هوس الأكل الصحي حين يتحول الطعام إلى مصدر خوف وقلق

لم يعد الطعام الصحي عند بعض الناس وسيلة للوقاية وتعزيز العافية، بل صار مصدر قلق وخوف مفرط من المرض. هذه الحالة تُعرف باسم اضطراب الأكل الصحي، أو هوس الأكل الصحي، وهي سلوك يركّز بصورة وسواسية على جودة الطعام ونقاوته وطرق تحضيره، حتى يتحول السعي إلى الصحة إلى عبء نفسي وجسدي.
توضح الدكتورة كريستين لي، خبيرة أمراض الجهاز الهضمي في كليفلاند كلينك، أن النظام الغذائي الصحي والمتنوع يساعد في بناء جهاز هضمي صحي، وهو أمر أساسي لدعم المناعة والصحة العقلية والبدنية. كما أن الحفاظ على توازن بكتيريا الأمعاء مهم لصحة الإنسان، لأن الأطعمة المناسبة تدعم منظومة الميكروبيوم المعقدة في الأمعاء، والتي تضم تريليونات الميكروبات، ومنها البكتيريا النافعة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاهتمام بالغذاء إلى هوس. فاضطراب الأكل الصحي، الذي صاغ مصطلحه الطبيب الأمريكي ستيفن براتمان عام 1997، لم يُدرج بعد ضمن اضطرابات الأكل المعتمدة في أحدث معايير التشخيص، رغم تزايد الانتباه إليه. وتشير بيانات منشورة عام 2021 إلى أن انتشاره بين عموم السكان قد يتراوح بين 6.9% و75.2%، بينما سجل تحليل تلوي ضم 30476 مشاركاً من 18 دولة، بينها الأردن ولبنان، نسبة معاناة بلغت 30% لدى الرجال والنساء، مع تفاوت واضح في الدول العربية.
وتتعدد العوامل المرتبطة بانتشاره، وفي مقدمتها وسائل التواصل الاجتماعي، التي تلعب دوراً كبيراً في تعزيز المقارنات والضغط النفسي والسعي إلى الجسد المثالي. كما يرتبط هوس الطعام الصحي بالإفراط في تقييم الذات بناءً على المظهر الخارجي، وبالالتزام القسري بالتمارين الرياضية، وبالنزعة إلى الكمالية. وتظهر دراسات أخرى أن المعرفة الغذائية العالية لا تحمي دائماً، بل قد تزيد الانشغال بالطعام إلى مستوى مرضي، خصوصاً لدى بعض طلاب وخريجي التغذية والطب.
وتكمن الخطورة في أن اضطراب الأكل الصحي قد يقود إلى التوتر والاكتئاب وسوء التغذية وتراجع الأداء الاجتماعي والمهني. لذلك، يبقى الحل في التوازن: طعام صحي، ومرونة عقلية، وصورة إيجابية عن الجسد، لا خوف دائم من كل لقمة. فالصحة الحقيقية لا تُبنى بالصرامة المفرطة، بل بالاعتدال والوعي.




