جرائم غسل الأموال في النظام القانوني الجزائري وأبعادها الجنائية

تُعد جريمة غسل الأموال، أو كما يُعرف شعبياً بـ “تبييض الأموال”، من أخطر الجرائم الاقتصادية التي تهدد استقرار الأنظمة المالية والنزاهة الاقتصادية للدول. في الجزائر، يواجه الكثير من المواطنين ورجال الأعمال تحديات في فهم الحدود الفاصلة بين المعاملات المالية المشروعة وتلك التي قد تضعهم في دائرة الشبهة. هل شراء عقار بمبلغ نقدي كبير يعتبر جريمة؟ ما هي مسؤولية البنك الذي تتعامل معه؟ وكيف يتعامل القانون الجزائري بحزم مع هذه الظاهرة المعقدة؟ هذا المقال يقدم تحليلاً شاملاً ومفصلاً لجريمة غسل الأموال في النظام القانوني الجزائري، مستنداً إلى أحدث النصوص والتعديلات التشريعية.
مفهوم جريمة غسل الأموال في التشريع الجزائري
قبل الخوض في التفاصيل الإجرائية والعقابية، من الضروري تحديد المفهوم القانوني الدقيق لجريمة غسل الأموال كما عرفه المشرع الجزائري، والذي يختلف عن المفهوم العام المتداول.
التعريف القانوني الدقيق
يُعرّف القانون رقم 05-01 المؤرخ في 6 فبراير 2005، المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما، المعدل والمتمم، جريمة غسل الأموال بأنها الفعل المرتكب عمدًا والذي يهدف إلى إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع لأموال مكتسبة من جنايات أو جنح. بعبارة أبسط، هي كل عملية تهدف إلى جعل أموال “قذرة” ناتجة عن نشاط إجرامي تبدو وكأنها أموال “نظيفة” من مصدر مشروع.
وتشمل هذه الجريمة، وفقاً لنص المادة الأولى من القانون المذكور، الأفعال التالية:
- تحويل الممتلكات أو نقلها، مع العلم بأنها عائدات إجرامية، لغرض إخفاء أو تمويه مصدرها غير المشروع أو مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب الجريمة الأصلية التي أتت منها هذه الممتلكات، للإفلات من الآثار القانونية لفعله.
- إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للممتلكات أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو الحقوق المتعلقة بها، مع العلم بأنها عائدات إجرامية.
- اكتساب الممتلكات أو حيازتها أو استخدامها، مع العلم، وقت تلقيها، بأنها تشكل عائدات إجرامية.
- المشاركة في ارتكاب إحدى الجرائم المذكورة أعلاه أو تقديم المساعدة أو المشورة أو تسهيل التنفيذ أو التغطية.
التمييز بين غسل الأموال وتمويل الإرهاب
من المهم التمييز بين جريمتي غسل الأموال وتمويل الإرهاب، على الرغم من أن القانون ذاته ينظمهما. الفارق الجوهري يكمن في مصدر وهدف الأموال:
- غسل الأموال: الهدف هو إخفاء مصدر غير مشروع للأموال (المصدر قذر).
- تمويل الإرهاب: الهدف هو استخدام الأموال لتمويل نشاط إرهابي، بغض النظر عما إذا كان مصدرها مشروعاً أو غير مشروع (الهدف قذر).
السند القانوني المنظم لمكافحة غسل الأموال في الجزائر
بنت الجزائر ترسانة قانونية متينة لمواجهة هذه الجريمة، تماشياً مع التزاماتها الدولية وتطور أساليب الجريمة المنظمة. أهم النصوص القانونية هي:
- القانون رقم 05-01 المؤرخ في 6 فبراير 2005: المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما.
- القانون رقم 23-01 المؤرخ في 7 فبراير 2023: الذي يعدل ويتمم القانون 05-01، وقد أتى بتعديلات جوهرية شملت توسيع قائمة الخاضعين لواجب الإخطار بالشبهة وتشديد العقوبات وتحديد مفاهيم جديدة كالأصول الافتراضية.
- الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966: المتضمن قانون العقوبات، والذي يوفر الإطار العام للجرائم والعقوبات، بما في ذلك الجرائم الأولية التي تنتج عنها الأموال غير المشروعة.
- القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006: المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، حيث أن جرائم الفساد تعتبر من أهم مصادر الأموال التي يتم غسلها.
أركان جريمة غسل الأموال
لكي تقوم جريمة غسل الأموال من الناحية القانونية، يجب توافر ثلاثة أركان أساسية: الركن المفترض، الركن المادي، والركن المعنوي.
1. الركن المفترض: الجريمة الأولية (Predicate Offense)
هذا هو الشرط المسبق. لا يمكن الحديث عن غسل أموال دون وجود أموال ناتجة عن نشاط إجرامي سابق. يُطلق على هذا النشاط “الجريمة الأولية”. وفقاً للقانون الجزائري، يمكن أن تكون الجريمة الأولية أي جناية أو جنحة منصوص عليها في التشريع الجزائري، مثل:
- الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية.
- جرائم الفساد (الرشوة، اختلاس الأموال العمومية، استغلال النفوذ).
- الاتجار بالبشر أو الأعضاء.
- التهرب الضريبي والجبائي.
- الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية.
- تهريب المهاجرين.
- التزوير واستعمال المزور.
- سرقة وتهريب الآثار.
2. الركن المادي: أفعال التبييض
يتمثل الركن المادي في السلوك الملموس الذي يقوم به الجاني لإخفاء مصدر الأموال. وقد حدد القانون هذه الأفعال على سبيل الحصر في ثلاث مراحل نموذجية لعملية غسل الأموال:
- مرحلة الإيداع (Placement): وهي المرحلة الأولى التي يتم فيها إدخال الأموال غير المشروعة في النظام المالي الرسمي، مثلاً عن طريق إيداعات نقدية مجزأة في عدة حسابات بنكية لتجنب إثارة الشبهات.
- مرحلة التمويه أو التغطية (Layering): وتتضمن سلسلة معقدة من المعاملات المالية (تحويلات بنكية دولية، شراء وبيع أسهم، تأسيس شركات وهمية) بهدف فصل الأموال عن مصدرها الإجرامي وجعل تتبعها شبه مستحيل.
- مرحلة الإدماج (Integration): وهي المرحلة الأخيرة التي يتم فيها إعادة دمج الأموال “النظيفة” في الاقتصاد المشروع، كشراء عقارات فاخرة، أو سيارات، أو الاستثمار في مشاريع تجارية، لتبدو وكأنها أرباح مشروعة.
3. الركن المعنوي: القصد الجنائي (Mens Rea)
لا يكفي القيام بالفعل المادي، بل يجب أن يتوافر لدى مرتكب الجريمة القصد الجنائي. وهذا يعني أن الجاني يجب أن يكون عالماً بأن الأموال التي يتعامل معها هي ناتجة عن جريمة، وأن يكون قاصداً إخفاء أو تمويه مصدرها. القانون الجزائري يعتمد على “العلم”، والذي يمكن للقاضي استنتاجه من خلال القرائن والظروف المحيطة بالقضية. الجهل بالمصدر غير المشروع قد يكون سبباً للبراءة، لكن عبء إثبات حسن النية يقع على المتهم في كثير من الأحيان عملياً.
الهيئات المكلفة بالوقاية والمكافحة
أنشأ المشرع الجزائري منظومة متكاملة من الهيئات لمكافحة هذه الجريمة، أبرزها:
خلية معالجة الاستعلام المالي (CTRF)
تعتبر هذه الخلية، الموضوعة تحت وصاية وزارة المالية، هيئة محورية في النظام الجزائري. هي سلطة إدارية مستقلة تتمتع بسلطات واسعة وتعمل كهمزة وصل بين الخاضعين لواجب الإخطار والسلطات القضائية. مهامها الرئيسية:
- تلقي الإخطارات بالشبهة من البنوك والمؤسسات المالية والمحامين والموثقين وغيرهم.
- تحليل ومعالجة هذه الإخطارات وجمع كل المعلومات المفيدة.
- إعداد تقارير مفصلة حول العمليات المشبوهة.
- إحالة الملفات التي تؤكد وجود شبهات قوية إلى وكيل الجمهورية المختص لاتخاذ الإجراءات القضائية.
واجبات الإخطار بالشبهة
ألزم القانون فئات مهنية محددة، بحكم طبيعة عملها، بواجب الإخطار الفوري لخلية معالجة الاستعلام المالي عن أي عملية يشتبهون في ارتباطها بغسل الأموال. من بين هؤلاء الخاضعين:
- البنوك والمؤسسات المالية وشركات التأمين.
- الموثقون والمحامون والمحضرون القضائيون.
- الخبراء المحاسبون ومحافظو الحسابات.
- وكلاء العقارات وتجار الأحجار الكريمة والمعادن الثمينة والأعمال الفنية.
- مقدمو خدمات الأصول الافتراضية (جديد القانون 23-01).
العقوبات المقررة لجريمة غسل الأموال
شدد المشرع الجزائري العقوبات بشكل كبير، خاصة بعد تعديل 2023، لتعكس خطورة الجريمة على الاقتصاد الوطني.
العقوبات الأصلية (الحبس والغرامة)
تنص المادة 389 مكرر من قانون العقوبات على أن كل من يقوم بفعل من أفعال غسل الأموال يعاقب بـ:
- للشخص الطبيعي: بالحبس من 5 سنوات إلى 10 سنوات وبغرامة من 500.000 دج إلى 3.000.000 دج.
- في الحالات المشددة: ترتفع العقوبة إلى الحبس من 10 سنوات إلى 20 سنة وبغرامة تصل إلى 5.000.000 دج، خاصة إذا ارتكبت الجريمة في إطار جماعة إجرامية منظمة أو باستغلال التسهيلات التي يمنحها نشاط مهني.
أما بالنسبة للشخص المعنوي (الشركات، المؤسسات)، فإنه يعاقب بغرامة تعادل أربعة (4) أضعاف الغرامة المقررة للشخص الطبيعي، مع إمكانية الحكم بعقوبات تكميلية خطيرة.
العقوبات التكميلية والمصادرة
بالإضافة إلى الحبس والغرامة، يمكن للقاضي أن يحكم بعقوبات تكميلية رادعة، وهي:
- المصادرة: وهي عقوبة وجوبية، وتشمل مصادرة جميع العائدات غير المشروعة والأموال المغسولة والأدوات التي استخدمت في الجريمة.
- حل الشخص المعنوي (إغلاق الشركة نهائياً).
- المنع من ممارسة نشاط مهني أو اجتماعي.
- الإقصاء من الصفقات العمومية.
- نشر حكم الإدانة في الصحف.
| الفاعل | العقوبة العادية | العقوبة المشددة | الغرامة |
|---|---|---|---|
| الشخص الطبيعي | الحبس من 5 إلى 10 سنوات | الحبس من 10 إلى 20 سنة | من 500.000 دج إلى 5.000.000 دج |
| الشخص المعنوي | لا يوجد حبس | تصل إلى 4 أضعاف غرامة الشخص الطبيعي | |
نصيحة الخبير القانوني
التوثيق الدقيق لمصدر الأموال في المعاملات الكبيرة (شراء عقارات، تأسيس شركات) هو خط الدفاع الأول. احتفظ دائماً بسجلات واضحة تثبت مشروعية أموالك (عقود عمل، سجلات تجارية، عقود بيع ممتلكات سابقة، شهادات الميراث). هذا لا يمنع التحقيق ولكنه يوفر أدلة قوية وحاسمة للدفاع في حال تم استدعاؤك من قبل السلطات. الشفافية هي أفضل وقاية.
تنبيه هام: خطأ شائع
يعتقد الكثيرون أن مساعدة قريب أو صديق في إيداع مبلغ مالي كبير “كمساعدة” أو “دين” دون السؤال عن مصدره لا يشكل جريمة. هذا اعتقاد خاطئ وخطير. القانون الجزائري يعتبر “حيازة” أو “استخدام” أموال مع العلم بمصدرها غير المشروع فعلاً من أفعال غسل الأموال، حتى لو لم تكن أنت مرتكب الجريمة الأصلية. عبارة “لم أكن أعلم” ليست دفاعاً كافياً، حيث يمكن للقاضي استنتاج علمك من الظروف المحيطة بالعملية.
الأسئلة الشائعة (FAQ) حول غسل الأموال في الجزائر
1. ما هي الجريمة الأولية التي يمكن أن تؤدي إلى غسل الأموال؟
وفقاً للقانون الجزائري، أي جريمة مصنفة كـ “جناية” أو “جنحة” يمكن أن تكون جريمة أولية. هذا يشمل نطاقاً واسعاً جداً من الأفعال، بدءاً من الجرائم الكبرى مثل الاتجار بالمخدرات والفساد، وصولاً إلى جرائم أخرى مثل التهرب الضريبي والجبائي، ما دامت تولّد عائدات مالية.
2. هل يمكن متابعة شخص بتهمة غسل الأموال حتى لو تمت تبرئته من الجريمة الأصلية؟
نعم، هذا ممكن. جريمة غسل الأموال هي جريمة مستقلة وقائمة بذاتها. يمكن إدانة شخص بتهمة غسل الأموال حتى لو لم يكن بالإمكان إثبات الجريمة الأولية أو تحديد مرتكبها، طالما توافرت أدلة وقرائن قوية على أن مصدر الأموال غير مشروع.
3. ما هو دور البنوك في مكافحة غسل الأموال؟
تلعب البنوك دوراً محورياً. يفرض عليها القانون تطبيق إجراءات “العناية الواجبة بالزبائن” (KYC – Know Your Customer)، والتي تشمل التحقق من هوية العميل، وطبيعة نشاطه، ومراقبة عملياته المالية. وفي حال اكتشاف أي عملية غير اعتيادية أو مشبوهة لا تتناسب مع الملف المالي للعميل، فإن البنك ملزم قانوناً بتقديم “إخطار بالشبهة” إلى خلية معالجة الاستعلام المالي دون إعلام العميل بذلك.
4. هل شراء عقار بمبلغ نقدي كبير يعتبر تلقائياً غسل أموال؟
لا، ليس تلقائياً. شراء عقار نقداً ليس ممنوعاً قانوناً. لكنه يعتبر معاملة عالية المخاطر وتثير الشبهات لدى السلطات. في هذه الحالة، يقع على الموثق واجب الإخطار بالشبهة، وسيُطلب من المشتري تقديم ما يثبت المصدر المشروع للأموال. إذا فشل في إثبات ذلك، يمكن فتح تحقيق قضائي. تهدف منصة akhbardz إلى توعية المواطنين بهذه النقاط القانونية الدقيقة.
5. أنا تاجر وأتعامل بمبالغ نقدية كبيرة يومياً، هل أنا في خطر؟
التعامل بالنقد ليس جريمة في حد ذاته. الخطر يكمن في عدم القدرة على تبرير مصدر هذه الأموال. يجب على التجار وكل من يتعامل بمبالغ نقدية كبيرة الاحتفاظ بنظام محاسبي دقيق وسجلات تجارية وفواتير تثبت أن هذه الأموال هي نتيجة نشاط تجاري مشروع وشفاف. هذا التوثيق هو الحماية الأساسية ضد أي شبهة مستقبلية.
الخاتمة
إن المشرع الجزائري، من خلال التحديثات المستمرة للقانون رقم 05-01، يظهر إرادة سياسية وتشريعية قوية لمكافحة جريمة غسل الأموال التي تنخر الاقتصاد الوطني وتغذي الجريمة المنظمة. إن فهم أركان هذه الجريمة، والهيئات المكلفة بمكافحتها، والعقوبات الصارمة المترتبة عليها، لم يعد ترفاً فكرياً بل ضرورة لكل مواطن وفاعل اقتصادي يسعى للعمل في إطار الشرعية والشفافية وحماية نفسه من الوقوع، عن قصد أو عن جهل، في شباك هذه الجريمة المعقدة. وللحصول على معلومات أوفى حول القوانين الاقتصادية، يمكنكم متابعة التحديثات عبر البوابات الإخبارية المتخصصة.
المصادر والمراجع
- القانون رقم 05-01 المؤرخ في 6 فبراير 2005، المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما، المعدل والمتمم بالقانون رقم 23-01.
- الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم.
- الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية (Joradp.dz).
- الموقع الرسمي لوزارة العدل الجزائرية.




