تمييز المرجعية الدينية الصحيحة في الجزائر: معايير وأسس علمية

في خضمّ بحر المعلومات المتلاطم الذي نعيشه اليوم، ومع تعدد الأصوات وادعاء المعرفة على منصات التواصل الاجتماعي، يجد المسلم في الجزائر نفسه حائرًا أمام سؤال جوهري: إلى من أرجع في أمور ديني؟ من هو المرجع الموثوق الذي أستأمنه على عقيدتي وعبادتي ومعاملاتي؟ إن قضية “المرجعية الدينية” ليست مسألة ترف فكري، بل هي صمام الأمان الذي يحفظ على الفرد دينه، وعلى المجتمع تماسكه وهويته. لقد أدى غياب الوعي بأسس تمييز المرجعية الصحيحة إلى حالة من الفوضى الفقهية والتشتت الفكري، حيث أصبح لكل شخص “شيخه” الذي يتابعه عبر الشاشات، بغض النظر عن علمه أو منهجه أو حتى معرفته بواقع البلاد وخصوصياتها، مما يستدعي وقفة تأصيلية علمية لبيان المعايير والأسس التي تضبط هذا المفهوم المصيري.
ما هي المرجعية الدينية؟ تعريف علمي منهجي
قبل الخوض في المعايير، لا بد من تحرير المصطلح وبيان معناه الدقيق، بعيدًا عن التصورات الشائعة التي قد تحصره في شخص أو هيئة معينة بشكل مطلق.
1. المعنى اللغوي
كلمة “المرجعية” مشتقة من الجذر (رَجَعَ)، الذي يدل على العود والرجوع إلى الشيء. فالمرجع هو “المكان أو الشخص الذي يُرجع إليه”. وفي سياقنا، المرجعية الدينية هي الجهة العلمية التي يرجع إليها الناس لأخذ الأحكام الشرعية وفهم الدين.
2. المعنى الاصطلاحي الشرعي
اصطلاحًا، المرجعية الدينية الصحيحة هي: “مجموع العلماء الراسخين والمؤسسات العلمية المعتبرة التي تملك الأهلية لاستنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأصلية (القرآن والسنة والإجماع والقياس)، مع مراعاة فقه الواقع ومقاصد الشريعة، والتي يثق المسلمون في علمها ودينها للرجوع إليها في النوازل والمستجدات.”
وهذا التعريف يخرج من دائرة المرجعية كل من ليس من أهل الاختصاص، كالمتحدثين باسم الدين دون علم راسخ، أو أصحاب الأيديولوجيات الذين يوظفون النصوص لخدمة أغراضهم، أو من يفتي في شأن بلد لا يعرف أعرافه وخصوصياته.
الأصل الشرعي لوجوب اتباع المرجعية المعتبرة
إن الرجوع إلى أهل العلم والاختصاص ليس مجرد خيار، بل هو أصل من أصول الدين، دلت عليه نصوص صريحة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
1. الأدلة من القرآن الكريم
يأمرنا الله تعالى بالرجوع إلى أهل الذكر والعلم عند الجهل، وهو توجيه رباني واضح:
- قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: 43]. قال الإمام الطبري في تفسيره: “يقول تعالى ذكره: فاسألوا أهل الكتب من قبلكم… فإنهم لا ينكرون ذلك، بل هو في كتبهم”. والآية وإن كان لها سبب نزول خاص، فالعبرة بعموم لفظها، وهي أصل في وجوب سؤال أهل العلم في كل ما يجهله الإنسان من أمور دينه ودنياه.
- قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: 83]. وفي هذا توجيه للمسلمين بعدم الخوض في القضايا العامة والمصيرية، وردّها إلى أهل الاختصاص القادرين على استنباط الحكم الصحيح وفهم المآلات.
2. الأدلة من السنة النبوية
أكد النبي صلى الله عليه وسلم على مكانة العلماء ودورهم كمرجعية للأمة من بعده:
- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، ورَّثُوا العِلمَ فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافرٍ”. [حديث صحيح، رواه أبو داود والترمذي]. وهذا الحديث يبيّن أن العلماء هم الامتداد الطبيعي لمهمة الأنبياء في تعليم الناس وهدايتهم.
- قصة الرجل الذي قُتل بسبب فتوى بغير علم، وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم: “قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العيِّ السؤال”. (رواه أبو داود وحسنه الألباني). وفي هذا ذم شديد لمن يفتي بجهل، وتأكيد على أن العلاج هو سؤال أهل العلم.
معايير تمييز المرجعية الدينية الصحيحة في الجزائر
في السياق الجزائري، الذي يتميز بإرث علمي عريق ومنظومة دينية مستقرة تاريخيًا، يمكن تحديد معايير المرجعية الموثوقة في النقاط التالية:
- الرسوخ في العلم الشرعي: أن يكون العالم أو الهيئة العلمية على دراية عميقة بالقرآن وعلومه، والحديث وفنونه، والفقه وأصوله، واللغة العربية وآدابها. وهذا لا يتأتى إلا بالدراسة المنهجية الطويلة على أيدي العلماء المعتبرين، وليس بمجرد المطالعة الشخصية أو الشهادات الأكاديمية المجردة.
- الالتزام بالثوابت الدينية والوطنية الجزائرية: المرجعية الدينية في الجزائر تاريخيًا قامت على ثلاثة أركان: العقيدة الأشعرية (التي تمثل منهج أهل السنة والجماعة في التوسط والاعتدال)، والفقه المالكي (المذهب السائد في المغرب الإسلامي)، والسلوك السني القائم على تزكية النفس (كما تمثله مدارس التصوف السني المعتدل كطريقة الإمام الجنيد). فكل من يخرج عن هذه الثوابت أو يهاجمها، يضع نفسه خارج إطار المرجعية التاريخية للشعب الجزائري.
- فقه الواقع والمحلية: لا يكفي العلم بالنصوص، بل لا بد من فهم الواقع الذي تُنزّل عليه. المرجعية الصحيحة هي التي تفهم خصوصية المجتمع الجزائري، وأعرافه التي لا تتعارض مع الشرع، وتحدياته المعاصرة، وتقدم حلولاً وفتوى تتناسب مع هذا الواقع. ولهذا، فإن استيراد الفتاوى من بيئات مختلفة ثقافيًا واجتماعيًا قد يسبب بلبلة وفتنة.
- العدالة والتقوى والورع: العلم وحده لا يكفي. لا بد أن يُعرف عن العالم أو المرجع الاستقامة في دينه، والورع في فتواه، والبعد عن مواطن الشبهات، وألا يكون همه تتبع الرخص أو إرضاء أهواء الناس.
- التكامل بين المؤسسات الرسمية والعلماء الأفراد: تتمثل المرجعية في الجزائر في منظومة متكاملة تشمل:
- المؤسسات الرسمية: كوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، والمجلس الإسلامي الأعلى، ولجان الفتوى الولائية، والتي تضطلع بدور تنظيمي وتوجيهي.
- العلماء الربانيون: من أئمة وأساتذة جامعيين وشيوخ الزوايا العلمية المعتبرة، الذين يشكلون العمق العلمي والشعبي لهذه المرجعية.
نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية
ابنِ علاقة قوية مع إمام مسجدك الموثوق. اجعله مرجعك الأول في أسئلتك اليومية البسيطة. حضوره الدائم ومعرفته بواقع حيك يجعله أقرب وأكثر قدرة على فهم سؤالك من شخصية افتراضية على بعد آلاف الكيلومترات. القرب يورث الثقة ويبني جسور المعرفة الحقيقية.
الآثار الإيمانية والمجتمعية للالتزام بالمرجعية الموحدة
إن الالتفاف حول مرجعية دينية موثوقة ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل له آثار عميقة على الفرد والمجتمع:
- على الفرد: يمنحه الطمأنينة النفسية والاستقرار الروحي، ويحميه من التناقضات والشكوك التي تثيرها فوضى الفتاوى، ويجعل عبادته مبنية على علم ويقين.
- على المجتمع: يحقق الوحدة والتماسك، ويقطع الطريق على دعاة الفرقة والتطرف الذين غالبًا ما يبدؤون بالطعن في العلماء والمؤسسات المعتبرة. كما يحافظ على الهوية الدينية والثقافية للبلاد من محاولات الاختراق الفكري.
يمكنك متابعة الشؤون الدينية في الجزائر عبر قسمنا المخصص لفهم أعمق لدور هذه المرجعية في الواقع اليومي.
انحرافات ومفاهيم خاطئة حول المرجعية
ظهرت في العصر الحديث مفاهيم مغلوطة حول المرجعية، يجب التنبيه عليها:
- الغلو والتطرف: ويتمثل في رفض المرجعية الوطنية القائمة، وتكفيرها أو تبديعها، واتباع شخصيات أو تيارات خارجية متشددة لا تفقه واقع الجزائر.
- التفريط والتساهل: ويتمثل في ظاهرة “الدين حسب الطلب”، حيث يبحث الشخص عن الفتوى التي توافق هواه عبر محركات البحث، متنقلاً بين المواقع والآراء دون أي منهجية، مما يؤدي إلى تتبع الرخص المذموم شرعًا.
- مفهوم “لا كهنوت في الإسلام”: وهو حق يُراد به باطل. صحيح أنه لا يوجد في الإسلام طبقة كهنوتية معصومة، ولكن هذا لا يعني إلغاء التخصص. فكما أننا نرجع إلى الطبيب في مرضنا، والمهندس في بنائنا، فمن باب أولى أن نرجع إلى العالم المتخصص في أمر ديننا.
سؤال وجواب (تصحيح مفهوم)
السؤال: أليس التزام الجزائريين بالمذهب المالكي نوعًا من التقليد الأعمى المذموم والتعصب؟
الجواب: لا، هناك فرق جوهري بين “التقليد الأعمى” و “الاتباع المنهجي”. التقليد الأعمى هو أن تتبع شخصًا مع علْمك بمخالفته للدليل. أما اتباع العامي (غير المتخصص) لمذهب فقهي معتبر كالمذهب المالكي، فهو من باب اتباع أهل الذكر المتخصصين، وهو أمر واجب عليه لأنه لا يملك أدوات الاجتهاد. والالتزام بمذهب واحد في البلد الواحد هو من أعظم أسباب استقرار الفتوى ووحدة العمل، وهو ما أدركه علماء الأمة عبر القرون.
أسئلة شائعة (FAQ)
كيف أعرف أن هذا العالم أو الشيخ موثوق ويمكنني أن آخذ عنه ديني؟
يمكنك معرفة ذلك من خلال عدة علامات: تزكية العلماء المعتبرين له، شهادته العلمية المنهجية (وليس مجرد الشهرة الإعلامية)، استقامته في سلوكه، توسطه واعتداله، واحترامه لثوابت الأمة ومرجعيتها التاريخية.
ما هو دور الزوايا العلمية في المرجعية الدينية بالجزائر؟
الزوايا العلمية التاريخية في الجزائر كانت ولا تزال جزءًا أصيلاً من المرجعية الدينية. فهي مؤسسات تعليمية وتربوية حافظت على تدريس العلوم الشرعية (خاصة الفقه المالكي والعقيدة الأشعرية) وتزكية النفوس، وخرّجت آلاف العلماء والأئمة الذين خدموا المجتمع. الزاوية المعتبرة هي التي تلتزم بمنهج الكتاب والسنة وفق فهم السلف الصالح، وتعمل تحت مظلة الدولة وثوابتها.
هل يجوز لي أخذ فتوى من شيخ خارج الجزائر عبر الإنترنت؟
الأصل هو الرجوع لعلماء بلدك لأنهم الأدرى بواقعك وأعرافك. يمكن الاستفادة من علم العلماء في الخارج في المسائل العلمية العامة (كالعقيدة والتفسير)، أما في مسائل الفتوى الخاصة والنوازل والمعاملات، فالأولوية والأمان في سؤال علماء بلدك. ففتوى تتعلق بالمعاملات البنكية في السعودية قد لا تنطبق بالضرورة على النظام البنكي في الجزائر.
ماذا أفعل عند وجود فتويين مختلفتين في مسألة واحدة؟
على العامي أن يتبع الأوثق في نفسه علمًا وورعًا. وإن كان الأمر يتعلق بفتوى صادرة عن هيئة رسمية معتبرة (كهيئة الفتوى بوزارة الشؤون الدينية) وفتوى أخرى لفرد، فالأصل تقديم فتوى الهيئة لأنها قائمة على الاجتهاد الجماعي الذي هو أقرب للصواب وأبعد عن الخطأ.
لماذا التركيز على المرجعية “الوطنية”؟ أليس الإسلام دينًا عالميًا؟
نعم، الإسلام عالمي في رسالته، ولكنه واقعي في تطبيقه. الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال. فالمرجعية الوطنية ليست تقوقعًا، بل هي تطبيق لمبدأ “فقه الواقع”، حيث إن علماء البلد هم الأقدر على فهم تحدياته وتقديم الحلول الشرعية المناسبة له، مما يحفظ للدين فعاليته وللمجتمع استقراره.
خاتمة: المرجعية حصن الدين والوطن
في الختام، إن تمييز المرجعية الدينية الصحيحة والالتفاف حولها ليس مجرد اختيار شخصي، بل هو ضرورة شرعية وضرورة مجتمعية. إنها الحصن الذي يحمي عقول شبابنا من لوثات الغلو والتطرف، ويحفظ عباداتنا ومعاملاتنا من الفوضى والتسيب، ويضمن بقاء المجتمع الجزائري متماسكًا ومحافظًا على هويته الإسلامية الأصيلة، القائمة على الوسطية والاعتدال. فلنحرص على أخذ ديننا من مصادره الموثوقة، ولنستثمر في علمائنا ومؤسساتنا الدينية التي هي صمام أماننا في الدنيا وسبيل نجاتنا في الآخرة.
وللاطلاع على المزيد من التحليلات والمقالات التي تعزز الفهم الصحيح للدين في واقعنا المعاصر، ندعوكم لتصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد.
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.




