التاريخ والتراث

التراث في وهران: شواهد التاريخ وعراقة الباهية


التراث في وهران: شواهد التاريخ وعراقة الباهية عبر العصور

يقف جبل “مرجاجو” شامخاً كحارسٍ أزلي يُطل على خليج وهران الأزرق، شاهداً على أمواج التاريخ التي تكسّرت عند سفوحه، حيث تلتقي صخور المتوسط بأسرار قلاع بنيت من صلب الإرادة الإنسانية عبر آلاف السنين. ليست وهران مجرد مدينة ساحلية تتهادى على إيقاع أمواج الغرب الجزائري، بل هي مخطوطة عمرانية وبشرية حيّة، تتقاطع في أزقتها العتيقة أنفاس البحارة الأندلسيين، وصليل سيوف الفرسان الإسبان، وهيبة البايات العثمانيين، وصمود الفدائيين إبان الثورة التحريرية المجيدة. إن البحث في التراث في وهران ليس مجرد ترف فكري أو استعراض للآثار الصامتة، بل هو نبش في كينونة الهوية الجزائرية الجامعة التي صهرت التحديات وحوّلت الحصون العسكرية إلى منارات للثقافة والتعايش الإنساني الفريد.

تستحق وهران لقبها الأثير “الباهية” عن جدارة واستحقاق؛ فبهاؤها لم يكن يوماً وليد مصادفة جغرافية، بل نتاج تراكم حضاري عميق جعل منها بوتقة تنصهر فيها الروافد الأمازيغية، والأندلسية، والمغاربية، والمتوسطية. من أزقة حي سيدي الهواري التي تفوح منها رائحة البخور وعبق التاريخ الأندلسي-العثماني، إلى قمم التحصينات المنيعة في سانتا كروز، مروراً بإيقاعات الشعر الملحون وفن الراي الذي حمل هموم وقصائد الهامش إلى مصاف التراث الإنساني العالمي المحمي من منظمة اليونسكو، تتجلى وهران كعاصمة خالدة للذاكرة الوطنية. في هذا البحث التوثيقي الاستقصائي، نسافر عبر مسالك الذاكرة، لنفكك شفرات النسيج العمراني، ونستحضر الوثائق التاريخية النادرة، ونستكشف كيف صمدت هذه الحاضرة أمام الزلازل، والحروب، والتحولات الكولونيالية، محافظة على روحها الجزائرية الأصيلة.

فهرس المقال إخفاء

—

1. الجذور والنشأة التأسيسية: من “أفراك” الأمازيغية إلى مرافئ بحارة الأندلس

قبل أن تُعرف وهران باسمها العربي الفصيح المشتق تاريخياً من لفظ “وهران” (تثنية وهر، أي الأسد، نسبة إلى الأسود التي كانت ترتاد جبال المنطقة وغاباتها)، كانت هذه الرقعة الجغرافية الاستراتيجية المطلة على الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط مستقراً للتجمعات البشرية الأمازيغية الأولى. كشفت الحفريات الأثرية في مغارات “جبل مرجاجو” ومحيط “رأس فالكون” ومنطقة “عين الترك” عن استيطان بشري يمتد إلى عصور ما قبل التاريخ، وتحديداً الحضارة الإيبيروموروسية والحضارة النيوليتية (العصر الحجري الحديث)، حيث شكلت الكهوف المجاورة لمصب وادي الرحي ملاجئ طبيعية للصيادين والمزارعين الأوائل.

العهد القديم: محطة تجارية ومرفأ إراتسيني

مع بزوغ العصر القديم، أدرك الفينيقيون والقرطاجيون الأهمية الملاحية للخليج الوهراني، فأسسوا مراكز تجارية ومرافئ لربط سواحل شمال إفريقيا بجنوب شبه الجزيرة الإيبيرية. وقد عرفت المنطقة خلال الحقبة الرومانية باسم “يونيسيبل إكسيدينتيس” أو مرافئ تابعة لإقليم موريطانيا القيصرية، مثل ميناء بورتوس ماغنوس (Portus Magnus) الواقع في منطقة “بطيوة” الحالية، ومرفأ ديفينوم (Portus Divinus) المعروف اليوم باسم “المرسى الكبير”، والذي عُدّ واحداً من أأمن الموانئ الطبيعية في العالم القديم لحماية الأساطيل من العواصف العاتية.

تأسيس عام 903م: العبقرية الملاحية للأندلسيين

شهدت سنة الانطلاقة الفعلية لمدينة وهران في شكلها الحضري الإسلامي، حينما رست سفن تجار وبحارة أندلسيين، بقيادة محمد بن أبي عون ومحمد بن عبدون، وبموافقة وتشجيع من أمراء قرطبة الأمويين وتحالف وثيق مع قبائل مغراوة وبني يفرن وزناتة المحلية. أسس هؤلاء البحارة النواة الحضرية الأولى للمدينة عند مصب وادي الرحي لضمان توفر المياه العذبة وحماية المرفأ من الرياح الشمالية، فأنشأوا مسجداً جامعاً، وحصناً للدفاع، وأسواقاً لتبادل السلع الحرفية والمنتجات الزراعية بين الأندلس وعمق بلاد المغرب الأوسط.

وثيقة ابن خلدون حول نشأة وهران:

“لما كانت سنة إحدى وتسعين ومائتين، نزل محمد بن أبي عون ومحمد بن عبدون في طائفة من بحارة الأندلس بساحل وهران، واختطوا بها مدينة بإذن من أمراء بني أمية بالأندلس، ورغبة من قبائل زناتة ومغراوة في إقامة سوق تجارية تفد إليها قوافل الصحراء وتجار البحر…”

— تاريخ العلامة عبد الرحمن بن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر.

وهران في فلك الدول الإسلامية الكبرى: المرابطون، الموحدون، والزيانيون

تحولت وهران سريعاً إلى مركز استقطاب إقليمي، تتنازع عليه القوى السياسية الكبرى في المغرب الإسلامي نتيجة موقعها الحيوي:

  • الحقبة الفاطمية والأموية: تأرجحت المدينة بين النفوذ الفاطمي القادم من إفريقية والسيادة الأموية القرطبية، مما أكسبها نسيجاً مجتمعياً متعدد المشارب تميز بالحيوية التجارية.
  • الحقبة المرابطية والموحدية: قام السلطان يوسف بن تاشفين ثم خلفاء الموحدين بتوسيع أسوار المدينة وبناء تحصينات جديدة. وفي عهد الموحدين، تحولت وهران إلى دار لصناعة السفن الحربية ونقطة انطلاق رئيسية للإمدادات نحو الأندلس.
  • الدولة الزيانية (مملكة تلمسان): بلغت وهران أوج ازدهارها التجاري كوسيط بحري رئيسي للعاصمة تلمسان؛ حيث كانت تعبرها قوافل الذهب والحرير والتمور القادمة من سجلماسة ووارجلان متجهة إلى جنوة، البندقية، وبرشلونة.

—

2. وهران بين المطرقة الإسبانية والسندان العثماني: ثلاثة قرون من الحصار والتحصين

تعد الفترة الممتدة من مطلع القرن السادس عشر حتى أواخر القرن الثامن عشر أكثر الحقب دراماتيكية في تاريخ وهران، حيث تحولت المدينة إلى ساحة صدام كبرى بين القوتين العظميين في البحر الأبيض المتوسط آنذاك: الإمبراطورية الإسبانية والدولة العثمانية.

سقوط المرسى الكبير ووهران (1505 – 1509م): بداية حقبة “البريزيديو”

في أعقاب سقوط غرناطة عام 1492م واندلاع حروب الاسترداد (Reconquista)، وجّه التاج القشتالي أنظاره نحو السواحل المغاربية لإجهاض أي محاولة لنجدة الموريسكيين وتأمين خطوط الملاحة. قاد الكاردينال فرانثيسكو خيمينيث دي ثيسنيروس (Cardenal Cisneros) والكونت بيدرو نافارو حملة عسكرية ضخمة أسفرت عن احتلال ميناء المرسى الكبير عام ، ثم اقتحام مدينة وهران في مايو بعد مقاومة مستميتة من أهالي المدينة، انتهت بمجازر مروعة ونهب للمساجد والمدارس والمخطوطات الأندلسية، وتحويل المسجد الجامع إلى كنيسة وسجن الآلاف من السكان.

حوّل الإسبان وهران إلى ما يُعرف عسكرياً بـ “البريزيديو” (Presidio)، وهو جيب عسكري معزول محاط بأسوار ضخمة وخنادق وشبكة من الحصون المعقدة، مثل حصن سان أندريس، وحصن سان بيدرو، وحصن سانتا كروز. عاشت الحامية الإسبانية داخل هذه القلاع في حالة حصار دائم ومستمر فرضته القبائل الجزائرية المحيطة من بني عامر والزواوة والمهاجة، الذين شكلوا طوقاً منيعاً منع الإسبان من التوغل نحو العمق الجزائري لأكثر من ثلاثة قرون.

هندسة التحصينات الإسبانية العسكرية:

تم ربط الحصون العلوية المشرفة على جبل مرجاجو، وخاصة قلعة سانتا كروز (Fort de Santa Cruz)، بالحصون السفلية للمدينة وميناء المرسى الكبير بواسطة شبكة من الأنفاق والسراديب السرية المحفورة في عمق الصخر الجيري (Les galeries souterraines)، مما كان يسمح بنقل الذخيرة وتأمين المؤن أثناء الحصارات الشديدة التي فرضها المجاهدون الجزائريون.

التحرير الأول على يد الباي مصطفى بوشلاغم (1708م)

مع استقرار الحكم العثماني في إيالة الجزائر، كان استرجاع وهران هدفاً استراتيجياً لدايات الجزائر وبايات الغرب. وفي عام ، استغل الباي مصطفى بن يوسف المغراوي (المعروف بالباي بوشلاغم) انشغال إسبانيا بحرب الخلافة الإسبانية، فشن هجوماً كاسحاً مدعوماً بقوات مجاهدي القبائل وأسطول الجزائر، ليتمكن من تحرير المدينة وإنهاء قرنين من الاحتلال الإسباني. نقل بوشلاغم عاصمة بايلك الغرب من معسكر إلى وهران، وباشر فوراً عملية إعادة إعمار المساجد وإعادة توطين السكان الأصليين وترميم الحصون المتضررة.

الاحتلال الإسباني الثاني وزلزال 1790م المدمر

لم يستسلم التاج الإسباني؛ فقاد الكونت دي مونتيمار أسطولاً جباراً عام أعاد احتلال وهران والمرسى الكبير بعد معارك شرسة أجبرت الباي بوشلاغم على التراجع نحو مستغانم ثم معسكر. عادت المدينة مجدداً إلى ظلمات الحصار الإسباني لأكثر من خمسين عاماً، حتى وقعت الكارثة الكبرى ليلة 8 إلى 9 أكتوبر ، حين ضرب وهران زلزال مدمر سوّى معظم القلاع العسكرية والمباني الإسبانية بالأرض، وتسبب في مقتل مئات الجنود الإسبان وتدمير شبكات الإمداد والمياه.

التحرير النهائي وتأسيس “وهران البهية” على يد الباي محمد الكبير (1792م)

أدرك الباي محمد بن عثمان الكبير بحنكته العسكرية والسياسية أن لحظة الحسم التاريخية قد حانت. فضرب حصاراً برياً وبحرياً مطبقاً على فلول الجيش الإسباني المتبقية بين الأنقاض، وشن هجمات متتالية استهدفت قطع خطوط الاتصال بالبحر. أمام هذا الصمود والضغط العسكري الجزائري الهائل، إضافة إلى الخسائر المادية والبشرية الفادحة، اضطر الملك الإسباني كارلوس الرابع إلى قبول المفاوضات وتوقيع معاهدة سلام في مدريد عام 1791م.

في أواخر فبراير ومطلع مارس ، انسحبت آخر كتيبة إسبانية من مياه المرسى الكبير، ودخل الباي محمد الكبير وهران في موكب نصر مهيب رفقة علماء ووجهاء الجزائر وشيوخ الزوايا، إيذاناً بعودة المدينة نهائياً إلى السيادة الوطنية الجزائرية وتحت راية إيالة الجزائر. وانطلقت على إثر ذلك واحدة من أعظم ورشات البناء والتعمير في تاريخ الغرب الجزائري، جعلت من المدينة حاضرة زاهرة تفيض بالبهاء والعمران والعلوم.

—

3. الحي العتيق “سيدي الهواري”: نبض الذاكرة ومتحف التاريخ المفتوح

إذا كانت الجزائر العاصمة تفخر بقصبتها، وقسنطينة بسويقتها المعلقة، فإن وهران تتماهى كلياً مع حي سيدي الهواري؛ فهو الرحم الحقيقي للمدينة، والوعاء التاريخي الذي يختزل كل الحضارات التي مرت بالباهية. يمتد الحي في المُنخفض الواقع بين جبل مرجاجو وهضبة المائدة المشرفة على البحر، ويشكل في تصميمه المعماري متحفاً مفتوحاً على الهواء الطلق تتداخل فيه الحارات والدروب العتيقة مع المعالم الدينية والعسكرية.

الإمام سيدي الهواري: القطب الروحي ورمز الهوية

يستمد الحي اسمه من الإمام الصوفي الجليل أبي عبد الله محمد بن عمر الهواري (1350 – 1439م)، أحد أبرز أعلام الفكر والتصوف والحديث في بلاد المغرب الإسلامي خلال العهد الزياني. كان زاهداً، فقيهاً، ورجل وحدة وإصلاح، لعب دوراً حاسماً في تعزيز الروابط الاجتماعية ومحاربة الانحرافات الأخلاقية وترسيخ قيم التضامن. أصبح ضريحه وزاويته في قلب الحي العتيق مقصد الزوار ومحور النشاط الديني والاجتماعي لأهالي وهران والقطاع الوهراني بأكمله، ومضرب الأمثال في الفولكلور والوجدان الشعبي الجزائري (“يا سيدي الهواري داويني”).

النسيج العمراني والمعالم الأثرية الخالدة في سيدي الهواري

يضم حي سيدي الهواري مجموعة من أندر المعالم التراثية في شمال إفريقيا، والتي تجمع بين التراث العسكري الإسلامي والإسباني والعثماني:

المعلم التاريخيتاريخ التشييدالجهة المشيدة / الطرازالأهمية والوظيفة التراثية
قصر الباي (Palais du Bey)الباي محمد الكبير / عثماني مغاربيمقر ديوان البايلك، يضم قاعة العرش، الديوان، الحرم، وأبراجاً للمراقبة على البحر.
مسجد الباشا (Mosquée du Pacha)بأمر من حسن باشا داي الجزائر / طراز أندلسي عثمانيبُني بأموال فدية الأسرى الإسبان، ويتميز بمئذنته المثمنة المزخرفة بالقاشاني الأندلسي البديع.
حمام الترك (حمام الباشا)أواخر القرن 18مالعهد العثماني / هندسة المياه التقليديةنموذج متكامل للحمامات الشرقية بنظام تدفئة أرضي وقباب زجاجية لإدخال الضوء الطبيعي.
باب جنة الرزق (Porte d’Espagne)الاحتلال الإسباني (الكونت ألكاوديتي)أحد أقدم المداخل الحصينة لمدينة وهران، يحمل شعارات ونقوشاً عسكرية إيبيرية.
ضريح وزاوية سيدي الهواريالقرن 15م (أعيد ترميمها )طراز مغاربي تقليديالمركز الروحي للمدينة، ومأوى تاريخي لإطعام عابري السبيل وطلبة القرآن الكريم.

التنوع الإثني والتعايش داخل النسيج السكني القديم

تميز حي سيدي الهواري والأحياء المتاخمة له، مثل حي الدرب (Le Derb) وحي الرابطة، بنسيج اجتماعي فريد ضم الجزائريين من مختلف المناطق، إلى جانب جالية أندلسية موريسكية نقلت تقاليد الخزف والزليج والفلاحة في السواني (الحدائق المروية)، وحامية من الإنكشارية والكراغلة، فضلاً عن الطائفة اليهودية التي سكنت “الملاح” ومارست التجارة والصياغة، مما جعل المدينة بيئة خصبة لتبادل المعارف الحرفية والتلاقح اللغوي والموسيقي.

—

4. التحولات المعمارية في العهد الاستعماري: الصراع بين التغريب وتأكيد الهوية

مع سقوط مدينة وهران تحت نير الاحتلال الفرنسي في يناير ، شهدت الباهية عمليات إعادة هيكلة عمرانية عنيفة استهدفت طمس المعالم الإسلامية وتفكيك بنيتها التراثية لصالح مخطط استيطاني يربط المدينة بالمنظومة الاستعمارية الفرنسية (Période coloniale).

الهدم وإعادة التخطيط على الطراز الهوسماني

قامت السلطات العسكرية الفرنسية بهدم أجزاء واسعة من الأسوار العتيقة لحي سيدي الهواري ومصادرة الأوقاف الإسلامية، وتحويل العديد من المساجد إلى كنائس أو ثكنات وإسطبلات عسكرية. وابتداءً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، توسعت المدينة شرقاً خارج أسوارها التاريخية باتجاه الهضبة، حيث أُنشئت شوارع فسيحة تحاكي طراز البارون هوسمان في باريس، وبنايات باروكية وكلاسيكية حديثة تعكس هيمنة الإدارة الاستعمارية.

بروز الطراز “النيوموريسكي” (Néo-Mauresque) والأرت ديكو (Art Déco)

مع مطلع القرن العشرين، وظهور ما سُمي بـ “السياسة الأهلية” للحاكم العام شارل جونار، برز الطراز المعماري المغاربي الجديد (Le style néo-mauresque) كمحاولة فرنسية لاقتباس العناصر الجمالية للهندسة الإسلامية (الأقواس، القرميد الأخضر، الشرفات المزخرفة، والفسيفساء) وتوظيفها في مبانٍ إدارية حديثة. وتزامن ذلك مع انتشار أسلوب الأرت ديكو والأرت نوفو في الثلاثينيات والأربعينيات، مما جعل وهران لوحة تجمع مدارس معمارية نادرة في حوض المتوسط.

أبرز شواهد العمارة الاستعمارية والنيوموريسكية في وهران:

  • محطة قطار وهران (Gare d’Oran): تُعد تحفة معمارية بنيت على الطراز النيوموريسكي؛ حيث تشبه في تصميمها الخارجي مسجداً كبيراً يعلوه برج ساعة أشبه بالمئذنة، ونوافذ ذات أقواس حدوية مزينة بالزليج والخط العربي.
  • المسرح الجهوي لوهران “عبد القادر علولة” (Grand Théâtre): شُيّد عام 1907م على الطراز الأوبرالي الإيطالي في ساحة أول نوفمبر (ساحة السلاح سابقاً)، وشهد لاحقاً ولادة أعظم الأعمال المسرحية الجزائرية الملتزمة.
  • مبنى دار البلدية (Hôtel de Ville): يتميز بمدخله المهيب المحروس بتمثالين من البرونز لأسدين وهرانيين، أبدعهما النحات الفرنسي الشهير أوغست كاين (Auguste Cain) عام 1888م تخليداً لأصل اسم المدينة.
  • كاتدرائية القلب الأقدس (Cathédrale du Sacré-Cœur): مبنى ديني ضخم بُني بالإسمنت المسلح بين 1903 و1913 وفق الطراز البيزنطي-الروماني، وتم تحويله بعد الاستقلال إلى مكتبة بلدية عامة تشع بالعلم والمعرفة.

يمكن للقارئ والباحث الشغوف التعمق أكثر في الدراسات الميدانية وتحليلات الحقب المفصلية للثورة والعمران في بلادنا عبر متابعة تقارير قسم التاريخ في منصة أخبار الجزائر، الذي يواكب بانتظام جهود صون الذاكرة والتوثيق الأكاديمي الجزائري.

—

5. التراث الثقافي غير المادي: روح الباهية وإبداعها الإنساني

لا يقتصر التراث في وهران على الصخور والحجارة والقباب الصامدة، بل يتجلى بعمق في تراثها اللامادي الغني الذي يمثل روح الشعب الجزائري، وأسلوب عيشه، ونبضه الإبداعي المتوارث جيلاً بعد جيل عبر تقاليد شفوية، موسيقية، وطقوس احتفالية راسخة.

موسيقى الراي: من رحم الشعر البدوي والملحون إلى العالمية

يمثل فن الراي الركيزة الأكثر شهرة للتراث الموسيقي الوهراني. ورغم أن البعض يربطه بالنسق الحداثي الغربي، فإن أصوله الحقيقية متجذرة في أعماق الشعر الملحون البدوي الذي كانت تتغنى به شيوخ وشيخات القطاع الوهراني (في معسكر، سيدي بلعباس، عين تموشنت، ومستغانم) برفقة آلتي القصبة والقلال.

احتضنت وهران هذا الفن في مقاهيها الشعبية بحي سيدي الهواري وحي “المدينـة الجديدة” (Ville Nouvelle) وسوق “المدينة الجديدة” العريق، وطورته على يد أسماء فنية رائدة مثل الشيخ حمادة، والشيخة ريميتي، وأحمد وهبي، وبلاوي الهواري، الذين زاوجوا بين النمط الوهراني الكلاسيكي والإيقاعات العصرية. وفي ديسمبر ، توج هذا الإرث العريق بتسجيل أغنية الراي رسمياً من طرف منظمة اليونسكو (UNESCO) ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية باسم الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

الأزياء التقليدية: “البلوزة الوهرانية” رمز الأناقة والأصالة

تحتل البلوزة الوهرانية مكانة الصدارة في التراث الملبوسي لنساء الغرب الجزائري. نشأت البلوزة من التلاقح الحضاري بين التراث الأندلسي واللباس التقليدي التلمساني وتطورات الخياطة العصرية في وهران، وتتميز بصدرها المطرز يدوياً بالخيوط الذهبية والفضية وخرز “السمسم” والأحجار الكريمة على أقمشة الحرير والساتان والقطيفة. تعتبر البلوزة الوهرانية قطعة أساسية لا غنى عنها في جهاز العروس الجزائرية ومحافل الأعراس الوطنية والدولية كشاهد على براعة الحرفي الجزائري.

المطبخ الوهراني: فن الطهي المتوسطي بروح جزائرية

يعكس المطبخ الوهراني التنوع التاريخي للمدينة وتفاعلها مع الحضارات المتوسطية؛ ومن أشهر أطباقه التراثية:

  • الكرنتيكا (Karantika / Calentica): الأكلة الشعبية الأسطورية في وهران، يعود ابتكارها بحسب الروايات التاريخية إلى الجنود الإسبان المحاصرين داخل حصن سانتا كروز في القرن السادس عشر حين نفدت المؤن ولم يبق سوى طحين الحمص والماء والزيت، فأضحى هذا الطبق البسيط رمزاً وهرانوياً بامتياز يؤكل ساخناً مع مسحوق الكمون والهريسة الجزائرية الحارة.
  • المونة (La Mouna): بريوش تقليدي معطر بماء زهر البرتقال وحبات الحبة الحلوة وقشور الليمون، ارتبط تاريخياً باحتفالات الربيع وعيد الفصح لدى الجاليات المتوسطية، وسرعان ما تبناه المجتمع الوهراني ليصبح رفيق جلسات الشاي الأصيلة.
  • أطباق السمك والمحار والكسكسي الوهراني: تشتهر موانئ وهران والمرسى الكبير و”كاب فالكون” بإعداد “الشربة البيضاء بالسمك”، وطواجن السردين بالعقدة، وكسكسي “الحوت” المتبل بنكهات أعشاب جبل مرجاجو.

—

6. تسلسل زمني ومقارنة توثيقية لمعالم وهران التاريخية

لتتبع مسار التطور العمراني والعسكري لمدينة وهران وفهم تعاقب الحضارات عليها، يقدم الجدول الزمني التالي أهم المحطات المفصلية في تاريخ الباهية:

السنة / الفترةالحدث التاريخيالأثر المعماري والتراثي المترتب
903متأسيس وهران من قِبل بحارة الأندلستخطيط النواة الأولى للمدينة عند مصب وادي الرحي وبناء المرفأ والمسجد الجامع.
1350 – 1439معصر الإمام سيدي الهواري (الدولة الزيانية)ازدهار الحركة العلمية والزوايا وتشييد الأربطة الصوفية والمدارس الفقهية.
1509مسقوط وهران تحت الاحتلال الإسبانيتحويل المساجد إلى كنائس وبدء تشييد منظومة الحصون والأسوار الدفاعية.
1577 – 1604مبناء حصن وقلعة سانتا كروزإرساء أعلى نقطة مراقبة عسكرية على قمة جبل مرجاجو وحفر السراديب الجبلية.
1708مالتحرير الأول على يد الباي بوشلاغمنقل مقر بايلك الغرب إلى وهران وإعادة تهيئة الصروح الإسلامية.
1790مزلزال وهران العنيفتدمير ثلثي المنشآت الإسبانية وانهيار القلاع العسكرية المحاصرة.
1792مالتحرير النهائي بقيادة الباي محمد الكبيربناء قصر الباي، مسجد الباشا، حمام الترك، وإطلاق نهضة التعمير الشاملة.
1831مبداية الاحتلال الاستعماري الفرنسيتغيير النسيج الحضري، تشييد الأحياء الهوسمانية، والمباني النيوموريسكية والأرت ديكو.
1962م – اليوماسترجاع السيادة الوطنية الجزائريةتصنيف المعالم الوطنية، ترميم حي سيدي الهواري وحصن سانتا كروز، وتسجيل التراث اللامادي.

—

7. تصحيح مفاهيم مغلوطة حول تاريخ وهران وتراثها

نتيجة لكثرة التدوينات غير المحققة والدراسات الكولونيالية الموجهة إبان القرن التاسع عشر، تسللت بعض المغالطات التاريخية حول هوية وتراث وهران، وهو ما نوضحه بالدليل التاريخي والوثائقي:

⚠️ المفهوم المغلوط الأول: “وهران مدينة شيدها الإسبان من العدم ولم تكن موجودة قبلهم”

الحقيقة التاريخية: وهران كانت مدينة إسلامية حضرية مزدهرة وميناءً تجارياً دولياً أسسه الأندلسيون عام 903م (أي قبل الغزو الإسباني بأكثر من 600 عام). وقد احتوت في عهد الزيانيين على أسواق ومدارس ومساجد زارها ابن خلدون والشريف الإدريسي ووثقوا عظمتها ومكانتها التجارية المرموقة، وما قام به الإسبان لم يتعدَّ تحصين الموقع العسكري المحتل داخل أسوار معزولة.

⚠️ المفهوم المغلوط الثاني: “فن الراي هو فن غربي نشأ في الملاهي ولا صلة له بالتراث الجزائري القديم”

الحقيقة التاريخية: موسيقى الراي متجذرة أصلاً في “البدوي الوهراني” وقصائد الشعر الملحون الصوفي والغزلي والاجتماعي التي تعود إلى قرون خلت في سهول الغرب الجزائري. استخدام الآلات الكهربائية الحديثة في سبعينيات القرن العشرين كان مجرد تطور تقني لقالب لحني وإيقاعي أصيل يرتكز على طبوع محلية، وهو ما أكدته اليونسكو في ملف تصنيفه كتراث وطني وإنساني.

⚠️ المفهوم المغلوط الثالث: “زلزال 1790م أباد الوجود الجزائري تماماً في وهران”

الحقيقة التاريخية: الزلزال دمر أساساً المنشآت العسكرية الاستعمارية الإسبانية التي كانت تفتقر إلى المرونة الإنشائية وتتكدس فيها الحامية، في حين كان محيط وهران وقبائلها على أهبة الاستعداد لدخول المدينة وإعادة إعمارها بهندسة أكثر إشراقاً وتطويراً على يد الباي محمد الكبير ومهندسيه الجزائريين والتونسيين والمغاربة.

—

8. دليل عملي: كيف تستكشف وتوثق تراث وهران؟

لكل من يزور حاضرة الغرب الجزائري من سياح وباحثين وهواة استكشاف التراث، نقترح هذا المسار التوثيقي المتكامل لاستكشاف شواهد الباهية:

أ. مسار الزيارة التراثية الميدانية (مسار اليوم الكامل):

  1. الفترة الصباحية (قمة مرجاجو والتاريخ العسكري):
    • الصعود عبر التيليفيريك (مصعد وهران الهوائي) أو عبر طريق الجبل إلى قلعة سانتا كروز للاستمتاع بإطلالة بانورامية تأسر الألباب على الخليج والمرسى الكبير.
    • زيارة كنيسة سانتا كروز المجاورة والتعرف على هندسة القباب الجبلية وخزانات المياه الأثرية.
  2. فترة الظهيرة (نبض سيدي الهواري والأزقة القديمة):
    • النزول نحو الحي العتيق لزيارة ضريح الإمام سيدي الهواري، ثم التوجه إلى قصر الباي ومسجد الباشا وحمام الترك.
    • تناول وجبة غداء وهرانية تقليدية (طبق الكرنتيكا الساخنة مع المشروب المحلي أو أطباق السردين الطازجة) في مطاعم الحي التاريخي الشعبية.
  3. الفترة المسائية (وسط المدينة والكورنيش):
    • جولة في ساحة أول نوفمبر وزيارة واجهة مسرح عبد القادر علولة ودار البلدية.
    • المشي عبر شارع الصومام ومحطة القطار النيوموريسكية، واختتام الجولة بمشاهدة غروب الشمس على كورنيش “واجهة البحر” (Front de Mer).

ب. دليل الباحث الأكاديمي في تاريخ وهران:

  • المصادر الوثائقية والأرشيفية: مراجعة وثائق المركز الوطني للأرشيف الجزائري، وسجلات المحاكم الشرعية للباهية خلال العهد العثماني، إلى جانب المخطوطات المحفوظة بالمكتبة الوطنية بالحامة.
  • المراكز البحثية المتخصصة: الاستفادة من منشورات مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (CRASC) الكائن مقره بوهران، والذي يُعد المرجع العلمي الأبرز في دراسات التراث الشفوي والمجتمعي للغرب الجزائري.
  • المتاحف التوثيقية: زيارة المتحف العمومي الوطني “أحمد زبانة” بوهران، الذي يضم أقساماً متخصصة في الآثار القديمة، والنقود الإسلامية، والفنون الجميلة، وتاريخ المقاومة الوطنية.

—

9. قسم الأسئلة الشائعة (FAQ) حول التراث في وهران

1. ما معنى كلمة “وهران” في أصل التسمية التاريخية؟

ترجع التسمية الأكثر ترجيحاً لدى المؤرخين واللسانيين إلى الأصل الأمازيغي “وهران” (بصيغة المثنى: وهرين/وهير)، ومفرده “وهر” بمعنى الأسد. وتشير الأساطير المحلية والوثائق القديمة إلى أن جبال وغابات المنطقة كانت موطناً لآخر سلالات أسود الأطلس الإفريقية، ومن هنا خُلد رمزا الأسدين المنحوتين أمام دار بلدية وهران تعبيراً عن هذه التسمية العريقة.

2. ما هو أهم معلم تاريخي يجب زيارته للتعرف على تراث وهران؟

يعد حي سيدي الهواري بما يحتويه من معالم مجمعة (قصر الباي، مسجد الباشا، قلعة سانتا كروز المشرفة عليه من الأعلى) المعلم الأكثر شمولية؛ حيث يلخص في بقعة جغرافية واحدة أكثر من ألف عام من التحولات التاريخية والتفاعل الحضاري بين الأندلسيين، العثمانيين، الإسبان، والجزائريين.

3. كيف ساهمت وهران في إثراء التراث الثقافي اللامادي العالمي؟

ساهمت وهران في التراث العالمي من خلال إشعاع فن الراي الشعبي الذي سُجل لدى منظمة اليونسكو عام 2022، بالإضافة إلى حفظها للعديد من طبوع الملحون والأزياء الأصيلة كـ البلوزة الوهرانية، وتقاليد الطهي المتوسطية المغاربية التي تجسد ثقافة التسامح والانفتاح عبر التاريخ.

4. ما هي الجهود المبذولة حالياً لترميم وصيانة تراث وهران العتيق؟

أطلقت وزارة الثقافة والفنون الجزائرية بالتعاون مع ولاية وهران والمجتمع المدني مخططات دائمة لحماية وترميم القطاع المحفوظ لحي سيدي الهواري، وإعادة تأهيل قصر الباي ومسجد الباشا، ومواصلة عمليات التدعيم الهندسي للبنايات القديمة المصنفة ذات الطراز النيوموريسكي والأرت ديكو لحمايتها من الاندثار.

—

10. خاتمة: الباهية وهران.. ذاكرة لا تشيخ ورسالة أجيال

تظل وهران، بكل ما تحمله من ألق وشواهد، أسطورة التاريخ الجزائري الحي، ورمزاً للتحدي والانبعاث الدائم من تحت ركام الأزمات والحروب. إن الشواهد الراسخة في حي سيدي الهواري، والشمس الغاربة خلف أسوار سانتا كروز، والألحان الصداحة من حناجر شيوخها، ليست مجرد صفحات من الماضي انقضت، بل هي لبنات صلبة ترتكز عليها الشخصية الجزائرية المعاصرة في اعتزازها بأصالتها وانفتاحها على المستقبل والمتوسط.

إن حماية هذا الموروث الضخم والتعريف به مسؤولية جماعية تتجاوز أسوار المتاحف؛ إنه واجب وطني لحفظ الذاكرة الشعبية من التشويه والنسيان، ولغرس روح الانتماء لدى الأجيال الصاعدة التي تتفيأ ظلال هذه القلاع الشامخة. تبقى وهران كما كانت دوماً: باهية بعمرانها، عصية بصمودها، ودافئة بقلوب أهلها وشهدائها الأبرار.

انضم إلى مسيرة استكشاف التراث الجزائري!

اكتشف المزيد من روائع تاريخ الجزائر ومدنها التاريخية العريقة عبر تصفح
قسم التاريخ في أخبار الجزائر.

شاركنا رأيك في التعليقات: ما هو المعلم التاريخي الأكثر تأثيراً في نفسك عند زيارة وهران؟ وما هي المدينة التراثية الجزائرية التي ترغب في أن نخصص لها دراستنا التوثيقية القادمة؟

—

المصادر والمراجع الأكاديمية المعتمدة

  1. عبد الرحمن بن خلدون: ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر (تاريخ ابن خلدون)، دار الفكر، بيروت.
  2. أبو عبيد الله البكري: المسالك والممالك، تحقيق جمال طلبة، دار الكتب العلمية، بيروت.
  3. د. يحيى بوعزيز: تاريخ وهران عبر العصور، دار الغرب للنشر والتوزيع، وهران، الجزائر.
  4. د. صديق بن قادة (Saddek Benkada): دراسات تاريخية وعمرانية حول مدينة وهران في العهدين العثماني والاستعماري، منشورات مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (CRASC)، وهران.
  5. محفوظ قداش (Mahfoud Kaddache): L’Algérie durant la période ottomane، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية.
  6. دييغو دي هايدو (Diego de Haëdo): تاريخ ملوك الجزائر (Topografía e historia general de Argel)، ترجمة وتحقيق د. العربي الزبيري، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر.
  7. منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO): الملف الرسمي لتصنيف أغنية الراي الجزائرية ضمن التراث اللامادي للبشرية، باريس، 2022.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى