الصحة

لماذا تتزايد الحساسية حول العالم؟ عوامل بيئية وغذائية تغيّر المناعة

تشهد الحساسية ارتفاعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تمس ما يقارب 20% إلى 30% من سكان الأرض وفق تقديرات المنظمة العالمية للحساسية. ويشمل هذا الارتفاع طيفاً واسعاً من الأمراض المناعية، مثل التهاب الأنف التحسسي، والربو، والإكزيما، وحساسية الطعام، وغيرها، ما يجعل فهم أسباب انتشارها قضية صحية عالمية لا تخص منطقة بعينها.

وتشير الأبحاث إلى أن العوامل المحيطة بنا قد تكون لعبت دوراً محورياً في هذا التحول. فالتلوث داخل المنازل، ولا سيما المركبات العضوية المتطايرة وشبه المتطايرة الصادرة عن السجاد والمنظفات والدهانات والأثاث، يرتبط بتهييج الجهاز التنفسي وإشعال الالتهابات المزمنة. كما أن العفن ودخان المرور والهواء المحبوس داخل المباني الحديثة، حيث يقضي الناس نحو 90% من أوقاتهم، يضاعفان التعرض لهذه المهيجات. وحتى التنظيف المتكرر لا يعني بالضرورة بيئة أكثر أماناً، إذ قد تظل بقايا المنظفات على الأسطح والأواني وتؤثر في الجسم مع الوقت.

إلى جانب ذلك، يبرز اختلال الميكروبيوم بوصفه أحد المفاتيح المهمة لفهم الحساسية. فالتغيرات في بكتيريا الأمعاء والرئتين قد تضعف الحاجز المناعي وتزيد قابلية الجسم لردود الفعل التحسسية. وترتبط هذه الفرضية بعوامل مثل الإفراط في التعقيم، وتراجع الرضاعة الطبيعية، والولادة القيصرية، والاستخدام المبكر للمضادات الحيوية. وقد أظهرت دراسات متعددة أن انخفاض تنوع الميكروبيوم في الشهور الأولى من العمر يرتبط لاحقاً بارتفاع خطر الإكزيما، والتهاب الأنف التحسسي، والربو، وحساسية الطعام.

ولا يمكن إغفال أثر العادات الغذائية الحديثة. فالإكثار من الأطعمة فائقة التصنيع والوجبات السريعة، إلى جانب قلة الألياف، قد يربك الحواجز المعوية والجلدية ويؤثر في الاستجابة الالتهابية. كما أظهرت أبحاث أن الألياف القابلة للتخمر تدعم إنتاج البيوتيرات، وهو مركب يساعد في تعزيز الحاجز الجلدي ضد الأمراض التحسسية.

الخلاصة أن الحساسية ليست نتاج سبب واحد، بل حصيلة تفاعل معقد بين البيئة والغذاء والميكروبيوم وأنماط الحياة الحديثة. ومع استمرار البحث، يبدو أن الوقاية تبدأ من فهم ما يحيط بنا، وتقليل التعرض غير الضروري للمهيجات، واختيار عادات تدعم المناعة بدل إنهاكها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى