حضانة الأطفال بعد الطلاق في الجزائر حقوق ومسؤوليات الوالدين

تُعد قضية حضانة الأطفال بعد الطلاق في الجزائر من أعقد المسائل وأكثرها حساسية، إذ تمسّ مباشرة فلذات الأكباد وتؤثر في مستقبلهم وحاضرهم. فمع تفاقم ظاهرة الطلاق في مجتمعنا الجزائري، يجد الكثير من الآباء والأمهات أنفسهم أمام متاهة قانونية ونفسية، محاولين فهم حقوقهم وواجباتهم تجاه أطفالهم، وكيفية ضمان استقرارهم في ظل تفكك الأسرة. فالقانون الجزائري، وعلى رأسها قانون الأسرة، يسعى جاهداً لتحقيق التوازن بين حقوق الوالدين ومصلحة الطفل الفضلى، لكن الواقع العملي كثيراً ما يشوبه الغموض وسوء الفهم لبعض النصوص التشريعية.
الإطار القانوني لحضانة الأطفال في التشريع الجزائري
يُشكل قانون الأسرة الجزائري، الصادر بموجب الأمر رقم 84-11 المؤرخ في 9 رمضان عام 1404 هـ الموافق 9 يونيو 1984، وتعديلاته اللاحقة، الإطار المرجعي الأساسي لتنظيم قضايا الحضانة بعد الطلاق. يهدف هذا القانون إلى حماية مصالح الطفل المحضون وضمان رعايته ونشأته السليمة، وهو ما يُعد المبدأ الأساسي الذي تستند إليه المحاكم في جميع قراراتها المتعلقة بالحضانة.
مفهوم الحضانة وأركانها القانونية
عرّفت المادة 62 من قانون الأسرة الحضانة بأنها: “رعاية الولد وتربيته والقيام بشؤونه بما في ذلك تعليمه، على الوجه الذي لا يتعارض مع حق الولي الشرعي على المحضون“. يتضح من هذا التعريف أن الحضانة ليست مجرد حق للوالدين، بل هي واجب ومسؤولية تقع على عاتق من يتولى رعاية الطفل. تستند الحضانة على أركان قانونية أساسية تتمثل في:
- رعاية الولد: وتشمل الجانب الجسدي والنفسي للطفل، من مأكل ومشرب وملبس ومسكن آمن.
- تربية الولد: وتتعلق بالجانب الأخلاقي والديني والاجتماعي، لضمان نشأة الطفل على القيم السليمة.
- القيام بشؤونه بما في ذلك تعليمه: وهذا يشمل متابعة دراسته وتوفير متطلباتها، وضمان حصوله على الرعاية الصحية اللازمة.
يُشدد القانون على أن هذه الرعاية والتربية يجب أن تتم “على الوجه الذي لا يتعارض مع حق الولي الشرعي على المحضون”، مما يبرز الفرق الجوهري بين الحضانة والولاية الشرعية، وهو ما سنتطرق إليه لاحقاً.
الشروط القانونية للحاضن
للقيام بمسؤولية الحضانة، وضع المشرع الجزائري مجموعة من الشروط التي يجب توفرها في الحاضن، سواء كان الأب أو الأم أو غيرهما. هذه الشروط منصوص عليها في المواد 63، 64، و65 من قانون الأسرة، وتهدف في مجملها إلى ضمان صلاحية الحاضن لتربية ورعاية الطفل. من أبرز هذه الشروط:
- البلوغ والعقل: أن يكون الحاضن بالغاً عاقلاً، ليكون قادراً على تحمل المسؤولية واتخاذ القرارات السليمة.
- الأمانة والاستقامة: أن يكون الحاضن أميناً وقادراً على حفظ المحضون ورعايته، وألا يكون قد حكم عليه بجريمة مخلة بالشرف والأخلاق.
- القدرة على توفير الرعاية: أن يكون قادراً على توفير السكن المناسب والمعيشة اللائقة للمحضون.
- الخلو من الأمراض المعدية أو الخطيرة: لضمان سلامة المحضون الصحية.
- عدم زواج الأم الحاضنة من أجنبي عن المحضون: نصت المادة 65 على أنه “إذا تزوجت الأم الحاضنة من غير قريب محرم من المحضون أو بسكوتها عن المطالبة بالنفقة أو بتركها للمحضون مدة سنة دون عذر، تسقط حضانتها”. هذا الشرط يثير الكثير من الجدل والتساؤلات في الواقع العملي، ويجب فهمه ضمن سياق مصلحة المحضون الفضلى.
- الاستقرار: أن يكون الحاضن مقيماً في مكان مستقر يضمن استمرارية رعاية الطفل وتعليمه.
إن المحكمة الجزائرية تُراعي هذه الشروط بدقة عند الفصل في قضايا الحضانة، مع إعطاء الأولوية القصوى لمصلحة المحضون، التي قد تتجاوز أحياناً الترتيب الطبيعي للحضانة المنصوص عليه قانوناً.
ترتيب أصحاب الحق في الحضانة
حدد المشرع الجزائري في المادة 64 من قانون الأسرة ترتيباً للأشخاص الذين لهم الحق في الحضانة، وهو ترتيب تفضيلي يراعي الصلة الأسرية ومدى قدرة كل طرف على رعاية الطفل:
- الأم.
- الأب.
- الجدة لأم.
- الجدة لأب.
- الخالة.
- العمة.
ويُضاف إلى ذلك أن للمحكمة أن تقضي بالحضانة لمن تراه أصلح للمحضون من الأقارب الآخرين إذا لم يوجد من تتوافر فيه الشروط السابقة، أو كان هناك سبب قوي يدعو لتقديم غيرهم، مع الأخذ بعين الاعتبار جنس المحضون وسنه. فمثلاً، إذا بلغ الولد عشر سنوات، أو البنت بلغت سن الزواج (تسع عشرة سنة)، فإن لهما الحق في اختيار الحاضن ما لم تتعارض مصلحتهما مع ذلك، وهذا ما نصت عليه المادة 72 من قانون الأسرة.
حقوق ومسؤوليات الوالدين بعد الطلاق: منظور القانون الجزائري
حتى بعد انفصال الزوجين، لا تسقط مسؤولية الوالدين تجاه أطفالهما. فالحضانة وإن كانت تعني استلام أحد الوالدين للرعاية اليومية، إلا أن الوالد الآخر يحتفظ بحقوق ومسؤوليات جوهرية، كلاً حسب دوره وموقعه.
حقوق المحضون وواجبات الحاضن
تتمحور كافة النصوص المتعلقة بالحضانة حول المحضون أولاً. فحقوقه هي التي يجب أن تُصان، وواجبات الحاضن تنصب على تحقيق هذه الحقوق. من أبرز حقوق المحضون وواجبات الحاضن:
- النفقة: وهي من أهم الحقوق المالية للمحضون. تشمل النفقة المأكل، الملبس، المسكن، التعليم، العلاج وسائر ما يعتبر من الضروريات في العرف. يلتزم الأب بدفع النفقة، وفي حال عجزه أو وفاته، تقع على عاتق من تجب عليه النفقة شرعاً. المحكمة هي التي تحدد مقدار النفقة بناءً على دخل الأب واحتياجات الأطفال، وتصدر قراراً قضائياً بذلك، وهو ما يضمنه القانون الجزائري.
- السكن: يجب على الحاضن توفير مسكن مناسب وآمن للمحضون. يمكن أن يكون المسكن هو بيت الزوجية سابقاً أو مسكن آخر. للمحكمة صلاحية الأمر بتوفير سكن أو بدفع بدل إيجار للحاضنة إن لم يكن لها مسكن خاص.
- التعليم: متابعة تعليم المحضون، تسجيله في المدارس، وتوفير كل ما يحتاجه لدراسته، واجب على الحاضن. ويتحمل الأب تكاليف التعليم ضمن النفقة.
- الصحة: توفير الرعاية الصحية للمحضون، متابعة تطعيماته، وعلاجه عند المرض، من واجبات الحاضن. وتكاليف العلاج تدخل ضمن النفقة.
- التربية الأخلاقية والدينية: تنشئة الطفل على الأخلاق الحميدة والقيم الدينية، بما يتماشى مع التقاليد الجزائرية الأصيلة.
يجب على الحاضن أن يحرص على عدم المساس بحقوق الوالد الآخر في الرؤية والزيارة والاستضافة، وأن يربي المحضون على احترام كلا الوالدين.
حق الرؤية والزيارة والاستضافة للوالد غير الحاضن
في مقابل واجبات الحاضن، يضمن القانون الجزائري للوالد غير الحاضن (غالباً الأب) حقوقاً أساسية لضمان استمرار علاقته بأولاده والحفاظ على الروابط الأسرية. هذه الحقوق تشمل:
- حق الرؤية: وهو حق أساسي لكل والد غير حاضن في رؤية أبنائه بشكل دوري. تحدد المحكمة مواعيد وأماكن الرؤية بما يتناسب مع مصلحة الطفل وظروف الوالدين. غالباً ما تكون الرؤية في الأماكن العامة أو المراكز المتخصصة التي توفرها بعض المحاكم.
- حق الزيارة: يتجاوز حق الرؤية ليشمل قضاء فترة أطول مع الأطفال، كقضاء ساعات معينة أو أيام محددة خارج نطاق وجود الحاضن.
- حق الاستضافة: وهو أوسع الحقوق، حيث يُسمح للوالد غير الحاضن بأخذ الأطفال وقضاء فترة زمنية معهم في منزله، كقضاء عطلة نهاية الأسبوع أو جزء من العطلات المدرسية. هذا الحق يتطلب موافقة المحكمة ويُمنح بعد التأكد من قدرة الوالد على توفير بيئة آمنة ومناسبة للأطفال خلال فترة الاستضافة.
تهدف هذه الحقوق إلى تخفيف آثار الطلاق على الأطفال وضمان بقائهم على اتصال بكلا الوالدين. أي عرقلة لهذه الحقوق من طرف الحاضن يمكن أن تؤدي إلى رفع دعوى قضائية تطالب بتطبيق الحكم القضائي، وقد تؤثر في بعض الحالات على الحضانة ذاتها، إذا ثبت أن الحاضن يتعسف في استعمال حقه ويضر بمصلحة المحضون وعلاقته بوالده الآخر.
الولاية الشرعية وتأثيرها على الحضانة
يخلط الكثير من الناس بين مفهومي الحضانة والولاية الشرعية، رغم أنهما يختلفان جوهرياً في القانون الجزائري.
* الحضانة: كما ذكرنا، هي رعاية الولد وتربيته والقيام بشؤونه اليومية.
* الولاية الشرعية: هي السلطة القانونية التي تمكن الولي من الإشراف على شؤون المحضون المالية والإدارية والقانونية، واتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبله (مثل التسجيل في المدارس، إجراء العمليات الجراحية، استخراج الوثائق الإدارية).
وفقاً للمادة 87 من قانون الأسرة، الأب هو الولي الشرعي على أولاده القصر، وفي حالة وفاته أو غيابه أو جنونه، تنتقل الولاية إلى الأم، ثم إلى الجد الصحيح. هذا يعني أن الأم الحاضنة، حتى لو كانت هي التي ترعى الأطفال يومياً، لا تملك في العادة الولاية الشرعية إلا في حالات محددة (وفاة الأب أو غيابه).
هذه النقطة تسبب الكثير من المشاكل والصراعات بين الوالدين، حيث تجد الأم الحاضنة نفسها مضطرة للرجوع إلى الأب للحصول على موافقته في كثير من الأمور الإدارية المتعلقة بالأطفال، مما قد يعرقل سير حياتهم اليومية، خاصة في حال تعنت الأب أو غيابه. وقد سعى المشرع الجزائري من خلال تعديلات قانون الأسرة إلى معالجة بعض هذه الإشكاليات، خاصة ما يتعلق بتخويل الأم الحاضنة حق استخراج الوثائق الإدارية لأبنائها، لكن الولاية الشرعية تبقى للأب في غالب الأحيان.
إجراءات رفع دعوى الحضانة وتغييرها في الجزائر
تتم قضايا الحضانة ضمن قسم شؤون الأسرة في المحاكم الابتدائية. هذه الإجراءات تتطلب دقة ومعرفة قانونية لضمان حقوق الأطراف ومصلحة المحضون.
المحكمة المختصة والإجراءات الأولية
تُرفع دعاوى الحضانة، سواء كانت دعوى أصلية بعد الطلاق مباشرة، أو دعوى لتغيير الحاضن أو إسقاط الحضانة، أمام قسم شؤون الأسرة بالمحكمة التي يتبع لها مسكن المدعى عليه، أو المحكمة التي يوجد بها مسكن المحضون. الإجراءات غالباً ما تكون على النحو التالي:
- تقديم عريضة الدعوى: يجب على الطرف المدعي (غالباً الأم أو الأب) تقديم عريضة مفصلة إلى المحكمة، يوضح فيها طلباته، سواء كانت حضانة أصلية، أو تغيير حضانة، أو المطالبة بالنفقة، أو بحق الرؤية والزيارة والاستضافة. يجب أن تكون العريضة مدعومة بالوثائق اللازمة (عقد الزواج، شهادات ميلاد الأطفال، حكم الطلاق إن وجد).
- جلسة الصلح (الوساطة): قبل الخوض في النزاع القضائي، تحاول المحكمة في غالب الأحيان إجراء جلسات صلح بين الطرفين، خاصة في قضايا الأسرة، بهدف الوصول إلى حل ودي يرضي الطرفين ويراعي مصلحة الأطفال. هذه الجلسات قد تكون إلزامية في بعض الحالات.
- التحقيق الاجتماعي: قد تأمر المحكمة بإجراء تحقيق اجتماعي حول ظروف الطرفين وملاءمة البيئة التي سيعيش فيها المحضون، وذلك لضمان اتخاذ قرار يصب في مصلحة الطفل الفضلى.
- القرار القضائي: بناءً على الأدلة والوثائق والتحقيقات، يصدر قاضي شؤون الأسرة حكمه في قضية الحضانة، محدداً الحاضن، ومبالغ النفقة، وحقوق الرؤية والزيارة والاستضافة للطرف الآخر.
يُعد الحكم الصادر في قضايا الحضانة قابلاً للطعن فيه بالاستئناف أمام المجلس القضائي المختص، ثم بالنقض أمام المحكمة العليا، وذلك وفقاً لقواعد الإجراءات المدنية والإدارية.
حالات إسقاط الحضانة وتغييرها
الحضانة ليست حقاً أبدياً، بل هي مسؤولية تستمر ما دام الحاضن قادراً على الوفاء بشروطها. في حال إخلال الحاضن بأي من الشروط القانونية أو إذا ثبت ضرر على المحضون، يمكن إسقاط الحضانة منه ونقلها إلى من يليه في الترتيب أو إلى من تراه المحكمة أصلح. من أبرز حالات إسقاط الحضانة أو تغييرها:
- زواج الأم الحاضنة من أجنبي عن المحضون: كما ذكرنا في المادة 65، إذا تزوجت الأم الحاضنة من رجل غريب عن المحضون، تسقط حضانتها. إلا أن هذا الحكم لا يُطبق آلياً في كل الحالات، بل يُنظر إلى مدى تأثير هذا الزواج على مصلحة المحضون. إذا كان الزوج الأجنبي من محارم المحضون أو كان الزواج لا يضر بمصلحة الطفل، فقد تحتفظ الأم بحضانتها.
- إهمال المحضون أو تعريضه للخطر: إذا ثبت أن الحاضن يهمل المحضون في رعايته الصحية، تعليمه، أو تربيته، أو إذا تعرض المحضون لسوء المعاملة أو الخطر من الحاضن أو من يعيشون معه، يحق للمحكمة إسقاط الحضانة.
- مرض الحاضن أو عجزه: إذا أصيب الحاضن بمرض مزمن أو عجز يمنعه من رعاية المحضون، يمكن نقل الحضانة.
- انتقال الحاضن إلى مكان بعيد: إذا انتقل الحاضن للعيش في مكان بعيد جداً يجعل من الصعب على الوالد الآخر ممارسة حقه في الرؤية والزيارة، أو إذا كان هذا الانتقال سيؤثر سلباً على استقرار المحضون وتعليمه، يمكن للمحكمة إعادة النظر في الحضانة.
- بلوغ المحضون سن الاختيار: عند بلوغ الولد الذكر 10 سنوات والبنت 19 سنة، يحق لهما اختيار الحاضن الذي يرغبان في العيش معه، وتأخذ المحكمة باختيارهما ما لم يتعارض ذلك مع مصلحتهما الفضلى.
تُعتبر هذه الحالات تقريبية، والمحكمة هي صاحبة التقدير النهائي في كل قضية على حدة، مع الأخذ بعين الاعتبار جميع الظروف والملابسات المحيطة بالموضوع، وتبقى مصلحة المحضون هي الاعتبار الأسمى.
مقارنة بين حقوق وواجبات الوالدين في حضانة الأطفال
لتوضيح أدوار الوالدين بعد الطلاق في سياق الحضانة، نقدم هذا الجدول الذي يوضح أبرز الحقوق والواجبات لكل طرف:
| الحق/الواجب | الوالد الحاضن (غالباً الأم) | الوالد غير الحاضن (غالباً الأب) |
|---|---|---|
| الرعاية اليومية | مسؤولية مباشرة وكاملة (مأكل، ملبس، مسكن، نظافة). | لا توجد مسؤولية مباشرة، لكن يساهم عبر النفقة. |
| النفقة المالية | الحق في المطالبة بالنفقة المالية للمحضون. | الواجب الأساسي لدفع النفقة الشهرية. |
| السكن | توفير مسكن آمن للمحضون، مع حق المطالبة ببدل الإيجار أو البقاء في مسكن الزوجية. | مسؤولية توفير السكن أو بدل الإيجار ضمن النفقة. |
| التعليم | متابعة الدراسة، تسجيل الأطفال، حضور اجتماعات أولياء الأمور. | المساهمة في تكاليف التعليم (ضمن النفقة)، حق الإطلاع على المسار الدراسي. |
| الصحة | توفير الرعاية الصحية والعلاج اللازم. | المساهمة في تكاليف العلاج (ضمن النفقة)، حق الإطلاع على الوضع الصحي. |
| الولاية الشرعية | لا تملكها في الغالب (إلا في حالات الوفاة أو الغياب أو العجز). | يمتلكها بشكل أساسي (اتخاذ القرارات المصيرية والإدارية). |
| الرؤية والزيارة والاستضافة | واجب تمكين الوالد الآخر من ممارسة هذه الحقوق وفقاً للحكم القضائي. | الحق في ممارستها وفقاً للحكم القضائي، والمطالبة بتنفيذها. |
نصائح قانونية عملية
في خضم تعقيدات قضايا الحضانة، إليك بعض النصائح القانونية والعملية التي قد تساعدك في التعامل مع هذا الملف الحساس:
- اطلب استشارة قانونية مبكرة: لا تنتظر تفاقم المشاكل. استشر محامياً مختصاً في قانون الأسرة فوراً عند التفكير في الطلاق أو بعد حدوثه، لتبدأ الإجراءات بشكل صحيح وتفهم حقوقك وواجباتك بدقة.
- وثّق كل شيء: احتفظ بنسخ من جميع الوثائق الرسمية (عقد الزواج، شهادات ميلاد الأطفال، حكم الطلاق، الإيصالات المالية للنفقة، رسائل البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية المهمة). التوثيق يسهل إثبات الحقائق أمام المحكمة.
- ضع مصلحة طفلك فوق كل اعتبار: تذكر دائماً أن الهدف الأسمى للقانون والمحكمة هو مصلحة المحضون الفضلى. تجنب استخدام الأطفال كورقة ضغط في الخلافات بينكما.
- التزم بالأحكام القضائية: احرص على تنفيذ جميع بنود الحكم القضائي المتعلق بالحضانة والنفقة والرؤية والزيارة، فالإخلال بها قد يعرضك لمساءلة قانونية ويؤثر على وضعك.
- تواصل إيجابي وبناء: حاول قدر الإمكان الحفاظ على علاقة تواصل إيجابية ومحترمة مع الطرف الآخر فيما يتعلق بشؤون الأطفال، حتى لو كان هناك خلاف بينكما. هذا يصب في مصلحة الأطفال.
- تعرف على حقوق الأم الحاضنة في الولاية: على الرغم من أن الولاية الشرعية للأب، فإن القانون قد منح الأم الحاضنة بعض الصلاحيات الإدارية المتعلقة بالمحضون، كالحق في استخراج الوثائق الإدارية والتسجيل في المدارس. يجب على الأم الإلمام بهذه الصلاحيات.
تحذير: مفاهيم خاطئة شائعة حول حضانة الأطفال
تنتشر العديد من الأفكار والمفاهيم الخاطئة حول حضانة الأطفال بعد الطلاق في الجزائر، مما يؤدي إلى سوء فهم وربما قرارات خاطئة. من أهم هذه المفاهيم التي يجب الحذر منها:
- “الأم هي دائماً الأحق بالحضانة مهما كانت الظروف”: هذا ليس صحيحاً إطلاقاً. الأولوية للأم هي الأصل، لكنها ليست مطلقة. فإذا فقدت الأم أحد شروط الحضانة (مثل الزواج من أجنبي عن المحضون في بعض الحالات، أو الإهمال، أو العجز)، يمكن إسقاط الحضانة عنها ونقلها إلى الأب أو إلى من يليه في الترتيب، أو من تراه المحكمة أصلح لمصلحة المحضون.
- “الحضانة تعني الولاية الشرعية الكاملة”: كما وضحنا سابقاً، هناك فرق جوهري بين المفهومين. الأم الحاضنة لا تملك الولاية الشرعية في غالب الأحيان، مما يحد من صلاحياتها في اتخاذ بعض القرارات المصيرية.
- “الوالد غير الحاضن لا يملك أي حقوق تجاه أطفاله”: هذا الاعتقاد خاطئ تماماً. الأب (أو الأم غير الحاضنة) له حقوق أساسية في الرؤية والزيارة والاستضافة، وعليه واجب دفع النفقة. هذه الحقوق والواجبات تضمن استمرار العلاقة الأبوية.
- “قضايا الحضانة ثابتة ولا تتغير”: حكم الحضانة ليس نهائياً بشكل مطلق. يمكن تعديله أو إسقاطه أو نقله إذا طرأت ظروف جديدة تستدعي ذلك، مثل تغير ظروف الحاضن، أو ثبوت ضرر على المحضون، أو بلوغ المحضون سن الاختيار.
- “يمكن منع الوالد الآخر من رؤية أطفاله إذا لم يدفع النفقة”: لا يجوز ربط حق الرؤية والزيارة بمسألة دفع النفقة. فكل منهما حق منفصل يحكمه القانون بآليات تنفيذ مختلفة. عدم دفع النفقة له إجراءاته القانونية الخاصة (دعوى نفقة، الحبس مقابل الدين)، ولا يبرر الحرمان من رؤية الأطفال.
الأسئلة الشائعة حول حضانة الأطفال بعد الطلاق في الجزائر
من له حق الحضانة أولاً في القانون الجزائري؟
وفقاً للمادة 64 من قانون الأسرة، الترتيب التفضيلي للحضانة يبدأ بالأم، ثم الأب، ثم الجدة لأم، ثم الجدة لأب، ثم الخالة، ثم العمة. إلا أن المحكمة تملك سلطة تقديرية في تقديم من تراه أصلح لمصلحة المحضون.
هل تسقط حضانة الأم إذا تزوجت؟
نعم، تنص المادة 65 من قانون الأسرة على أن الأم الحاضنة إذا تزوجت من غير قريب محرم للمحضون، تسقط حضانتها. ومع ذلك، فإن هذا النص يُفسر غالباً بما يخدم مصلحة المحضون الفضلى، وقد لا تُسقط الحضانة إذا ثبت أن الزواج لا يضر بالطفل أو أن زوجها الجديد من محارم الطفل.
ما الفرق بين الحضانة والولاية الشرعية؟
الحضانة هي رعاية الولد وتربيته والقيام بشؤونه اليومية. أما الولاية الشرعية، فهي السلطة القانونية المخولة للأب (أو من يحل محله) للإشراف على شؤون المحضون المالية والإدارية واتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبله (مثل تسجيله في المدارس، العمليات الجراحية). الأم الحاضنة لا تملك الولاية الشرعية في أغلب الحالات.
كيف يتم تحديد نفقة الأطفال؟
تحدد المحكمة مقدار النفقة بناءً على دخل الأب وموارده المالية، مع الأخذ بعين الاعتبار احتياجات الأطفال من مأكل، ملبس، مسكن، تعليم، علاج، وسائر الضروريات. يمكن للمحكمة إجراء تحقيق اجتماعي أو الاستعانة بخبرة مالية لتقدير النفقة العادلة.
ما هي إجراءات رؤية الطفل بعد الطلاق؟
يجب على الوالد غير الحاضن رفع دعوى قضائية أمام قسم شؤون الأسرة بالمحكمة للمطالبة بحق الرؤية والزيارة والاستضافة. تصدر المحكمة حكماً يحدد مواعيد وأماكن وكيفيات ممارسة هذا الحق بما لا يضر بمصلحة الطفل واستقراره.
هل يمكن للأم الحاضنة استخراج الوثائق الإدارية لأبنائها؟
نعم، سمح المشرع الجزائري للأم الحاضنة (وإن لم تكن تملك الولاية الشرعية) باستخراج بعض الوثائق الإدارية الضرورية لأبنائها، مثل شهادات الميلاد والوثائق المدرسية، وذلك لتسهيل حياتهم وضمان حقوقهم.
تُظهر هذه الأسئلة المتكررة الحاجة الملحة إلى فهم دقيق وواضح للقانون الجزائري لضمان حقوق الجميع وتجنب سوء الفهم الذي قد يؤدي إلى نزاعات طويلة ومؤذية للأطفال.
في الختام، تُعد حضانة الأطفال بعد الطلاق في الجزائر مسألة محورية في قانون الأسرة، تهدف في جوهرها إلى حماية المصلحة الفضلى للمحضون. فالقانون الجزائري يحرص على توفير إطار تشريعي يوازن بين حقوق الوالدين ومسؤولياتهما، مع إعطاء الأولوية القصوى لضمان رعاية الطفل وتعليمه ونشأته السليمة. إن فهم النصوص القانونية بدقة، ومعرفة الإجراءات المتبعة، وتجنب المفاهيم الخاطئة الشائعة، هو السبيل الوحيد لضمان حقوق الأطفال والوالدين على حد سواء في هذه الظروف الصعبة. فالمنازعات القانونية، وإن كانت ضرورية أحياناً، يجب ألا تطغى على جوهر المسؤولية الأبوية المشتركة في توفير بيئة مستقرة وآمنة للأطفال.
لضمان حقوقك وحقوق أطفالك وفقاً للقانون الجزائري، لا تتردد في طلب استشارة قانونية متخصصة من محامٍ مختص في قضايا الأسرة.
المصادر
- الأمر رقم 84-11 المؤرخ في 9 رمضان عام 1404 هـ الموافق 9 يونيو 1984، المتضمن قانون الأسرة، المعدل والمتمم. (يمكن الاطلاع عليه في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية)
- قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري.
- موقع وزارة العدل الجزائرية: (https://www.mjustice.dz/)




