القانون والإدارة

مخالفات قانون مكافحة التمييز وخطاب الكراهية في الجزائر

يواجه العديد من المواطنين في الجزائر مواقف مؤلمة تتعلق بالتمييز أو يتعرضون لعبارات جارحة تشكل خطاب كراهية، سواء في مكان العمل، عند البحث عن سكن، أو حتى على منصات التواصل الاجتماعي. قد يشعر الكثيرون بالعجز، غير مدركين أن المشرع الجزائري قد وضع ترسانة قانونية صارمة لمواجهة هذه الظواهر. إن فهم مخالفات قانون مكافحة التمييز وخطاب الكراهية في الجزائر ليس مجرد ثقافة قانونية، بل هو سلاحك للدفاع عن حقوقك وكرامتك. في هذا الدليل الشامل، سنفصل أحكام القانون رقم 20-05، ونوضح لك الإجراءات العملية لحماية نفسك وتحريك الدعوى العمومية ضد كل من يتجاوز حدوده.

الإطار القانوني: فهم القانون رقم 20-05

قبل الخوض في تفاصيل المخالفات والعقوبات، من الضروري فهم السند القانوني الرئيسي الذي يحكم هذه المسألة. يعتبر القانون رقم 20-05 المؤرخ في 28 أبريل 2020، يتعلق بالوقاية من التمييز وخطاب الكراهية ومكافحتهما، هو النص المحوري الذي جاء استجابة للحاجة الملحة لحماية النسيج الاجتماعي وتكريس مبادئ المساواة التي نص عليها الدستور الجزائري.

ما هو التمييز وفقاً للقانون الجزائري؟

لا يترك القانون المجال للتأويل. فقد عرّفت المادة 2 منه التمييز بكل وضوح على أنه: “كل تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس الجنس أو العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني أو اللغة أو الانتماء الجغرافي أو الإعاقة أو الحالة الصحية أو المعتل منها، أو الآراء السياسية أو أي وضع شخصي أو اجتماعي آخر، يكون غرضه أو يترتب عليه إبطال أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية على قدم المساواة أو التمتع بها أو ممارستها في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة”.

ببساطة، أي معاملة غير متكافئة لشخص بسبب هويته أو أصله أو رأيه تعتبر تمييزاً يعاقب عليه القانون.

ماذا يعني خطاب الكراهية؟

عرّفت نفس المادة 2 خطاب الكراهية بأنه: “كل أشكال التعبير التي تنشر أو تشجع أو تبرر أو تحرض على الكراهية أو العنف أو التمييز ضد أي شخص أو مجموعة من الأشخاص، على أساس الجنس أو العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني أو اللغة أو الانتماء الجغرافي أو الإعاقة أو الحالة الصحية أو الآراء السياسية، سواء كان ذلك بصفة مباشرة أو غير مباشرة”.

يشمل ذلك المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، المقالات، التصريحات العلنية، وحتى الرسوم التي تحمل في طياتها تحريضاً واضحاً.

الأفعال المجرمة والعقوبات المقررة

فصّل القانون رقم 20-05 بدقة الأفعال التي تشكل جريمة والعقوبات المترتبة عليها، والتي تتراوح بين الحبس والغرامات المالية المشددة. من المهم الإشارة إلى أن العقوبات تختلف بحسب صفة الفاعل (شخص طبيعي أو معنوي) وظروف ارتكاب الجريمة.

عقوبات الأشخاص الطبيعيين

تتدرج العقوبات بشكل صارم لضمان الردع العام والخاص. فيما يلي أبرز الجرائم وعقوباتها:

  • ارتكاب فعل تمييزي: يعاقب بالحبس من ستة (6) أشهر إلى سنتين (2) وبغرامة من 50.000 دج إلى 200.000 دج، كل من يرتكب فعلاً أو يصدر عنه امتناع يشكل تمييزاً (المادة 11).
  • التحريض على التمييز أو الكراهية: كل من يحرض على التمييز أو الكراهية أو العنف بأي وسيلة كانت، يعاقب بالحبس من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات وبغرامة من 100.000 دج إلى 300.000 دج (المادة 12).
  • الإشادة بالتمييز: يعاقب بنفس عقوبة التحريض كل من يشيد علناً بأفعال التمييز أو الكراهية (المادة 13).
  • إنشاء أو إدارة موقع إلكتروني للتحريض: من أخطر الجرائم، حيث يعاقب بالحبس من خمس (5) سنوات إلى عشر (10) سنوات وبغرامة من 500.000 دج إلى 1.000.000 دج، كل من ينشئ أو يدير موقعاً إلكترونياً أو حساباً إلكترونياً يهدف للتحريض على التمييز أو الكراهية (المادة 19).

عقوبات الأشخاص المعنوية (الشركات، الجمعيات، المؤسسات)

لا تقتصر المسؤولية على الأفراد، بل تمتد لتشمل الكيانات الاعتبارية التي قد تكون منصة لهذه الجرائم. وفقاً لـ المادة 23 من القانون، يعاقب الشخص المعنوي بغرامة تصل إلى خمس (5) مرات الحد الأقصى للغرامة المقررة للشخص الطبيعي، بالإضافة إلى عقوبات تكميلية خطيرة مثل:

  • حل الشخص المعنوي (إغلاق الشركة أو الجمعية نهائياً).
  • الغلق المؤقت للمؤسسة لمدة لا تتجاوز خمس سنوات.
  • المنع من ممارسة نشاط أو عدة أنشطة مهنية أو اجتماعية.
  • الإقصاء من الصفقات العمومية.
  • نشر حكم الإدانة في وسائل الإعلام.
جدول ملخص لأبرز الجرائم والعقوبات (للأشخاص الطبيعيين)
الجريمةالسند القانوني (قانون 20-05)عقوبة الحبسالغرامة المالية (دج)
ارتكاب فعل تمييزي مباشرالمادة 11من 6 أشهر إلى سنتينمن 50.000 إلى 200.000
التحريض على التمييز أو خطاب الكراهيةالمادة 12من سنة إلى 3 سنواتمن 100.000 إلى 300.000
نشر أو ترويج خطاب الكراهيةالمادة 14من سنة إلى 3 سنواتمن 100.000 إلى 300.000
إنشاء أو إدارة موقع/حساب إلكتروني مخصص لخطاب الكراهيةالمادة 19من 5 إلى 10 سنواتمن 500.000 إلى 1.000.000

كيف ترفع شكوى؟ الإجراءات خطوة بخطوة

إذا كنت ضحية لأحد الأفعال المذكورة أعلاه، لا تتردد في اللجوء إلى القضاء. القانون في صفك، والإجراءات واضحة ومحددة. اتبع الخطوات التالية:

الخطوة الأولى: جمع الأدلة

الدليل هو عماد أي قضية. قبل التوجه إلى الجهات المختصة، حاول جمع أكبر قدر ممكن من الإثباتات التي تدعم موقفك. تشمل الأدلة ما يلي:

  • الأدلة الرقمية: لقطات شاشة (Screenshots) للمنشورات أو التعليقات أو الرسائل، تسجيلات صوتية أو مرئية (مع مراعاة شروط قبولها قانوناً).
  • الأدلة المادية: أي وثائق أو رسائل مكتوبة تثبت واقعة التمييز (مثل رفض توظيف كتابي لأسباب تمييزية).
  • شهادة الشهود: أقوال الأشخاص الذين حضروا الواقعة ومستعدون للإدلاء بشهادتهم.

الخطوة الثانية: تحرير الشكوى

الشكوى هي الوثيقة الرسمية التي تطلق الدعوى. يجب أن تكون مكتوبة بوضوح ودقة. يمكنك كتابتها بنفسك أو الاستعانة بمحامٍ أو كاتب عمومي. يجب أن تتضمن الشكوى:

  • بياناتك الشخصية الكاملة (الاسم، اللقب، العنوان).
  • عرض مفصل ودقيق للوقائع (ماذا حدث، متى، أين، وكيف).
  • تحديد هوية المشتكى منه إن كانت معروفة (شخص، شركة، صاحب حساب إلكتروني).
  • إرفاق قائمة بالأدلة التي بحوزتك.
  • توقيعك في نهاية الشكوى.

الخطوة الثالثة: إيداع الشكوى

تودع الشكوى لدى وكيل الجمهورية لدى المحكمة المختصة إقليمياً (المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان وقوع الجريمة أو موطن المشتكى منه). يمكنك إيداعها مباشرة لدى أمانة ضبط النيابة، أو إرسالها عبر البريد المضمون مع وصل استلام.

الملف الإداري: الوثائق المطلوبة لتقديم الشكوى

لجعل شكواك مقبولة شكلاً، تأكد من إرفاقها بالملف التالي:

  • عريضة الشكوى مكتوبة وموقعة من طرفك.
  • نسخة من بطاقة التعريف الوطنية أو رخصة السياقة.
  • كل الأدلة المادية والرقمية التي تم جمعها (مطبوعة أو على قرص مدمج).
  • قائمة بأسماء وعناوين الشهود إن وجدوا.
  • أي وثيقة أخرى تدعم أقوالك (شهادة طبية في حالة الاعتداء الجسدي المرتبط بالتمييز، عقد عمل، إلخ).

نصيحة الخبير

لتدعيم شكواك، خاصة في حالات المحتوى الرقمي (منشور فيسبوك، تغريدة، رسالة)، قم بتوثيق الواقعة عن طريق محضر إثبات حالة لدى محضر قضائي. هذا المحضر يعتبر حجة رسمية قوية أمام المحكمة، حيث يقوم المحضر القضائي بمعاينة المحتوى المخالف وتدوينه في محضر رسمي قبل أن يتمكن صاحبه من حذفه. هذا الإجراء يقطع الشك باليقين ويثبت وجود الدليل بشكل لا يقبل الطعن.

تنبيه هام

لا تخلط بين حرية التعبير وخطاب الكراهية. الدستور الجزائري يكفل حرية الرأي والتعبير، لكن هذه الحرية ليست مطلقة. القانون رقم 20-05، مثله مثل التشريعات الدولية، يضع حداً فاصلاً وواضحاً عندما يتحول التعبير إلى تحريض على العنف، أو ازدراء، أو كراهية ضد فئة معينة من المجتمع. النقد الموضوعي مسموح، أما التحريض على الكراهية فهو جريمة.

أسئلة شائعة (FAQ)

س1: تعرضت للتمييز في مقابلة عمل بسبب لهجتي الجهوية، هل يمكنني المتابعة قضائياً؟

نعم، بكل تأكيد. القانون يعرّف التمييز على أساس “الانتماء الجغرافي” و “اللغة”. إذا استطعت إثبات أن رفضك كان لهذا السبب (مثلاً من خلال شهود أو تسجيل)، يمكنك رفع شكوى أمام وكيل الجمهورية بتهمة التمييز في التوظيف، وهو ما يغطيه القانون بشكل صريح. لمزيد من المعلومات حول قوانين العمل، يمكنك تصفح المقالات ذات الصلة على akhbardz.com.

س2: هل النكتة أو المنشور الساخر الذي يتناول منطقة معينة يعتبر خطاب كراهية؟

هنا يكمن الفرق بين السخرية والتحريض. القاضي هو من يقدر طبيعة المحتوى. إذا كان المنشور يهدف بشكل واضح إلى إثارة النعرات، التحريض على الكراهية، أو دعوة الآخرين إلى ازدراء أو إيذاء أبناء تلك المنطقة، فهو يقع تحت طائلة القانون. أما إذا كان في سياق فكاهي لا يحمل دعوة للكراهية، فقد يعتبر ضمن حرية التعبير. الفيصل هو “نية التحريض” و “الأثر المترتب” على الخطاب.

س3: ما الفرق بين التمييز وخطاب الكراهية حسب القانون 20-05؟

التمييز هو “الفعل” أو “الامتناع” الذي ينتج عنه معاملة غير عادلة (مثل رفض تأجير سكن، رفض خدمة، الفصل من العمل). أما خطاب الكراهية فهو “التعبير” (مكتوب، مسموع، مرئي) الذي يحرض على الكراهية أو العنف ضد فئة معينة. يمكن القول إن خطاب الكراهية غالباً ما يكون مقدمة أو تبريراً لأفعال التمييز.

س4: هل الشكوى تتطلب توكيل محامٍ؟

في مرحلة تقديم الشكوى الأولية لدى وكيل الجمهورية، لا يشترط القانون توكيل محامٍ. يمكنك تقديم الشكوى بنفسك. ولكن، عند إحالة القضية للمحاكمة، يصبح توكيل محامٍ أمراً ضرورياً ومهماً جداً للدفاع عن حقوقك بشكل فعال أمام هيئة المحكمة، خاصة بالنظر للطبيعة التقنية للمصطلحات والإجراءات القانونية.

الخاتمة

إن القانون رقم 20-05 المتعلق بالوقاية من التمييز وخطاب الكراهية ومكافحتهما، يمثل خطوة هامة لتعزيز دولة القانون وحماية كرامة المواطنين في الجزائر. لم يعد التمييز أو التحريض على الكراهية مجرد سلوكيات “غير مقبولة اجتماعياً”، بل هي جرائم مكتملة الأركان يعاقب عليها القانون بعقوبات صارمة. معرفة حقوقك والإجراءات المتاحة لك هي الخطوة الأولى والأساسية للدفاع عن نفسك والمساهمة في بناء مجتمع أكثر تسامحاً وعدلاً.

تنويه قانوني: المعلومات الواردة في هذا المقال هي لأغراض الاسترشاد وتبسيط المفاهيم القانونية وفقاً للنصوص السارية وقت النشر. هذه المعلومات لا تغني بأي حال عن استشارة محامٍ مختص أو مراجعة الجهات الرسمية.

المصادر والمراجع

  • القانون رقم 20-05 المؤرخ في 28 أبريل 2020، يتعلق بالوقاية من التمييز وخطاب الكراهية ومكافحتهما (الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، العدد 25).
  • الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم.
  • دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
  • الموقع الرسمي لوزارة العدل الجزائرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى