حماية البيانات الشخصية في الجزائر: دليل الحقوق والتشريعات الضرورية للمواطنين

في عصر أصبحت فيه بياناتنا الشخصية، من رقم هاتفنا إلى بصمتنا الرقمية، سلعة ثمينة، يجد المواطن الجزائري نفسه أمام تساؤل ملح: كيف أحمي خصوصيتي؟ هل يمكن لشركة ما استخدام معلوماتي دون إذني؟ وما هي سبل الانتصاف القانوني في حال تم تسريب أو استغلال بياناتي؟ لقد وضع المشرع الجزائري إطاراً قانونياً قوياً من خلال القانون رقم 18-07، الذي يمنحك حقوقاً واضحة وآليات لحماية أثمن ما تملك في العالم الرقمي: معلوماتك الشخصية. هذا المقال هو دليلك الشامل لفهم هذه الحقوق والتشريعات الضرورية.
ما هي البيانات الشخصية التي يحميها القانون الجزائري؟
قبل الخوض في الحقوق والإجراءات، من الضروري تحديد ما الذي يعتبره القانون “بيانات شخصية”. وفقاً للمادة 4 من القانون رقم 18-07، المعطيات ذات الطابع الشخصي هي “كل معلومة، مهما كان سندها، تتعلق بشخص طبيعي معين أو قابل للتعيين، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، لاسيما بالرجوع إلى رقم تعريف أو عنصر أو عدة عناصر مميزة لهويته”.
ببساطة، أي معلومة يمكن أن تقود إليك مباشرة هي بيانات شخصية. يشمل ذلك:
- الاسم واللقب.
- العنوان الشخصي ورقم الهاتف.
- عنوان البريد الإلكتروني.
- رقم بطاقة التعريف الوطنية أو رخصة السياقة.
- البيانات البيومترية (بصمة الإصبع، صورة الوجه).
- بيانات الموقع الجغرافي (GPS).
- عنوان بروتوكول الإنترنت (IP Address).
كما يولي القانون حماية مشددة لـ “المعطيات الحساسة”، والتي تشمل:
- الأصل العرقي أو الإثني.
- الآراء السياسية والانتماءات النقابية.
- المعتقدات الدينية أو الفلسفية.
- البيانات الصحية والحياة الجنسية.
- المعلومات الجينية.
- البيانات المتعلقة بالإدانات الجزائية.
الأصل هو منع معالجة هذه البيانات الحساسة إلا في حالات استثنائية ومحددة قانوناً وبموافقة صريحة من الشخص المعني.
الإطار القانوني: فهم القانون رقم 18-07
السند القانوني الرئيسي الذي ينظم هذا المجال هو القانون رقم 18-07 المؤرخ في 25 رمضان عام 1439 الموافق 10 يونيو سنة 2018 والمتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي. جاء هذا القانون ليواكب التطورات التكنولوجية ويؤسس منظومة حماية متكاملة تهدف إلى تحقيق التوازن بين ضرورات معالجة البيانات (لأغراض تجارية، إدارية، أمنية) وبين حماية الحقوق الأساسية للأفراد.
أهم أهداف هذا القانون:
- تحديد المبادئ العامة لمعالجة البيانات الشخصية (الشفافية، المشروعية، التناسب).
- تكريس حقوق واضحة للأشخاص المعنيين (حق الإعلام، الوصول، التصحيح، الاعتراض).
- تحديد التزامات الجهات التي تعالج البيانات (مسؤول المعالجة).
- إنشاء “السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي” كهيئة رقابية مستقلة.
- وضع نظام عقوبات ردعي للمخالفين.
حقوقك الأساسية كمواطن: كيف تحمي بياناتك؟
يمنحك القانون 18-07 مجموعة من الحقوق الجوهرية التي تمكنك من التحكم في بياناتك الشخصية. معرفة هذه الحقوق هي خطوتك الأولى نحو حماية فعالة.
1. الحق في الإعلام والموافقة (المبدأ الأساسي)
لا يمكن لأي جهة (شركة، جمعية، إدارة) جمع أو معالجة بياناتك الشخصية دون موافقتك الصريحة والواضحة، إلا في حالات استثنائية يحددها القانون. الموافقة يجب أن تكون “حرة ومحددة ومسبقة”. كما يجب على الجهة التي تجمع بياناتك (مسؤول المعالجة) إعلامك بـ:
- هويته الكاملة.
- الغرض الدقيق من جمع البيانات.
- هل جمع البيانات إجباري أم اختياري.
- الجهات التي قد يتم إرسال بياناتك إليها.
- حقوقك في الوصول والتصحيح.
2. حق الوصول إلى بياناتك (المادة 28)
لك الحق في أن تطلب من أي جهة تحتفظ ببياناتك أن تزودك بنسخة واضحة ومفهومة من جميع المعلومات التي تملكها عنك. هذا الحق يمكنك من التحقق من صحة البيانات ونوعيتها وطريقة استخدامها.
3. حق التصحيح أو الحذف (المادة 29)
إذا اكتشفت أن بياناتك غير صحيحة، غير كاملة، أو لم تعد ذات صلة بالغرض الذي جُمعت من أجله، فمن حقك أن تطلب تصحيحها، تحيينها، أو حتى حذفها نهائياً. يجب على مسؤول المعالجة تنفيذ طلبك في أقرب الآجال وإعلامك بذلك.
4. حق الاعتراض على المعالجة (المادة 32)
يمكنك الاعتراض على معالجة بياناتك لأسباب مشروعة. والأهم من ذلك، يمنحك القانون حق الاعتراض دون أي تبرير إذا كانت بياناتك تُستخدم لأغراض التسويق المباشر أو الاستغلال التجاري (مثل الرسائل الإعلانية والمكالمات الترويجية). بمجرد اعتراضك، يجب على الجهة التوقف فوراً عن استخدام بياناتك لهذا الغرض.
دور السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (ANPDP)
لتفعيل هذه الحقوق، أنشأ القانون هيئة محورية هي السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (ANPDP). هذه السلطة الإدارية المستقلة هي الدرع الرسمي لحماية بيانات المواطنين. من أهم مهامها:
- تلقي التصريحات وطلبات الترخيص من الجهات التي تعالج البيانات.
- تلقي الشكاوى من المواطنين والتحقيق فيها.
- إجراء تحقيقات ميدانية لدى الهيئات لضمان امتثالها للقانون.
- إصدار عقوبات إدارية ضد المخالفين.
- نشر الوعي بثقافة حماية البيانات الشخصية.
تعتبر السلطة الوطنية الملجأ الأول والأخير لك في حال تجاهلت الشركة أو الإدارة حقوقك، وهي الجهة المخولة قانوناً بإلزامهم بتطبيق القانون.
الإجراءات خطوة بخطوة: كيف تقدم شكوى؟
إذا شعرت أن بياناتك قد تم استغلالها أو أن إحدى الجهات انتهكت حقوقك، لا تتردد في اتباع المسار القانوني التالي:
الخطوة 1: التواصل المباشر مع مسؤول المعالجة
قبل اللجوء إلى السلطة الوطنية، ينصح بالتواصل أولاً مع الجهة المعنية (الشركة، البنك، الإدارة…) بشكل كتابي (عبر البريد الإلكتروني أو رسالة مضمونة الوصول). اطلب منهم بوضوح ممارسة حقك (مثلاً: “أطلب حذف رقم هاتفي من قوائم التسويق الخاصة بكم عملاً بالمادة 32 من القانون 18-07”). هذا الإجراء يحل المشكلة في كثير من الأحيان، وإن لم يحدث، فإنه يشكل دليلاً قوياً لشكواك لاحقاً.
الخطوة 2: تحضير ملف الشكوى للسلطة الوطنية
إذا لم تتلق رداً مرضياً أو تم تجاهل طلبك، يمكنك التوجه بشكوى رسمية إلى السلطة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية. يجب أن يتضمن ملفك الوثائق اللازمة.
الخطوة 3: إيداع الشكوى
يمكن إيداع الشكوى مباشرة لدى مقر السلطة الوطنية أو عبر الوسائل التي ستحددها (بوابة إلكترونية، بريد مضمون). بعد إيداع الشكوى، ستقوم السلطة بالتحقيق في الوقائع واتخاذ الإجراءات اللازمة التي قد تصل إلى فرض عقوبات على الجهة المخالفة.
الوثائق المطلوبة لتقديم شكوى (الملف الإداري)
لضمان قبول شكواك ومعالجتها بفعالية من طرف السلطة الوطنية، يجب تحضير ملف منظم يحتوي على:
- عريضة الشكوى: وثيقة مكتوبة تشرح فيها هويتك الكاملة، وهوية الجهة المشتكى منها، وعرضاً مفصلاً للوقائع وانتهاك حقوقك، مع تحديد طلباتك بوضوح (مثلاً: حذف البيانات، التوقف عن المعالجة، إلخ).
- نسخة من بطاقة التعريف الوطنية: لإثبات هويتك.
- نسخة من المراسلات السابقة: إرفاق نسخة من البريد الإلكتروني أو وصل استلام الرسالة المضمونة التي أرسلتها للجهة المعنية (دليل على محاولتك الحل الودي).
- أي دليل آخر: صور شاشة (screenshots) للرسائل الإعلانية، تسجيلات (مع مراعاة الجانب القانوني للتسجيل)، أو أي وثيقة أخرى تدعم شكواك.
كما يمكنك متابعة آخر الأخبار والتطورات القانونية عبر مصادر موثوقة مثل موقع أخبار الجزائر للحصول على فهم أفضل للسياق العام.
نصيحة الخبير القانوني
عندما تمارس حقك في الوصول أو التصحيح لدى أي مؤسسة، احرص دائماً على أن يكون طلبك كتابياً. لا تعتمد على المكالمات الهاتفية. البريد الإلكتروني أو الرسالة المضمونة مع إشعار بالاستلام هما أفضل وسيلة، لأنهما يتركان أثراً قانونياً لا يمكن إنكاره ويشكلان حجة قوية في ملف شكواك أمام السلطة الوطنية إذا تم تجاهل طلبك.
التزامات الشركات والمؤسسات (مسؤول المعالجة)
يفرض القانون 18-07 على كل هيئة تعالج البيانات الشخصية (سواء كانت شركة خاصة أو إدارة عمومية) مجموعة من الالتزامات الصارمة، أهمها:
- التصريح أو طلب الترخيص: يجب على معظم الجهات التصريح بمعالجة البيانات لدى السلطة الوطنية، وفي بعض الحالات (مثل معالجة البيانات الحساسة أو تحويلها للخارج) يجب الحصول على ترخيص مسبق.
- ضمان أمن وسرية البيانات: يجب اتخاذ كافة التدابير التقنية والتنظيمية اللازمة لحماية البيانات من التلف، الضياع، أو الوصول غير المصرح به.
- احترام حقوق الأفراد: الاستجابة لطلبات الوصول والتصحيح والاعتراض في آجال معقولة.
- تحديد مدة الحفظ: لا يجوز الاحتفاظ بالبيانات لمدة أطول من اللازمة لتحقيق الغرض الذي جُمعت من أجله.
تنبيه: خطأ شائع يجب تجنبه
يعتقد الكثيرون أن حذف تطبيق من الهاتف أو إلغاء الاشتراك في خدمة ما يعني تلقائياً حذف جميع بياناتهم الشخصية. هذا غير صحيح في معظم الحالات. تحتفظ الشركات بالبيانات لأغراض مختلفة. الطريقة الصحيحة لضمان حذف معلوماتك هي بتقديم طلب حذف صريح ومكتوب للشركة، استناداً إلى حقك في الحذف المنصوص عليه في المادة 29 من القانون.
العقوبات الجزائية: حماية ردعية ضد المخالفين
لم يكتف المشرع بوضع الحقوق والالتزامات، بل أقر نظاماً عقابياً صارماً لضمان الامتثال. ينص الفصل الثامن من القانون على عقوبات جزائية قد تصل إلى الحبس والغرامات المالية الكبيرة.
| الجريمة / المخالفة | العقوبة المقررة (وفقاً للقانون 18-07) |
|---|---|
| جمع بيانات بطريقة تدليسية أو غير مشروعة أو تحويلها عن غرضها. | الحبس من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات وغرامة من 100.000 دج إلى 300.000 دج (المادة 46). |
| معالجة البيانات دون الحصول على الموافقة الصريحة للشخص (خاصة البيانات الحساسة). | الحبس من سنة (1) إلى خمس (5) سنوات وغرامة من 100.000 دج إلى 500.000 دج (المادة 45). |
| القيام بمعالجة البيانات دون إتمام الإجراءات لدى السلطة الوطنية (تصريح أو ترخيص). | الحبس من ستة (6) أشهر إلى سنتين (2) وغرامة من 50.000 دج إلى 200.000 دج (المادة 44). |
| تحويل البيانات نحو بلد أجنبي لا يوفر حماية كافية وبدون ترخيص. | الحبس من سنتين (2) إلى خمس (5) سنوات وغرامة من 200.000 دج إلى 500.000 دج (المادة 47). |
| عدم اتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة لحماية البيانات. | الحبس من ستة (6) أشهر إلى سنة (1) وغرامة من 50.000 دج إلى 100.000 دج (المادة 50). |
هذه العقوبات تظهر جدية المشرع في التعامل مع أي تهاون أو استغلال للبيانات الشخصية للمواطنين.
أسئلة شائعة (FAQ)
هل يحق لشركة الاتصالات استخدام رقمي في حملات إعلانية دون موافقتي؟
لا. وفقاً للقانون 18-07، يعتبر استخدام رقم هاتفك لأغراض التسويق المباشر معالجة لبيانات شخصية تتطلب موافقتك المسبقة. والأهم من ذلك، يمنحك المادة 32 من نفس القانون الحق في الاعتراض على هذا الاستخدام في أي وقت، وبدون تقديم أي مبرر. بمجرد إعلامك لهم باعتراضك، يجب عليهم التوقف فوراً.
ماذا أفعل إذا تم نشر معلوماتي الشخصية (صورة، رقم هاتف) على الإنترنت دون إذن؟
هذا يعتبر انتهاكاً خطيراً. أولاً، حاول التواصل مع مدير الموقع أو المنصة لطلب الحذف الفوري. ثانياً، قم بتوثيق الانتهاك عبر أخذ صور للشاشة. ثالثاً، إذا لم يتم الاستجابة، يمكنك تقديم شكوى لدى السلطة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية، وفي نفس الوقت يمكنك رفع دعوى قضائية أمام وكيل الجمهورية لأن هذا الفعل قد يشكل جرائم أخرى مثل المساس بحرمة الحياة الخاصة.
هل القانون 18-07 يطبق على الإدارات والمؤسسات الحكومية؟
نعم، يطبق القانون على القطاعين العام والخاص على حد سواء. كل الإدارات العمومية (البلديات، الولايات، الوزارات…) التي تعالج بيانات المواطنين ملزمة بالامتثال لنفس القواعد والالتزامات المنصوص عليها في القانون، بما في ذلك ضمان أمن البيانات واحترام حقوق الأفراد.
كم من الوقت يستغرق الرد على شكوى لدى السلطة الوطنية؟
لا يحدد القانون أجلاً دقيقاً، حيث يعتمد ذلك على مدى تعقيد الشكوى وإجراءات التحقيق. لكن بما أنها هيئة إدارية، فهي تخضع لمبادئ الآجال المعقولة في معالجة الملفات. من المهم الاحتفاظ بوصل إيداع الشكوى لمتابعة ملفك. إن فريق akhbardz يتابع عن كثب تفعيل هذه الآليات.
الخاتمة
إن حماية البيانات الشخصية في الجزائر لم تعد مجرد مفهوم نظري، بل أصبحت حقاً قانونياً راسخاً مدعوماً بآليات تنفيذية وسلطة رقابية وعقوبات ردعية. القانون رقم 18-07 يضع السلطة في يدك للتحكم في معلوماتك. من خلال فهم حقوقك في الإعلام والوصول والتصحيح والاعتراض، ومعرفة دور السلطة الوطنية كحامٍ لهذه الحقوق، يمكنك الوقوف بثقة ضد أي محاولة لاستغلال بياناتك. لا تتردد في استخدام الأدوات التي منحك إياها القانون لحماية خصوصيتك في العالم الرقمي.
المصادر والمراجع
- القانون رقم 18-07 المؤرخ في 10 يونيو 2018 المتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، العدد 35.
- الموقع الرسمي للسلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (ANPDP).
- بوابة الخدمات العمومية ووزارة العدل الجزائرية.




