القانون والإدارة

دعوى الصورية في القانون المدني الجزائري شروطها وأثارها

في كثير من الأحيان، يلجأ الأفراد إلى إبرام عقود لا تعكس إرادتهم الحقيقية، وذلك لأسباب مختلفة مثل التهرب من الالتزامات الضريبية أو إخفاء ممتلكات عن الدائنين. هذا التصرف، المعروف قانوناً باسم “الصورية”، قد يخلق وضعاً قانونياً معقداً يضر بحقوق الغير. فما هي دعوى الصورية في القانون المدني الجزائري؟ وكيف يمكن لشخص متضرر أن يطعن في عقد صوري ليثبت حقيقة الوضع ويسترجع حقه؟ هذا المقال يقدم تحليلاً شاملاً ومفصلاً لشروط وآثار وإجراءات هذه الدعوى الحيوية.

ما هي الصورية في القانون الجزائري؟

الصورية هي إخفاء تصرف قانوني حقيقي (يسمى العقد المستتر) وراء تصرف قانوني ظاهر (يسمى العقد الصوري)، بحيث يكون العقد الظاهر غير جدي ومجرد واجهة لا تعبر عن الإرادة الحقيقية للمتعاقدين. الهدف من الصورية هو إيهام الغير بوجود علاقة قانونية لا وجود لها في الحقيقة، أو إخفاء طبيعة العلاقة الحقيقية.

على سبيل المثال، قد يتفق شخص (أ) مع شخص آخر (ب) على بيع عقار له بيعاً صورياً لإبعاده عن متناول دائنيه، بينما في الحقيقة لم يتم أي بيع ولا دفع أي ثمن، ويحتفظ (أ) بورقة سرية (تسمى ورقة الضد) تثبت أن البيع لم يحدث. هنا، عقد البيع المسجل هو العقد الصوري، والاتفاق السري هو العقد الحقيقي.

أنواع الصورية

يميز الفقه والقضاء في الجزائر بين نوعين رئيسيين من الصورية:

  • الصورية المطلقة: وفيها لا يوجد أي عقد حقيقي تحت ستار العقد الظاهر. يكون العقد الظاهر مجرد وهم ولا وجود له في نية المتعاقدين. المثال الكلاسيكي هو بيع المدين أملاكه صورياً لأحد أقاربه للتهرب من دائنيه، مع عدم وجود نية حقيقية للبيع أو نقل الملكية.
  • الصورية النسبية: وفيها يوجد عقد حقيقي يختلف عن العقد الظاهر. وتأخذ عدة أشكال:
    • الصورية بطريق التستر: يتم إخفاء طبيعة العقد الحقيقي. كأن يتم إبرام عقد بيع في الظاهر، بينما هو في الحقيقة عقد هبة، وذلك للتحايل على أحكام الميراث أو الشفعة.
    • الصورية بطريق المضادة: يتم إخفاء ركن أو شرط في العقد. المثال الأكثر شيوعاً هو ذكر ثمن في عقد البيع أقل من الثمن الحقيقي المتفق عليه، وذلك للتهرب من رسوم التسجيل والضرائب.
    • الصورية بطريق التسخير: يتم فيها إخفاء هوية أحد المتعاقدين الحقيقيين، حيث يظهر شخص في العقد (الشخص المسخر) بينما المتعاقد الحقيقي يظل مستتراً.

السند القانوني لدعوى الصورية: القانون المدني الجزائري

يعالج المشرع الجزائري أحكام الصورية بشكل مباشر في القانون رقم 75-58 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975، المتضمن القانون المدني، المعدل والمتمم. المواد الأساسية التي تحكم هذا الموضوع هي:

  • المادة 198 من القانون المدني: تنص هذه المادة على المبدأ العام في آثار الصورية بين المتعاقدين والغير. حيث جاء فيها: “إذا أبرم عقد صوري، فلدائني المتعاقدين والخلف الخاص، متى كانوا حسني النية، أن يتمسكوا بالعقد الصوري، كما أن لهم أن يتمسكوا بالعقد المستتر ويثبتوا بجميع الوسائل صورية العقد الذي أضر بهم”.
  • المادة 199 من القانون المدني: تحدد هذه المادة العلاقة بين المتعاقدين أنفسهم. وتنص على أنه: “إذا ستر المتعاقدان عقدا حقيقيا بعقد ظاهر، فالعقد النافذ فيما بين المتعاقدين والخلف العام، هو العقد الحقيقي”.

هاتان المادتان تشكلان حجر الزاوية في فهم كيفية تعامل القانون مع العقود الصورية، حيث توازنان بين حماية استقرار المعاملات (بإعطاء الغير حسن النية الحق في التمسك بالظاهر) وتحقيق العدالة (بإعطاء الأولوية للإرادة الحقيقية بين أطراف العقد والمتضررين من الصورية).

شروط رفع دعوى الصورية

لكي تكون دعوى الصورية مقبولة أمام القضاء، يجب توفر مجموعة من الشروط الموضوعية والشكلية، والتي يستخلصها القضاء من طبيعة الصورية نفسها ومن القواعد العامة لرفع الدعاوى.

الشروط الموضوعية

  1. وجود عقدين: يجب أن يكون هناك عقدان، أحدهما ظاهر (العقد الصوري) والآخر مستتر (العقد الحقيقي أو ورقة الضد).
  2. المعاصرة: يجب أن يكون العقدان متعاصرين، أي أن نية إخفاء العقد الحقيقي بالعقد الظاهر كانت موجودة لدى الطرفين وقت إبرام العقد الظاهر. لا يهم تاريخ تحرير ورقة الضد، بل المهم هو وجود الاتفاق على الصورية في نفس وقت إبرام العقد الظاهر.
  3. اختلاف العقدين: يجب أن يكون هناك اختلاف بين العقد الظاهر والعقد المستتر، سواء في طبيعتهما، أو أركانهما، أو أطرافهما.
  4. المصلحة في رفع الدعوى: يجب على رافع الدعوى (المدعي) أن يثبت أن له مصلحة قانونية في كشف الصورية، كأن يكون قد لحقه ضرر من العقد الصوري الظاهر. هذه المصلحة شرط أساسي لقبول أي دعوى قضائية وفقاً لقانون الإجراءات المدنية والإدارية.

الشروط الشكلية

تخضع دعوى الصورية لنفس الشروط الشكلية لأي دعوى قضائية أخرى، وأهمها رفع الدعوى أمام المحكمة المختصة عن طريق عريضة افتتاحية مكتوبة وموقعة من المدعي أو وكيله (محام)، تتضمن كافة البيانات المطلوبة قانوناً.

إثبات الصورية: التحدي الأكبر

يعد الإثبات هو أصعب جزء في دعوى الصورية. ويفرق القانون بشكل جوهري في وسائل الإثبات المتاحة حسب ما إذا كان مدعي الصورية هو أحد أطراف العقد أو من الغير.

1. الإثبات بين المتعاقدين والخلف العام

القاعدة هنا صارمة. بما أن الصورية هي اتفاق بين الطرفين، فلا يجوز لهما إثبات ما يخالف العقد المكتوب (العقد الظاهر) إلا بالكتابة. الوسيلة المثلى للإثبات هي تقديم “ورقة الضد” (Contre-lettre)، وهي المستند السري الذي يتضمن الاتفاق الحقيقي. في حال عدم وجود ورقة الضد، يصبح الإثبات صعباً للغاية، ولا يمكن اللجوء إلى شهادة الشهود أو القرائن إلا في حالات استثنائية جداً كوجود مانع مادي أو أدبي حال دون الحصول على دليل كتابي، أو في حال ثبوت استعمال طرق احتيالية من الطرف الآخر.

2. الإثبات من جانب الغير

الغير هو كل شخص ليس طرفاً في العقد الصوري ولكن الصورية تضر بمصالحه (مثل دائني أحد المتعاقدين، أو الشفيع في حالة بيع صوري). هنا، يكون المشرع أكثر مرونة. بما أن الغير لا يعلم بالاتفاق السري ولا يمكنه الحصول على ورقة الضد، فقد أجازت له المادة 198 من القانون المدني إثبات الصورية بجميع طرق الإثبات، بما في ذلك:

  • القرائن القضائية: مثل ضعف الثمن المذكور في العقد بشكل كبير، أو وجود علاقة قرابة قوية بين المتعاقدين، أو استمرار البائع في حيازة المبيع والانتفاع به بعد “البيع”.
  • شهادة الشهود: يمكن للغير إحضار شهود لإثبات أن العقد لم يكن جدياً.
  • الإقرار: إذا أقر أحد المتعاقدين أمام القاضي بأن العقد كان صورياً.

نصيحة الخبير

إذا كنت من الغير وتريد الطعن في عقد تشك في صوريته، فإن مفتاح النجاح يكمن في جمع أكبر عدد ممكن من القرائن القوية والمتماسكة. لا تعتمد على قرينة واحدة. على سبيل المثال، إذا كان جارك قد “باع” فيلته لابنه بثمن زهيد جداً بعد صدور حكم قضائي يلزم جارك بدفع دين لك، وبقي الأب يسكن في الفيلا ويتصرف فيها تصرف المالك، فهنا لديك مجموعة قرائن قوية (علاقة الأبوة، الثمن البخس، استمرار حيازة البائع) تدعم ادعاءك بالصورية أمام القاضي.

آثار الحكم بالصورية

عندما تقضي المحكمة بثبوت الصورية، تترتب على ذلك آثار قانونية هامة تختلف باختلاف أطراف العلاقة.

1. الآثار بين المتعاقدين والخلف العام

حسب المادة 199، العقد الذي يسري بين المتعاقدين وورثتهم (الخلف العام) هو العقد الحقيقي المستتر، وليس العقد الصوري الظاهر. فالعقد الظاهر يعتبر كأن لم يكن. ففي مثال البيع الصوري، يبقى البائع هو المالك الحقيقي للعقار ويمكنه استرداده من المشتري الصوري.

2. الآثار بالنسبة للغير

هنا الوضع أكثر تعقيداً، حيث يهدف القانون إلى حماية الغير الذي تعامل بحسن نية مع الوضع الظاهر.

  • الغير حسن النية: هو الشخص الذي لم يكن يعلم بوجود الصورية وتعامل مع أحد الأطراف على أساس العقد الظاهر. القانون يحميه ويعطيه الخيار: إما أن يتمسك بالعقد الظاهر الصوري ويعتبره هو العقد الحقيقي، أو إذا كان من مصلحته، يمكنه أن يتمسك بالعقد الحقيقي المستتر ويثبت الصورية.
  • الغير سيء النية: هو الذي كان يعلم بوجود الصورية. هذا الشخص لا يستحق الحماية، ويسري في حقه العقد الحقيقي المستتر.

يوضح موقع akhbardz أن فهم هذه الفروقات أمر جوهري لتقدير فرص نجاح أي قضية متعلقة بالعقود.

تنبيه هام

يقع الكثيرون في خطأ شائع وهو الاعتقاد بأن العقد الصوري باطل دائماً. هذا غير صحيح. العقد الصوري ليس باطلاً في حد ذاته، بل هو عقد غير نافذ بين أطرافه. أما العقد الحقيقي المستتر، فهو الذي يتم تقييم صحته. فإذا كان العقد المستتر مشروعاً ومستوفياً لأركانه، كان صحيحاً ومنتجاً لآثاره. أما إذا كان الهدف منه التحايل على القانون أو كان غير مشروع، فإنه يكون باطلاً.

جدول مقارن لآثار الصورية

الطرف المعنيالعقد المطبق في مواجهتهملاحظات
المتعاقدان والخلف العام (الورثة)العقد الحقيقي (المستتر)العقد الظاهر لا قيمة له بينهما.
الغير حسن النيةله الخيار: التمسك بالعقد الظاهر (الصوري) أو بالعقد الحقيقي (المستتر) بعد إثباته.القانون يمنحه حماية استثنائية استقراراً للمعاملات.
دائنو المتعاقدينلهم نفس خيار الغير حسن النية.يمكنهم الطعن في العقد الصوري الذي أنقص من الضمان العام لديونهم.

الوثائق الداعمة لدعوى الصورية

عند التحضير لرفع دعوى صورية، يجب على المدعي (بمساعدة محاميه) تجهيز ملف قوي لدعم موقفه. لا يوجد “ملف إداري” نموذجي، بل هي مجموعة من الأدلة والوثائق التي تختلف حسب كل قضية. أهمها:

  • نسخة من العقد الصوري (الظاهر): وهو العقد المطعون فيه.
  • ورقة الضد (إن وجدت): وهي أقوى دليل على الإطلاق في حالة الإثبات بين المتعاقدين.
  • مستندات تثبت القرائن:
    • كشوفات حساب بنكية تثبت عدم تحويل أي أموال كثمن للعقار “المباع”.
    • عقود إيجار أو فواتير كهرباء وماء تثبت استمرار “البائع” في شغل العقار.
    • تقارير خبرة عقارية تثبت أن الثمن المذكور في العقد زهيد ولا يتناسب مع القيمة الحقيقية للعقار.
    • نسخ من أحكام قضائية سابقة تثبت أن “البائع” كان مديناً وقت إبرام العقد.
  • قائمة الشهود: بيانات الشهود الذين يمكنهم تأكيد الظروف المحيطة بإبرام العقد والتي تدل على صوريته.
  • أي مراسلات أو رسائل (ورقية أو إلكترونية): قد تتضمن إقراراً أو تلميحاً بالصورية.

الأسئلة الشائعة (FAQ)

ما هو أجل التقادم لرفع دعوى الصورية؟

دعوى الصورية ليست دعوى بطلان، بل هي دعوى تهدف إلى كشف الوضع الحقيقي. لذلك، هي لا تتقادم في حد ذاتها. لكن الحق الذي تحميه هذه الدعوى هو الذي يخضع للتقادم. بشكل عام، تخضع الحقوق الشخصية للتقادم العادي ومدته 15 سنة تبدأ من تاريخ إبرام العقد الصوري، ما لم ينص القانون على مدة أخرى.

هل يمكنني إثبات الصورية باليمين الحاسمة؟

نعم، اليمين الحاسمة هي وسيلة إثبات يمكن اللجوء إليها في دعوى الصورية، خاصة في حالة عدم وجود دليل كتابي. إذا وجه أحد الأطراف اليمين الحاسمة لخصمه حول حقيقة العقد وحلفها الخصم، فإنه يكسب الدعوى. أما إذا نكل عنها (رفض حلفها)، خسر دعواه.

ما الفرق بين الصورية والتدليس؟

الصورية تتم باتفاق بين طرفي العقد لخداع الغير. أما التدليس، فيقع من أحد المتعاقدين على الآخر لخداعه ودفعه إلى التعاقد، أي أن الخداع موجه من طرف لآخر في نفس العقد وليس للغير. ففي الصورية، كلا المتعاقدين متواطئان، بينما في التدليس، أحدهما ضحية والآخر محتال.

هل يمكن رفع دعوى الصورية في عقد زواج؟

لا، لا تطبق أحكام الصورية بالمفهوم المدني على عقود الزواج. عقود الزواج تخضع لأحكام قانون الأسرة ولها طبيعة خاصة. إذا كان الزواج غير جدي وهدفه التحايل (مثل الحصول على جنسية)، فإنه يمكن الطعن فيه بالبطلان لأسباب أخرى ينص عليها قانون الأسرة وليس بناءً على نظرية الصورية في القانون المدني.

الخاتمة

تعتبر دعوى الصورية أداة قانونية فعالة لحماية الحقوق من التصرفات الظاهرية الكاذبة التي يلجأ إليها البعض للتحايل على القانون أو الإضرار بالغير. ورغم أن إثباتها قد يكون معقداً، خاصة بين أطراف العقد، إلا أن المشرع الجزائري وضع القواعد الكفيلة بتحقيق التوازن بين حماية الإرادة الحقيقية واستقرار المعاملات، مانحاً القاضي سلطة واسعة لتقدير الأدلة والقرائن لكشف حقيقة العقود وإعادة الحق لأصحابه.

تنويه قانوني: المعلومات الواردة في هذا المقال هي لأغراض الاسترشاد وتبسيط المفاهيم القانونية وفقاً للنصوص السارية وقت النشر. هذه المعلومات لا تغني بأي حال عن استشارة محامٍ مختص أو مراجعة الجهات الرسمية.

المصادر والمراجع

  • الأمر رقم 75-58 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975، المتضمن القانون المدني، المعدل والمتمم (الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية).
  • القانون رقم 08-09 المؤرخ في 25 فبراير 2008، المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
  • اجتهادات المحكمة العليا الجزائرية في مادة الصورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى