعله وقتاً ثابتاً يومياً.
خاتمة: باب الله مفتوح دائماً
إن رحلة تعلم كلام الله هي أشرف رحلة يمكن أن يقطعها المسلم في حياته. وهي رحلة لا تعرف سناً للبداية ولا عمراً للنهاية. فلتكن هذه الكلمات دافعاً لكل أب وأم، ولكل جد وجدة في جزائرنا الحبيبة، ليخطوا الخطوة الأولى نحو نور القرآن، متسلحين بالنية الصادقة، ومتيقنين بأن كل صعوبة هي رفعة في الدرجات ومضاعفة في الأجور. تذكر دائماً أنك لست وحدك في هذه الرحلة، فالله معك، والملائكة تحفك، ودعاء الصالحين يساندك. لمزيد من الإلهام والمواضيع الإيمانية، ندعوكم لمتابعة الشؤون الدينية في الجزائر عبر موقعنا.
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.




