حماية المواطنين الجزائريين من التهديدات والابتزاز عبر الهاتف

يعد التعرض للتهديد أو الابتزاز عبر الهاتف أو وسائل الاتصال الحديثة تجربة مقلقة ومؤلمة، تترك ضحاياها في حالة من الخوف والارتباك. في ظل التطور التكنولوجي، أصبحت هذه الجرائم أكثر شيوعاً، مما دفع المشرع الجزائري إلى وضع ترسانة قانونية صارمة لحماية المواطنين وضمان معاقبة الجناة. إن فهم الإطار القانوني والخطوات العملية الصحيحة هو السلاح الأول للدفاع عن حقك واستعادة أمانك.
هذا المقال هو دليلك الشامل، مصمم خصيصاً للمواطن الجزائري، يشرح بالتفصيل كيفية التعامل مع جرائم التهديد والابتزاز عبر الهاتف، بدءاً من السند القانوني وصولاً إلى الإجراءات الميدانية والوثائق المطلوبة، مع نصائح عملية من خبراء في القانون الجزائري.
الإطار القانوني لجريمة التهديد والابتزاز عبر الهاتف في الجزائر
يعالج قانون العقوبات الجزائري، وتحديداً الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المعدل والمتمم، هذه الجرائم بشكل واضح وصريح. النصوص الأساسية التي تحكم هذا الموضوع تقع ضمن فئتين رئيسيتين: التهديد الكلاسيكي، والابتزاز والمساس بالحياة الخاصة الذي تفاقم مع الوسائل الإلكترونية.
1. جريمة التهديد وفقاً لقانون العقوبات الجزائري
تناولت المواد من 284 إلى 287 من قانون العقوبات جريمة التهديد بعقوبات متفاوتة حسب خطورة الفعل والوسيلة المستخدمة. التهديد عبر الهاتف يندرج ضمن هذه المواد.
- المادة 284: تعاقب بالحبس من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات وبغرامة مالية، كل من هدد بارتكاب جرائم القتل أو التسميم أو أي اعتداء آخر على الأشخاص عقوبته الإعدام أو السجن المؤبد، وذلك أياً كانت الطريقة المستعملة في التهديد سواء كان كتابياً أو شفوياً (مكالمة هاتفية).
- المادة 285: إذا كان التهديد مصحوباً بأمر إيداع مبلغ من المال في مكان معين أو بتنفيذ أي شرط آخر، ترتفع العقوبة إلى الحبس من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات.
- المادة 286: تعاقب بالحبس من ستة (6) أشهر إلى سنتين (2) كل من هدد بالاعتداء أو العنف (غير ما ذكر في المادة 284) إذا كان التهديد مصحوباً بأمر أو شرط.
- المادة 287: تشير إلى أن التهديد الشفوي البسيط (بدون أمر أو شرط) يمكن أن يكون موضوع متابعة قضائية أيضاً بناءً على شكوى الضحية.
2. جريمة الابتزاز والمساس بالحياة الخاصة (النص المحوري)
مع انتشار الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، استحدث المشرع نصوصاً أكثر تخصصاً لمواجهة الابتزاز الإلكتروني. تعتبر المادة 303 مكرر من قانون العقوبات هي النص الأساسي والمباشر لهذه الجرائم.
تنص المادة 303 مكرر على أنه: “يعاقب بالحبس من ستة (6) أشهر إلى ثلاث (3) سنوات وبغرامة (…) كل من يتعمد المساس بحرمة الحياة الخاصة للأشخاص، وذلك بالتقاط أو تسجيل أو نقل صورة أو أقوال لشخص في مكان خاص بغير رضاه. وتضاعف العقوبة إذا سهلت وظيفة الجاني ارتكاب الجريمة.”
الأهم من ذلك، الفقرة التي تليها في نفس المادة تعاقب بالحبس من سنة (1) إلى خمس (5) سنوات كل من استعمل ما تم الحصول عليه لطلب أو ابتزاز الضحية بمقابل مالي أو أي منفعة أخرى. هذا هو جوهر جريمة الابتزاز الإلكتروني عبر الهاتف، حيث يستخدم الجاني صوراً أو تسجيلات أو معلومات خاصة لتهديد الضحية وإجبارها على دفع أموال أو القيام بعمل معين.
كيف تتصرف فوراً عند تلقي تهديد أو ابتزاز؟ (الإجراءات العملية)
ردة الفعل الأولى هي الأهم. الهدوء والتصرف بحكمة هما مفتاح حماية نفسك قانونياً. اتبع الخطوات التالية بدقة:
الخطوة الأولى: الحفاظ على الهدوء وجمع الأدلة
مهما كان محتوى التهديد، تجنب الرد بانفعال. هدف المبتز هو إثارة خوفك لدفعك للامتثال.
- لا تحذف أي شيء: لا تقم بحذف الرسائل النصية (SMS)، رسائل تطبيقات التواصل (واتساب، ماسنجر…)، أو سجل المكالمات. هذه هي أدلتك المادية الرئيسية.
- حفظ الأدلة: قم بأخذ لقطات شاشة (Screenshots) لجميع الرسائل والتهديدات. سجل رقم الهاتف المهدِّد وتوقيت المكالمات بدقة.
- تسجيل المكالمات (إن أمكن): إذا تكررت المكالمات، وكنت تملك تطبيقاً يسمح بذلك قانونياً في سياق جمع دليل لجريمة، يمكن أن يكون التسجيل دليلاً إضافياً، لكن يجب استشارة محامٍ بخصوص تقديمه.
- لا تتجاوب مع المبتز: لا تدخل في مفاوضات، لا تقدم أي مبررات، والأهم، لا تقم بتحويل أي مبلغ مالي تحت أي ظرف. الاستجابة للمبتز تشجعه على التمادي في جريمته.
الخطوة الثانية: تحديد الجهة المختصة بتقديم الشكوى
الجهة المخولة بتلقي شكواك هي مصالح الشرطة القضائية. في الجزائر، تتمثل هذه المصالح في جهتين رئيسيتين:
- الأمن الوطني (الشرطة): إذا كنت تقيم في منطقة حضرية (مدينة أو بلدية ذات اختصاص أمن وطني).
- الدرك الوطني: إذا كنت تقيم في منطقة ريفية أو شبه حضرية (بلدية ذات اختصاص درك وطني).
يمكنك التوجه مباشرة إلى أقرب مركز شرطة أو فرقة درك وطني تابعة لمقر إقامتك أو لمكان وقوع الفعل (وهو مقر إقامتك غالباً في الجرائم الإلكترونية).
الإجراءات التفصيلية لتقديم شكوى (خطوة بخطوة)
بعد جمع الأدلة الأولية، توجه إلى الجهة المختصة لترسيم شكواك. العملية تسير كالتالي:
- الاستقبال والتوجيه: عند وصولك، سيتم استقبالك من طرف عون مكلف بالاستقبال الذي سيوجهك إلى ضابط الشرطة القضائية المختص بالجرائم الإلكترونية أو التحقيقات الجنائية.
- تحرير محضر سماع (Procès-verbal – P.V.): سيقوم ضابط الشرطة القضائية بسماع أقوالك كضحية. سيطرح عليك أسئلة تفصيلية حول الواقعة:
- هويتك الكاملة.
- سرد وقائع التهديد أو الابتزاز بالتسلسل الزمني.
- محتوى التهديد بالضبط.
- رقم الهاتف المستخدم من قبل الجاني.
- هل تعرف الجاني أم أنه رقم مجهول؟
- هل هناك أي طلبات مالية أو شروط أخرى؟
سيتم تدوين كل أقوالك في محضر رسمي. اقرأ المحضر جيداً قبل التوقيع عليه للتأكد من أنه يعكس تصريحاتك بدقة.
- تقديم الأدلة المادية: سلم لضابط الشرطة القضائية كل الأدلة التي جمعتها (لقطات الشاشة، أرقام الهواتف، أي معلومات أخرى). سيتم إرفاقها بملف الشكوى.
- إرسال الملف إلى وكيل الجمهورية: بعد استكمال التحقيق الأولي، تقوم مصالح الشرطة القضائية بإعداد ملف كامل وإرساله إلى السيد وكيل الجمهورية لدى المحكمة المختصة إقليمياً، وهو من يقرر تحريك الدعوى العمومية ضد الجاني ومباشرة المتابعة القضائية.
الملف المطلوب لتقديم شكوى تهديد أو ابتزاز
عادة، لا يتطلب تقديم الشكوى ملفاً إدارياً معقداً. الوثائق الأساسية التي يجب أن تكون بحوزتك هي:
- نسخة من بطاقة التعريف الوطنية أو رخصة السياقة البيومترية.
- الأدلة المادية المتوفرة (مطبوعة إن أمكن، أو على وسيط تخزين مثل قرص مضغوط أو فلاش ديسك).
- أي معلومات أخرى قد تساعد في التعرف على هوية الجاني (إذا كانت متوفرة).
العقوبات المقررة قانوناً للمتورطين
العقوبات التي يفرضها القانون الجزائري رادعة وتختلف باختلاف تكييف الجريمة. الجدول التالي يلخص العقوبات الرئيسية:
| الجريمة | السند القانوني (قانون العقوبات) | العقوبة |
|---|---|---|
| التهديد بارتكاب جناية (قتل، تسميم…) | المادة 284 | الحبس من سنة إلى 3 سنوات وغرامة مالية. |
| التهديد المصحوب بأمر أو شرط مالي | المادة 285 | الحبس من سنتين إلى 10 سنوات وغرامة مالية. |
| المساس بحرمة الحياة الخاصة (تسجيل صوت أو صورة بدون إذن) | المادة 303 مكرر | الحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات وغرامة مالية. |
| الابتزاز (استخدام الصور/التسجيلات لطلب أموال أو منفعة) | المادة 303 مكرر (الفقرة 2) | الحبس من سنة إلى 5 سنوات وغرامة مالية. |
نصيحة الخبير
لتقوية ملفك قبل التوجه للشرطة، يمكنك اللجوء إلى محضر قضائي. قم بالاتصال بمحضر قضائي ليقوم بمعاينة الرسائل أو التهديدات على هاتفك وتحرير “محضر إثبات حالة”. هذا المحضر يعتبر حجة قوية ودليلاً رسمياً لا يمكن إنكاره بسهولة أمام القضاء، ويعطي لشكواك وزناً قانونياً أكبر منذ البداية.
تنبيه هام
الخطأ الأكثر شيوعاً الذي يقع فيه الضحايا هو الخضوع للمبتز ودفع المبلغ المالي المطلوب خوفاً من الفضيحة. هذا التصرف لا يضمن أبداً أن يتوقف الجاني، بل يجعلك هدفاً سهلاً للمزيد من الابتزاز. القانون في صفك، والحل الوحيد هو اللجوء إلى السلطات المختصة. الثقة في أجهزة الدولة هي خطوتك الأولى نحو الحل. لمتابعة آخر التطورات التشريعية، يمكنكم زيارة مصادر موثوقة مثل موقع akhbardz الذي يغطي الشأن القانوني الجزائري.
الأسئلة الشائعة حول التهديد والابتزاز الهاتفي في الجزائر (FAQ)
1. ماذا لو كان المتصل يستخدم رقماً مخفياً (Numéro Privé) أو مجهولاً؟
لا تقلق. مصالح الأمن والدرك الوطني لديها وحدات متخصصة في الجرائم السيبرانية وفرق تقنية قادرة على كشف هوية المتصلين حتى لو كانوا يستخدمون أرقاماً مخفية أو شرائح هاتفية غير مسجلة بأسمائهم، وذلك بالتنسيق مع متعاملي الهاتف النقال وبأمر من السلطات القضائية.
2. هل يمكنني تقديم شكوى عبر الإنترنت؟
نعم، توفر المديرية العامة للأمن الوطني والقيادة العليا للدرك الوطني منصات رقمية لتسهيل الإبلاغ عن الجرائم. يمكنك استخدام منصة “ألو شرطة” على الرقم 1548 أو تطبيق “ألو شرطة”، وكذلك منصة الشكاوى الإلكترونية للنيابة العامة، أو الرقم الأخضر للدرك الوطني (1055). ومع ذلك، في جرائم التهديد والابتزاز التي تتطلب تقديم أدلة مادية، يظل التوجه الشخصي إلى المركز لتقديم الشكوى وتحرير محضر هو الإجراء الأكثر فعالية وضرورة لاستكمال الملف.
3. كم من الوقت تستغرق التحقيقات في مثل هذه القضايا؟
مدة التحقيق تختلف بشكل كبير حسب كل قضية. تعتمد على عدة عوامل منها: مدى تعقيد القضية، سرعة تحديد هوية الجاني، وتوافر الأدلة. قد تستغرق القضايا البسيطة أسابيع قليلة، بينما قد تمتد القضايا المعقدة التي تتطلب تحريات تقنية معمقة إلى عدة أشهر. الصبر ومتابعة قضيتك مع محاميك أمران ضروريان.
4. هل تنطبق نفس الإجراءات إذا كان التهديد على واتساب أو فيسبوك؟
نعم، تماماً. القانون الجزائري لا يفرق بين وسيلة الاتصال. سواء كان التهديد عبر مكالمة هاتفية، رسالة SMS، رسالة على واتساب، فيسبوك، انستغرام أو أي تطبيق آخر، فإنه يقع تحت طائلة نفس المواد القانونية المذكورة في قانون العقوبات. الإجراءات المتبعة لتقديم الشكوى هي نفسها.
الخاتمة
إن مواجهة التهديد والابتزاز عبر الهاتف تتطلب شجاعة ومعرفة. لقد وفر لك المشرع الجزائري حماية قانونية قوية وعقوبات رادعة لكل من تسول له نفسه المساس بأمنك وخصوصيتك. الخطوة الأهم هي كسر حاجز الخوف، وجمع الأدلة، والتوجه فوراً إلى السلطات المختصة. تذكر دائماً أنك الضحية، والقانون وجد لحمايتك.
المصادر والمراجع
- الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم.
- قانون الإجراءات الجزائية الجزائري.
- البوابة الرسمية لوزارة العدل الجزائرية.
- الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.




