القرصنة البحرية في الجزائر: أمجاد وتاريخ رياس البحر

القرصنة البحرية في الجزائر: أمجاد وتاريخ رياس البحر وصناعة الإمبراطورية البحرية
هل كانت الجزائر في عهدها العثماني مجرد “وكر للقراصنة” كما روجت له الأدبيات الاستعمارية الغربية، أم أنها كانت تمثل القوة السيادية الكبرى التي فرضت هيبتها على حوض البحر الأبيض المتوسط لأكثر من ثلاثة قرون؟ لطالما حظي مصطلح القرصنة البحرية في الجزائر بنقاشات أكاديمية حامية الوطيس. فبينما يصفه المؤرخون الأوروبيون بـ “القرصنة البربرية” (Course Barbaresque)، يكشف التوثيق التاريخي المحايد عن منظومة دفاعية وعسكرية متكاملة عُرفت بـ “الجهاد البحري”، قادها رجال أشداء سطروا بدمائهم وبطولاتهم أمجاداً بحرية لا تمحى. هؤلاء هم رياس البحر، ملوك البحار الذين جعلوا من مدينة الجزائر “المحروسة” قلعة عصية على الاختراق، وواجهة جيوسياسية فرضت على القوى العظمى -بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية الناشئة- دفع إتاوات سنوية لضمان سلامة سفنها. في هذا المقال الموسوعي الشامل، نبحر عميقاً في تفاصيل هذه الحقبة الذهبية من تاريخ الجزائر.
1. السياق التاريخي والنشأة: من التهديد الإسباني إلى تأسيس الإيالة
سقوط الأندلس وبداية التحرشات الإسبانية بسواحل المغرب الأوسط
لم تكن نشأة القوة البحرية الجزائرية وليدة الصدفة، بل جاءت كاستجابة حتمية لظروف تاريخية قاهرة عاشتها منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط مع نهاية القرن الخامس عشر. فبعد سقوط غرناطة عام وزوال الحكم الإسلامي في الأندلس، شنت الإمبراطورية الإسبانية حملات صليبية توسعية شرسة استهدفت السواحل الشمالية لأفريقيا (المغرب الأوسط آنذاك). احتلت القوات الإسبانية مدناً وموانئ استراتيجية مثل المرسى الكبير ()، وهران ()، وبجاية (). ولم تكتفِ بذلك، بل أنشأت حصناً عسكرياً منيعاً فوق الصخور المقابلة لمدينة الجزائر عُرف بحصن “البينيون” (El Peñón de Argel)، مما خنق حركة التجارة المحلية وجعل المدينة تحت رحمة المدافع الإسبانية.
الاستنجاد بالإخوة بربروس وتأسيس الدولة الجزائرية الحديثة
أمام هذا الحصار الخانق وعجز الدولة الزيانية المتهاوية عن الدفاع عن ثغورها، اتخذ أعيان مدينة الجزائر وعلماؤها خطوة تاريخية حاسمة؛ حيث أرسلوا وفداً يستنجد بالإخوة العثمانيين “عروج” و”خير الدين” بربروس، اللذين كانا يديران نشاطاً بحرياً دفاعياً ناجحاً في شرق المتوسط وفي تونس (بجزيرة جربة). لبى الأخوان بربروس النداء ودخلا مدينة جيجل أولاً ثم الجزائر العاصمة عام . بفضل عبقريتهما العسكرية، تمكنا من توحيد البلاد وتأسيس الرَّياسة أو “إيالة الجزائر” (Régence d’Alger). وفي عام ، حقق خير الدين بربروس نصراً تاريخياً بتحطيم حصن “البينيون” الإسباني، وربط الجزر الصغيرة بالبر الرئيسي، معلناً ولادة ميناء الجزائر الحربي الذي أصبح قاعدة انطلاق الأسطول الجزائري العتيد.
“إن دخول الإخوة بربروس إلى الجزائر لم يكن احتلالاً بل كان تحالفاً استراتيجياً طلبه الجزائريون لإنقاذ هويتهم وأرضهم من المد الصليبي الإسباني.”
— المؤرخ الجزائري أبو القاسم سعد الله
تحول الجزائر إلى القوة البحرية الأولى في المتوسط
باندماج الجزائر رسمياً تحت لواء الخلافة العثمانية كولاية ممتازة، تدفقت المساعدات العسكرية والإنكشارية، وتوافد الموريسكيون (الأندلسيون المطرودون) الذين حملوا معهم خبرات صناعية وتقنية هائلة في بناء السفن ورسم الخرائط البحرية. تحولت الجزائر بسرعة فائقة إلى مركز استقطاب للملاحين والمغامرين من شتى أنحاء العالم. ولم يمضِ وقت طويل حتى فرض الأسطول الجزائري سيطرته المطلقة على الملاحة في غرب المتوسط، وتحولت سفن رياس البحر إلى درع واقٍ للعالم الإسلامي وسيف مسلط على سفن الدول الأوروبية المعادية.
2. هيكلية الأسطول الجزائري وتنظيم “طائفة رياس البحر”
طائفة الرياس: برلمان البحر وصناع القرار
لم يكن الأسطول الجزائري يعمل بشكل عشوائي، بل كان محكوماً بمؤسسة عسكرية وسياسية ذات تنظيم دقيق وفريد عُرفت باسم “طائفة الرياس”. كانت هذه الطائفة بمثابة نقابة أو برلمان يتمتع بنفوذ سياسي واسع داخل الدولة، لدرجة أن قرارات السلم والحرب والمعاهدات الدولية كانت تُصاغ بالتشاور معها. كان يقود الطائفة مسؤول كبير يُدعى “رئيس المرسى” أو “وكيل الحرج”، وهو بمثابة وزير البحرية وقائد عام الميناء. وكانت الطائفة تجتمع في “الديوان” لمناقشة الخطط العسكرية وتوزيع الغنائم وتحديد شروط الإبحار.
دار الصناعة (الأرسنال) وهندسة السفن الجزائرية
تركزت صناعة السفن وتطويرها في “دار الصناعة” الواقعة بميناء الجزائر (بالقرب من حي القصبة العتيق المصنف ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو). تميزت السفن الجزائرية بتصميمها الهندسي المبتكر الذي يجمع بين السرعة والمناورة والقدرة على الإبحار في المياه الضحلة. ومن أبرز أنواع السفن التي استخدمها الرياس:
- الشباك (Chebec): سفينة سريعة جداً ذات ثلاثة صواري وأشرعة مثلثية، كانت العمود الفقري للأسطول الجزائري ومثالية لعمليات المباغتة.
- الغليوطة (Galiot): سفينة صغيرة الحجم تعتمد على المجاذيف والأشرعة معاً، وتستخدم للاستطلاع والهجوم السريع.
- الفرقاتة (Frigate) والغليون (Galleon): سفن حربية ضخمة مجهزة بمدافع ثقيلة، كانت تُستخدم في المعارك البحرية الكبرى والمواجهات المباشرة.
الرتب والوظائف على متن السفن
تميز العمل على متن السفينة الحربية الجزائرية بالانضباط الصارم، حيث وُزعت المهام بدقة متناهية:
- الريس: القائد المطلق للسفينة والمسؤول عن التكتيكات العسكرية والملاحة.
- الآغا: قائد الجنود الإنكشاريين (المقاتلين) على متن السفينة، ويتولى قيادة عمليات الاشتباك البري والالتحام.
- الخوجة: كاتب السفينة المسؤول عن تدوين السجلات، وإحصاء الغنائم، وتوثيق أسماء الطاقم والأسرى.
- الرايس الصغير (أو الباش-ريس): المساعد الأول للقائد والمسؤول عن توجيه الدفة وصيانة الأشرعة.
3. تراجم وسير: أعظم قادة البحرية الجزائرية (رياس البحر)
عروج بربروس: البطل الأسطوري ذو الذراع الواحدة
الريس عروج (Baba Aruj) هو الأب الروحي للبحرية الجزائرية. اشتهر بشجاعته الفائقة وإنقاذه لآلاف الموريسكيين من محاكم التفتيش الإسبانية ونقلهم إلى السواحل الجزائرية. فقد ذراعه اليسرى في معركة تحرير بجاية عام واستبدلها بذراع فضية. استشهد في معركة بطولية ضد الإسبان قرب تلمسان عام ، تاركاً إرثاً من الصمود والكرامة تحول إلى عقيدة قتالية للأسطول.
خير الدين بربروس: مهندس السيادة البحرية الإسلامية
شقيق عروج وخليفته في حكم الجزائر. يُعد خير الدين أعظم قائد بحري في التاريخ العثماني والإسلامي. قاد الأسطول المتحالف في معركة “بروزة” (Preveza) عام ، حيث سحق الأسطول الأوروبي المشترك بقيادة “أندريا دوريا”. عينه السلطان سليم الأول ثم سليمان القانوني “قبلان باشا” (أمير البحار) للإمبراطورية العثمانية بأكملها، وجعل من الجزائر مركز الثقل البحري في العالم.
الريس حميدو بن علي: أمير البحار الجزائري الأسطوري
ولد الرايس حميدو في قصبة الجزائر عام لأب جزائري، ولم يكن من أصول تركية كغالبية الرياس، مما جعله بطلاً شعبياً بامتياز. ترقى في الرتب البحرية بفضل عبقريته حتى أصبح قائد الأسطول الجزائري في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. من أشهر بطولاته الاستيلاء على الفرقتة البرتغالية الضخمة “السيقني” (O Cisne) عام ، ثم السفينة الحربية الإسبانية “بورتشيز”. استشهد الرايس حميدو في معركة بطولية ضد الأسطول الأمريكي بقيادة الاستراتيجي “ستيفن ديكاتور” في معركة رأس غاتا عام .
مامي أرناؤوط ومراد رايس وصالح رايس
لم تقتصر البطولة على آل بربروس والريس حميدو؛ بل لمعت أسماء أخرى مرعبة في سماء المتوسط. صالح رايس الذي قاد حملات ناجحة لاستعادة بجاية وحماية السواحل من الهجمات المالطية، ومراد رايس (الأكبر) الذي اخترق المحيط الأطلسي ووصل بأساطيله إلى سواحل إيرلندا وأيسلندا في مغامرات بحرية غير مسبوقة تهدف لضرب التجارة الأوروبية في عقر دارها.
4. إستراتيجيات القتال والتكتيكات العسكرية للبحرية الجزائرية
حرب العصابات البحرية (الكر والفر والتلحيق)
اعتمد الرياس على تكتيك عسكري متطور يعتمد على السرعة الفائقة والمباغتة. بدلاً من الدخول في مواجهات جبهوية بطيئة بالمدفعية الثقيلة (والتي كانت تناسب السفن الأوروبية الكبيرة)، كان الرياس يفضلون أسلوب “التلحيق والالتحام المباشر”. يقترب الشباك الجزائري بسرعة خاطفة مستغلاً اتجاه الرياح وخفة وزنه، ويطلق دفعة مدفعية مركزة لتعطيل صواري السفينة المستهدفة، ثم يقتحم الجنود الإنكشاريون والبحارة الجزائريون سطح السفينة المعادية مستخدمين السيوف والمسدسات القصيرة في قتال متلاحم يربك الأعداء ويحسم المعركة بسرعة.
نظام الأسرى والفداء: الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية
شكل الأسرى الأوروبيون الذين تم جلبهم إلى الجزائر جزءاً مهماً من المنظومة السياسية والاقتصادية للإيالة. كان الأسرى يوضعون في منشآت خاصة تُعرف بـ “البانيو” (Le Bagne) أو “دار السبيجل”. ولم يكن التعامل معهم وحشياً كما روجت السينما الغربية، بل كان محكوماً بأعراف دولية ودينية. كان الهدف الأساسي هو الحصول على مبالغ مالية ضخمة كفدية (Ransom) لتحريرهم، أو مبادلتهم بالأسرى الجزائريين والمسلمين المحتجزين في السجون الأوروبية (خاصة في مالطا وإسبانيا). ومن أشهر الأسرى الذين قضوا سنوات في الجزائر الكاتب الإسباني الشهير ميغيل دي ثيربانتس (مؤلف رواية دون كيشوت)، الذي سُجن في الجزائر العاصمة لسنوات وحاول الفرار عدة مرات قبل أن تُدفع فديته.
الدبلوماسية القسرية: كيف خضعت الدول الكبرى لهيبة الجزائر؟
لم تكن القوة العسكرية للجزائر تستخدم للقتال فقط، بل كانت أداة دبلوماسية قوية لفرض معاهدات سلام واتفاقيات تجارية تضمن تدفق الأموال إلى خزينة الدولة. فرضت الجزائر على القوى البحرية الكبرى مثل بريطانيا، فرنسا، هولندا، السويد، والدنمارك تقديم هدايا دورية وإتاوات سنوية لحماية سفنها التجارية من هجمات رياس البحر.
ولعل المثال الأبرز هو معاهدة طرابلس والجزائر مع الولايات المتحدة الأمريكية الموقعة في سبتمبر . بموجب هذه الاتفاقية المكتوبة باللغة التركية العثمانية (وهي الاتفاقية الوحيدة في تاريخ أمريكا التي كتبت بلغة غير إنجليزية)، التزمت واشنطن بدفع مبلغ مالي فوري وإتاوة سنوية وضمان تقديم بناء سفن حربية للجزائر مقابل السلام وتأمين سفنها في البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.
5. التراث البحري المتبقي والذاكرة الوطنية
معالم القصبة الشاهدة على عصر الرياس
لا تزال مدينة الجزائر تحتفظ بمعالم أثرية حية تشهد على العصر الذهبي للبحرية الجزائرية. في قلب العاصمة، يقف قصر الرياس (البستيون 23) كتحفة معمارية فريدة تطل على البحر مباشرة. يتكون هذا المجمع من ثلاثة قصور وستة منازل تاريخية كانت مقراً لسكن قادة البحرية ومكاناً لعقد صفقات الفداء وتخطيط الحملات العسكرية. كما تحتفظ منارات الميناء وبعض أجزاء الأسوار العتيقة في القصبة بآثار المدافع والتحصينات التي ردت الغزاة على مدار قرون.
التراث اللامادي والمصطلحات البحرية في اللهجة الجزائرية
ترك عصر رياس البحر بصمته الواضحة على الثقافة الشعبية واللهجة الجزائرية الدارجة. فالعديد من الكلمات المستخدمة اليوم في الملاحة والصيد البحري تعود لأصول عثمانية أو إيطالية أو إسبانية تفاعلت في بيئة الميناء التاريخية. كلمات مثل: “بابور” (السفينة)، “رادار” (البحر)، “شلاط” (نوع من السكاكين)، و”رايس” (تُستخدم اليوم كلقب احترام أو للشخص القيادي)، تعكس جميعها هذا التلاقح الثقافي البحري الممتد.
جهود التوثيق المعاصر وإعادة قراءة التاريخ
تسعى الهيئات الأكاديمية والمتاحف الوطنية في الجزائر (مثل المتحف البحري الوطني) إلى إعادة إحياء هذا التاريخ وتطهيره من التشويه الاستعماري. من خلال دراسة المخطوطات والوثائق العثمانية والمراسلات الدبلوماسية، يعيد المؤرخون قراءة الأحداث لتقديم رواية وطنية علمية وموضوعية تبرز الدور الحضاري للبحرية الجزائرية. في هذا الصدد، يسعى قسم التاريخ في أخبار الجزائر إلى تقديم تغطية مستمرة وموثقة حول هذه الاكتشافات والأبحاث التاريخية التي تسلط الضوء على الهوية الوطنية الجزائرية العريقة.
6. جدول زمني: محطات مفصلية في تاريخ البحرية الجزائرية (1516 – 1830)
يوضح الجدول التالي التسلسل الزمني لأهم الأحداث والتحولات التاريخية التي مرت بها القوة البحرية الجزائرية منذ التأسيس وحتى سقوط العاصمة:
| السنة (التاريخ) | الحدث التاريخي | الأثر والنتائج الجيوسياسية |
|---|---|---|
| وصول الإخوة بربروس إلى الجزائر العاصمة بطلب من الأعيان. | بداية نهاية النفوذ الإسباني وتأسيس الدولة الجزائرية الحديثة. | |
| تحطيم حصن البينيون الإسباني (El Peñón) وبناء رصيف الميناء. | تأسيس أول قاعدة بحرية حربية متكاملة للأسطول الجزائري. | |
| حملة الإمبراطور شارلكان (تشارلز الخامس) الفاشلة على الجزائر. | تحطم الأسطول الإمبراطوري واكتساب الجزائر لقب “المحروسة” (المدينة التي لا تقهر). | |
| معركة بروزة (Preveza) البحرية بقيادة خير الدين بربروس. | السيطرة العثمانية المطلقة على حوض البحر الأبيض المتوسط. | |
| توقيع معاهدة طرابلس والجزائر مع الولايات المتحدة الأمريكية. | اعتراف أمريكا بسيادة الجزائر ودفع إتاوات سنوية لحماية سفنها. | |
| معركة رأس غاتا واستشهاد الرايس حميدو. | بداية اختلال التوازن العسكري وتكالب القوى الغربية على الجزائر. | |
| معركة نافارين وتدمير معظم قطع الأسطول الجزائري والمصري والعثماني. | فقدان الجزائر لدرعها البحري الواقي، مما مهد للاحتلال الفرنسي عام . |
7. تصحيح المفاهيم المغلوطة: جهاد بحري أم قرصنة؟
من الضروري من الناحية المنهجية تفكيك المصطلحات الاستعمارية التي حاولت تشويه تاريخ رياس البحر. تختلف “القرصنة” (Piracy) بمفهومها الجنائي الخارج عن القانون تماماً عن النشاط البحري الجزائري الذي يندرج تحت ما يُعرف في القانون الدولي القديم بـ “القرصنة التفويضية” (Privateering / Course) أو الجهاد البحري:
- الشرعية السياسية: كان رياس البحر يتحركون بأوامر رسمية وتفويض صريح من حاكم الدولة (الداي أو الباشا)، ويحملون رخصاً رسمية للإبحار والقتال، ولم يكونوا عصابات مارقة تبحث عن سلب شخصي بدون غطاء قانوني.
- الالتزام بالمعاهدات: لم يهاجم الأسطول الجزائري أبداً سفن الدول التي كانت تربطها اتفاقيات سلام أو صداقة مع إيالة الجزائر، بل كان يستهدف حصراً سفن الدول المعادية التي كانت في حالة حرب معلنة مع الدولة.
- القوانين الدولية للبحار: كان نشاط البحرية الجزائرية يخضع لقوانين الحرب المعترف بها عالمياً في ذلك العصر، مثل حجز السفن المعادية، أسر المقاتلين، وفدائهم، وهو تماماً ما كانت تفعله القوى الأوروبية (مثل فرسان القديس يوحنا في مالطا) تجاه السفن الإسلامية.
8. دليل الباحث والمهتم بالتراث البحري الجزائري
إذا كنت طالباً، باحثاً تاريخياً، أو سائحاً شغوفاً بالتراث الثقافي البحري للجزائر، نقترح عليك بعض الخطوات العملية لاستكشاف هذا الإرث العريق:
أولاً: زيارة المعالم التاريخية الميدانية
- قصر الرياس (الحصن 23): يقع في شارع محمد تيجاني بالعاصمة الجزائر. يتيح لك التجول داخل القصور التاريخية واستكشاف معارض الصور والخرائط القديمة للبحرية الجزائرية.
- المتحف العمومي الوطني البحري: يقع في قبو سفينة تاريخية بميناء الجزائر، ويحتوي على مجموعات نادرة من الأسلحة البحرية، المدافع المسترجعة، مجسمات السفن القديمة، والوثائق التاريخية.
- حصون وهران والمرسى الكبير: زيارة حصن سانتا كروز والقلاع المحيطة للتعرف على حجم الصراع الجزائري الإسباني.
ثانياً: مصادر ومخطوطات للبحث الأكاديمي
- المكتبة الوطنية الجزائرية (الحامة): تضم قسماً خاصاً بالمخطوطات العثمانية والوثائق الدبلوماسية وسجلات المحاكم الشرعية التي توثق حركة السفن وتوزيع الغنائم.
- أرشيف ما وراء البحار في إيكس أون بروفانس (فرنسا): يحتوي على مراسلات وتقارير القناصل الفرنسيين في الجزائر حول نشاط رياس البحر والاتفاقيات المبرمة.
9. الأسئلة الشائعة حول القرصنة البحرية ورياس البحر في الجزائر
س1: هل كانت الجزائر ولاية عثمانية خاضعة كلياً أم دولة مستقلة؟
ج1: كانت إيالة الجزائر تتمتع بحكم ذاتي شبه مطلق (ولاية ممتازة)، خاصة في عهد الدايات. كان دور السلطان العثماني يقتصر غالباً على الدعم الروحي والدبلوماسي، بينما كانت الجزائر تدير سياستها الخارجية، تبرم المعاهدات، وتعلن الحروب بشكل مستقل تماماً بفضل قوة أسطولها.
س2: ما هو السبب الرئيسي لتراجع واختفاء القوة البحرية الجزائرية؟
ج2: السبب الرئيسي هو تدمير الأسطول الجزائري في معركة نافارين عام 1827 أثناء مساعدة الدولة العثمانية ضد الثورة اليونانية، بالإضافة إلى التطور التكنولوجي الهائل للسفن الأوروبية البخارية مقارنة بالسفن الشراعية التقليدية للجزائر، مما أدى لخلل في ميزان القوى مهد للاحتلال الفرنسي عام 1830.
س3: من هو الرايس حميدو وكيف لقي حتفه؟
ج3: هو أشهر قائد بحري جزائري في العهد العثماني المتأخر. قاد السفينة الحربية الأسطورية “مفتاح الجهاد”. استشهد عام 1815 في معركة بحرية شرسة ضد أسطول أمريكي متفوق عددياً بقيادة ستيفن ديكاتور في المحيط الأطلسي (معركة رأس غاتا).
س4: كيف كانت تتم معاملة الأسرى الأوروبيين في الجزائر؟
ج4: كانت معاملتهم تخضع لنظام دقيق محكوم بالاتفاقيات والشريعة الإسلامية. لم يكونوا عبيداً بالمعنى التقليدي، بل كانوا يُعتبرون أسرى حرب ينتظرون الفداء أو التبادل. وكان يُسمح لهم بممارسة طقوسهم الدينية، وبناء كنائس خاصة بهم داخل أماكن احتجازهم (البانيو).
س5: ما هي معاهدة طرابلس والجزائر مع أمريكا؟
ج5: هي اتفاقية سلام وصداقة وُقعت عام 1795 بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية، وافقت فيها واشنطن على دفع مبالغ مالية وإتاوة سنوية للجزائر لحماية سفنها التجارية من هجمات البحرية الجزائرية.
10. خاتمة: إرث السيادة الذي صاغ جغرافيا الجزائر الحديثة
لم تكن “القرصنة البحرية” في الجزائر فصلاً عشوائياً من أعمال النهب، بل كانت استراتيجية دفاعية وجيوسياسية متكاملة صاغت ملامح الجزائر الحديثة ورسمت حدودها الجغرافية الحالية. بفضل تضحيات وبطولات رياس البحر والتحامهم مع تطلعات الشعب الجزائري، استطاعت هذه الأرض الطيبة أن تصمد أمام أعتى الحملات الصليبية والاستعمارية لأكثر من 300 عام. إن الحفاظ على هذا التراث التوثيقي التاريخي وفهمه بعيداً عن التشويه الاستعماري الغربي هو واجب وطني لربط أجيال الحاضر بأمجاد الماضي وتاريخ الجزائر الحافل بالسيادة والكرامة.
اكتشف المزيد من قصص تاريخ الجزائر وتراثها العريق من خلال تصفح قسم التاريخ في أخبار الجزائر.
شاركنا رأيك في التعليقات: ما هي الشخصية البحرية أو المعركة التاريخية التي تود أن نغطيها بالتفصيل في مقالاتنا القادمة؟
إذا أعجبك هذا المقال المرجعي، لا تتردد في مشاركته مع أصدقائك والمهتمين بالتاريخ والتراث الجزائري العريق.
المصادر والمراجع
- سعد الله، أبو القاسم. (2007). تاريخ الجزائر الثقافي. دار البصائر للنشر والتوزيع، الجزائر.
- المدني، أحمد توفيق. (1976). حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا 1492-1792. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر.
- ديفو، ألبير. (1875). أرشيف إيالة الجزائر: تاريخ البحرية الجزائرية. (ترجمة ودراسة أكاديمية).
- موقع التراث العالمي لليونسكو: قصبة الجزائر وأثارها البحرية.
- الوثائق الدبلوماسية الأمريكية: مراسلات معاهدة السلام والصداقة بين الولايات المتحدة وإيالة الجزائر (1795).




