القانون والإدارة

تمويل الإرهاب في الجزائر: العقوبات القانونية وأثرها على الأمن القومي

تُعد جريمة تمويل الإرهاب من أخطر التحديات التي تواجه الأمن القومي الجزائري، حيث تشكل شريان الحياة للجماعات الإرهابية التي تهدد استقرار المجتمع ومؤسسات الدولة. إن التعامل مع الأموال المشبوهة أو تحويلها عن جهل قد يضع أي شخص، طبيعياً كان أم معنوياً، في دائرة المسؤولية الجزائية الصارمة. يهدف هذا المقال إلى تحليل الإطار القانوني الذي وضعه المشرع الجزائري لمكافحة هذه الجريمة، العقوبات المقررة، والآليات الوقائية المعتمدة لحماية الاقتصاد الوطني.

الإطار القانوني لمكافحة تمويل الإرهاب في الجزائر

بنى المشرع الجزائري ترسانة قانونية متكاملة ومتشددة لمواجهة جريمة تمويل الإرهاب، ترتكز أساساً على نصوص وقائية وردعية في كل من قانون العقوبات والقوانين الخاصة.

القانون رقم 05-01: حجر الزاوية في الوقاية والمكافحة

يعتبر القانون رقم 05-01 المؤرخ في 6 فبراير 2005، المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما، النص المحوري في هذا المجال. تم تعديله وتتميمه عدة مرات، كان آخرها بموجب القانون رقم 23-01 المؤرخ في 7 فبراير 2023، ليتماشى مع المعايير الدولية وتطور أساليب الجريمة المنظمة.

أهم ما جاء به هذا القانون:

  • تعريف دقيق لجريمة تمويل الإرهاب: عرّف القانون تمويل الإرهاب بأنه كل فعل يهدف إلى تقديم أو جمع أموال أو توفيرها، بأي وسيلة كانت، بشكل مباشر أو غير مباشر، بنية استخدامها أو مع العلم أنها ستستخدم كلياً أو جزئياً لارتكاب عمل إرهابي.
  • إنشاء خلية معالجة الاستعلام المالي (CTRF): هي هيئة متخصصة تتمتع بالاستقلالية الإدارية والمالية، وتعتبر المحور المركزي في تلقي التصريحات بالاشتباه من المؤسسات المالية والمهن المحددة قانوناً، وتحليلها وإحالتها إلى الجهات القضائية عند الاقتضاء.
  • فرض واجب اليقظة والتصريح بالاشتباه: ألزم القانون فئات واسعة من المؤسسات المالية والمهن غير المالية (مثل البنوك، شركات التأمين، المحامين، الموثقين، محافظي الحسابات) باتخاذ إجراءات صارمة للتحقق من هوية عملائهم ومراقبة عملياتهم المالية والإبلاغ عن أي نشاط يثير الشبهة.

قانون العقوبات: تجريم الفعل وتحديد العقوبة

أدرج المشرع الجزائري جريمة تمويل الإرهاب ضمن الأفعال الإرهابية والتخريبية في قانون العقوبات (الأمر رقم 66-156)، وتحديداً في المادة 87 مكرر 6، التي تنص على عقوبات بالغة الشدة.

ينص القانون على أن “يعاقب بنفس العقوبات المقررة للجريمة الإرهابية المرتكبة كل من يمول أو يشرع في تمويل فعل إرهابي”. هذا يعني أن ممول الجريمة يعاقب بنفس قسوة مرتكبها الفعلي، مما يعكس خطورة الفعل في نظر المشرع.

ما هي الأفعال التي تشكل جريمة تمويل الإرهاب؟

لتوضيح الصورة، لا يقتصر تمويل الإرهاب على تسليم الأموال مباشرة لإرهابي. بل يشمل نطاقاً واسعاً جداً من الأفعال التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها. وفقاً للقانون الجزائري، تعتبر الأفعال التالية تمويلاً للإرهاب:

  • تقديم أو جمع أموال بأي وسيلة كانت (نقدية، تحويلات بنكية، أصول رقمية، عقارات).
  • توفير الممتلكات أو الخدمات المالية أو الاستشارات المالية لمنظمة إرهابية أو لإرهابي.
  • إدارة أموال أو ممتلكات تابعة لشخص أو تنظيم إرهابي.
  • إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للأموال أو مصدرها أو مكانها مع العلم أنها موجهة لعمل إرهابي.
  • تقديم الدعم المادي أو اللوجستي، حتى لو لم يكن مالياً بشكل مباشر (مثل توفير مكان آمن، وسائل نقل، معدات).

تجدر الإشارة إلى أن الجريمة تقوم بمجرد توافر القصد الجنائي (نية التمويل)، حتى ولو لم تُستخدم الأموال فعلياً في ارتكاب عمل إرهابي، أو حتى لو لم يقع العمل الإرهابي أصلاً.

العقوبات الصارمة المقررة قانوناً

تطبيقاً لمبدأ “لا تساهل” مع الجرائم الماسة بأمن الدولة، فرض المشرع عقوبات قاسية جداً على المتورطين في تمويل الإرهاب، سواء كانوا أشخاصاً طبيعيين أو معنويين (شركات).

العقوبات ضد الأشخاص الطبيعيين

وفقاً للمادة 87 مكرر 6 من قانون العقوبات، وبما أن الممول يعاقب بنفس عقوبة مرتكب الفعل الإرهابي، فإن العقوبات تكون كالتالي:

  • السجن المؤبد: كعقوبة أصلية لمعظم الأفعال الإرهابية، وبالتالي لتمويلها.
  • الإعدام: إذا أدى الفعل الإرهابي الممول إلى مقتل شخص أو أكثر.

العقوبات ضد الأشخاص المعنوية (الشركات والجمعيات)

لا يفلت الشخص المعنوي (الشركة، الجمعية، المؤسسة) من المسؤولية الجزائية. إذا ثبت تورط شركة في عملية تمويل إرهاب، فإنها تواجه عقوبات مدمرة وفقاً للمادة 18 مكرر 2 من قانون العقوبات والقانون 05-01، وتشمل:

  • غرامة مالية: تصل إلى خمسة (5) أضعاف الحد الأقصى للغرامة المقررة للشخص الطبيعي.
  • الحل (Dissolution): أي إنهاء الوجود القانوني للشركة أو الجمعية.
  • المصادرة: مصادرة جميع الأموال والممتلكات التي استُخدمت في الجريمة أو كانت ناتجة عنها.
  • الإقصاء من الصفقات العمومية: منع الشركة من المشاركة في المناقصات والعقود الحكومية بشكل دائم.
  • نشر حكم الإدانة: في وسائل الإعلام على نفقة الشركة المدانة، مما يسبب ضرراً بالغاً لسمعتها.

نصيحة الخبير القانوني

أخطر ما في جريمة تمويل الإرهاب هو أن عبء إثبات “حسن النية” يقع غالباً على عاتق المتهم. مجرد التعامل مع جهات مشبوهة أو القيام بتحويلات مالية غير مبررة عبر قنوات غير رسمية يمكن أن يفتح باب التحقيقات. ننصح المؤسسات والأفراد بتوثيق جميع معاملاتهم المالية والاحتفاظ بسجلات واضحة، والامتناع كلياً عن نقل أموال لصالح أطراف ثالثة غير معروفة بشكل دقيق.

دور المؤسسات المالية والمهن غير المالية الخاضعة

يلعب القطاع المالي والمهني دوراً محورياً في خط الدفاع الأول ضد تمويل الإرهاب. وقد حدد القانون 05-01 قائمة طويلة من “الخاضعين” لواجب اليقظة والإبلاغ. هذا الدور لا يقتصر على البنوك بل يمتد ليشمل العديد من الفاعلين في الاقتصاد.

جدول يلخص واجبات بعض الفئات الخاضعة

الفئة الخاضعةأهم الالتزامات المفروضةجهة الإبلاغ
البنوك والمؤسسات الماليةالتحقق من هوية العميل والمستفيد الحقيقي، مراقبة مستمرة للحسابات، تجميد فوري للأصول المشتبه بها، التصريح بالاشتباه.خلية معالجة الاستعلام المالي (CTRF)
المحامونواجب اليقظة عند مساعدة العملاء في عمليات شراء وبيع العقارات أو إدارة الأموال أو إنشاء الشركات.نقيب المحامين الذي يبلغ الخلية (مع مراعاة السر المهني)
الموثقونالتحقق من مصدر الأموال في المعاملات العقارية ومعاملات الشركات، والإبلاغ عن أي عملية غير عادية أو معقدة.خلية معالجة الاستعلام المالي (CTRF)
وكلاء العقارات وتجار التحف الفنيةالإبلاغ عن المعاملات النقدية التي تفوق مبلغاً معيناً، والتحقق من هوية المشترين والبائعين في الصفقات الكبيرة.خلية معالجة الاستعلام المالي (CTRF)

تنبيه هام: الجهل بالقانون ليس عذراً

يقع خطأ شائع لدى الكثيرين بالاعتقاد بأن عدم معرفتهم بالوجهة النهائية للأموال يعفيهم من المسؤولية. القاعدة القانونية الراسخة هي “لا يعذر بجهل القانون”. إذا قمت بتحويل أموال نيابة عن شخص آخر بطريقة تثير الشبهات (مثلاً، عبر قنوات غير رسمية لتجنب الرقابة البنكية)، فقد تعتبر شريكاً في الجريمة حتى لو لم تكن تعلم بأنها موجهة للإرهاب، وذلك بناءً على قرائن الإهمال الجسيم. منصة akhbardz تؤكد على ضرورة الحذر الشديد في كل التعاملات المالية.

الأسئلة الشائعة (FAQ)

هل يعتبر التبرع لجمعية خيرية تبين لاحقاً أنها واجهة لتمويل الإرهاب جريمة؟

نعم، يمكن أن يعتبر جريمة. إذا ثبت أن المتبرع كان يعلم أو كان من المفترض أن يعلم بالنشاط الحقيقي للجمعية، أو إذا تم التبرع مع إهمال جسيم ودون التحقق من طبيعة الجمعية ونشاطاتها المرخصة، يمكن أن توجه له تهمة تمويل الإرهاب. لهذا السبب، يجب دائماً التبرع للجمعيات المعتمدة رسمياً وذات السمعة الطيبة والنشاط الشفاف.

ما هو الدور الدقيق لخلية معالجة الاستعلام المالي (CTRF)؟

هي وحدة استخبارات مالية جزائرية (FIU). دورها ليس التحقيق القضائي المباشر، بل جمع وتحليل المعلومات المالية. تتلقى “التصريحات بالاشتباه” من البنوك والمهن الأخرى، تقوم بتحليلها لتحديد ما إذا كانت الشبهات قائمة على أساس، وفي حال تأكد ذلك، تقوم بإعداد تقارير مفصلة وتحيلها إلى وكيل الجمهورية المختص لبدء التحقيقات القضائية.

هل يمكن ملاحقة جزائري قام بتمويل الإرهاب من خارج الجزائر؟

نعم بكل تأكيد. يطبق القانون الجزائي الجزائري على كل من يحمل الجنسية الجزائرية، حتى لو ارتكب الجريمة خارج الإقليم الوطني. هذا ما يعرف بـ “مبدأ شخصية القوانين”. يمكن للسلطات الجزائرية طلب تسليمه أو محاكمته غيابياً وإصدار مذكرة توقيف دولية بحقه عبر الإنتربول.

ما هي إجراءات تجميد الأموال والممتلكات المرتبطة بالإرهاب؟

يتم تجميد الأموال بناءً على ثلاثة مسارات: قرارات من لجان الأمم المتحدة المختصة (وهي ملزمة للجزائر)، أو بقرار من رئيس اللجنة الوطنية لتجميد أصول الإرهابيين وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، أو بأمر من قاضي التحقيق أو جهة الحكم أثناء سير الدعوى القضائية. التجميد هو إجراء تحفظي يمنع التصرف في الأموال إلى حين صدور حكم نهائي.

الخاتمة

إن مكافحة تمويل الإرهاب في الجزائر ليست مجرد التزام قانوني، بل هي ضرورة حتمية للحفاظ على الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. لقد وضع المشرع الجزائري إطاراً قانونياً صارماً لا يتسامح مطلقاً مع هذه الجريمة، فارضاً عقوبات قاسية جداً ومسؤوليات واضحة على جميع الفاعلين في المجتمع. إن الوعي بهذه القوانين واليقظة في التعاملات المالية هما خط الدفاع الأول الذي يساهم فيه كل مواطن ومؤسسة لحماية الوطن. لمزيد من التحليلات القانونية، يمكن متابعة آخر المستجدات عبر منصات موثوقة مثل أخبار الجزائر.

تنويه قانوني: المعلومات الواردة في هذا المقال هي لأغراض الاسترشاد وتبسيط المفاهيم القانونية وفقاً للنصوص السارية وقت النشر. هذه المعلومات لا تغني بأي حال عن استشارة محامٍ مختص أو مراجعة الجهات الرسمية.

المصادر والمراجع

  • الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم.
  • القانون رقم 05-01 المؤرخ في 6 فبراير 2005، المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما، المعدل والمتمم بالقانون رقم 23-01.
  • الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
  • الموقع الرسمي لوزارة العدل الجزائرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى