الدعاية الكاذبة في الجزائر: مسؤولية قانونية وتداعياتها

هل شعرت يوماً بالخداع بعد شراء منتج بناءً على إعلان برّاق يعدك بمواصفات خيالية، لتكتشف أن الواقع مختلف تماماً؟ أنت لست وحدك. الدعاية الكاذبة في الجزائر ليست مجرد ممارسة تجارية غير أخلاقية، بل هي مخالفة يعاقب عليها القانون بصرامة لحماية المستهلك وضمان نزاهة السوق. فهم حقوقك وآليات تقديم الشكوى هو خطوتك الأولى لاسترجاع حقك وردع هذه الممارسات.
في هذا المقال التحليلي، سنغوص في أعماق التشريع الجزائري لنكشف عن المسؤولية القانونية الكاملة المترتبة على الإشهار الكاذب، الإجراءات العملية التي يمكنك اتخاذها، والوثائق المطلوبة لتقديم شكوى فعالة لدى الجهات المختصة.
ما هو تعريف الدعاية الكاذبة في القانون الجزائري؟
قبل الخوض في الإجراءات والعقوبات، من الضروري تحديد ما يعنيه القانون بـ “الدعاية الكاذبة” أو “الإشهار التجاري غير الشرعي”. لا يترك المشرع الجزائري هذا المفهوم غامضاً، بل يضع له إطاراً واضحاً، خاصة من خلال القانون رقم 09-03 المؤرخ في 25 فبراير 2009، المتعلق بحماية المستهلك وقمع الغش.
يعتبر الإشهار كاذباً أو خادعاً كل إشهار يتم بأي شكل من الأشكال، إذا كان يؤدي أو من شأنه أن يؤدي إلى تضليل المستهلك، ويمكن أن يؤثر على سلوكه الاقتصادي. يشمل ذلك الادعاءات أو البيانات أو العروض الكاذبة التي تتعلق بواحد أو أكثر من العناصر التالية:
- طبيعة المنتج أو الخدمة: الادعاء بأن منتجاً مصنوعاً من الجلد الصناعي هو جلد طبيعي.
- مكونات المنتج: الترويج لعصير على أنه “طبيعي 100%” بينما يحتوي على مواد حافظة ومنكهات صناعية.
- كمية المنتج: بيع عبوة يبدو حجمها كبيراً لكنها نصف فارغة.
- مصدر أو منشأ المنتج: وسم منتج مستورد على أنه “منتج جزائري أصلي”.
- سعر المنتج وشروط البيع: الإعلان عن “تخفيض 50%” على سعر تم تضخيمه مسبقاً، بحيث يكون السعر النهائي هو السعر الأصلي أو أعلى.
- نتائج استخدام المنتج: الترويج لكريم يعد بإزالة التجاعيد نهائياً في 24 ساعة، وهو أمر مستحيل علمياً.
- هوية أو صفات المعلن: ادعاء شركة أنها حاصلة على شهادات جودة عالمية (مثل ISO) دون أن تكون كذلك فعلاً.
باختصار، أي معلومة يقدمها المعلن وتكون غير صحيحة أو غامضة لدرجة تدفع المستهلك لاتخاذ قرار شراء لم يكن ليتخذه لو عرف الحقيقة، تقع ضمن نطاق الدعاية الكاذبة.
السند القانوني لمكافحة الإشهار الكاذب في الجزائر
ترتكز المنظومة القانونية الجزائرية على عدة نصوص أساسية لمواجهة هذه الظاهرة، أهمها:
1. القانون رقم 09-03 المتعلق بحماية المستهلك وقمع الغش
هذا هو القانون المحوري. المادة 28 منه تنص صراحة على أنه “يمنع كل إشهار تجاري، مهما كان شكله، يتضمن ادعاء أو بيانا أو عرضا كاذبا من شأنه أن يوقع المستهلك في الخطأ حول أحد عناصر العرض التجاري”. هذا القانون لا يكتفي بالمنع، بل يحدد آليات الرقابة والعقوبات.
2. القانون رقم 04-02 المحدد للقواعد المطبقة على الممارسات التجارية
يكمل هذا القانون النص السابق، حيث يركز على ضمان المنافسة النزيهة وشفافية الممارسات التجارية. يعتبر الإشهار الكاذب ممارسة تجارية غير نزيهة تضر بالمنافسين الشرفاء وبالمستهلكين على حد سواء.
3. الأمر رقم 66-156 المتضمن قانون العقوبات
في الحالات الأكثر خطورة، يمكن أن ترتقي الدعاية الكاذبة إلى مستوى جريمة النصب والاحتيال، المنصوص عليها في المادة 372 من قانون العقوبات، خاصة إذا كانت جزءاً من مخطط منظم يهدف إلى الاستيلاء على أموال الغير باستعمال وسائل احتيالية.
كيفية تقديم شكوى ضد دعاية كاذبة: الإجراءات خطوة بخطوة
إذا وقعت ضحية لإشهار مضلل، لا تتردد في اتباع المسار القانوني. الخطوات التالية توضح لك كيفية التحرك بفعالية.
الخطوة الأولى: جمع الأدلة (أهم خطوة)
قبل أي شيء، قم بتوثيق كل شيء. القضاء والإدارة يعتمدان على الأدلة المادية. ملفك يجب أن يكون قوياً. اجمع ما يلي:
- دليل على الإعلان: التقط صورة أو لقطة شاشة (Screenshot) للإعلان على الإنترنت، احتفظ بالمنشور الورقي (Flyer)، سجل المقطع الصوتي أو الفيديو. تأكد من ظهور اسم المعلن وتاريخ الإعلان.
- إثبات الشراء: الفاتورة، وصل الدفع (Bon de caisse)، أو أي مستند يثبت أنك اشتريت المنتج أو الخدمة المعنية.
- إثبات الخداع: صور للمنتج الفعلي تظهر عدم مطابقته للمواصفات المعلن عنها، تقرير خبير (إن أمكن)، شهادات من مستهلكين آخرين.
- المراسلات: احتفظ بنسخ من أي رسائل بريد إلكتروني أو محادثات مع البائع حاولت فيها حل المشكلة ودياً.
الخطوة الثانية: تقديم شكوى إدارية (المسار المفضل)
الجهة الرسمية الأولى التي يجب اللجوء إليها هي مديرية التجارة وترقية الصادرات للولاية التي يقع فيها المحل التجاري أو مقر الشركة. هذه المديريات تملك فرق رقابة وقمع الغش المؤهلة للتحقيق في مثل هذه الشكاوى.
الوثائق المطلوبة (الملف الإداري) لشكوى لدى مديرية التجارة:
- عريضة الشكوى: رسالة مكتوبة بخط اليد أو مطبوعة، تشرح فيها بالتفصيل وقائع القضية (من هو المشتكى منه، ما هو المنتج، أين ومتى تم الشراء، وما هو وجه الخداع في الإعلان). يجب أن تكون واضحة وموجزة.
- نسخة من بطاقة التعريف الوطنية.
- نسخة من جميع الأدلة التي جمعتها (الفاتورة، صور الإعلان، صور المنتج، إلخ).
تودع الشكوى مباشرة في مكتب الاستقبال بمديرية التجارة مقابل وصل استلام. ستقوم مصالح الرقابة بالتحقيق، وفي حال ثبوت المخالفة، تحرر محضراً ضد التاجر المخالف وتحيله إلى وكيل الجمهورية.
الخطوة الثالثة: اللجوء إلى جمعيات حماية المستهلك
تلعب هذه الجمعيات دوراً فعالاً في مساندة المستهلكين. يمكنك تقديم شكواك لديها، حيث يمكنها أن تقدم لك الاستشارة القانونية، وتتوسط لدى التاجر، أو حتى تتبنى قضيتك وترفعها إلى الجهات المختصة، مما يعطيها زخماً أكبر.
الخطوة الرابعة: المسار القضائي (في حال فشل المسارات الأخرى)
إذا لم تسفر الشكوى الإدارية عن نتيجة، أو إذا كان الضرر الذي لحق بك كبيراً، يمكنك اللجوء مباشرة إلى القضاء عبر:
- تقديم شكوى أمام وكيل الجمهورية: تتوجه إلى المحكمة المختصة إقليمياً وتقدم شكوى مباشرة. سيقوم وكيل الجمهورية بفتح تحقيق في القضية.
- رفع دعوى مدنية: يمكنك رفع دعوى أمام القسم المدني للمحكمة للمطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي لحق بك.
نصيحة الخبير القانوني
لا تستهن بقوة التوثيق الرقمي. عند التعامل مع إعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي أو المتاجر الإلكترونية، خذ دائماً لقطة شاشة (Screenshot) للإعلان وصفحة الدفع. الأهم من ذلك، تأكد من أن لقطة الشاشة تحتوي على التاريخ والوقت وعنوان الموقع (URL). هذه التفاصيل الصغيرة قد تكون حاسمة في إثبات قضيتك أمام المحققين أو القاضي.
العقوبات المترتبة على الدعاية الكاذبة والمضللة
حدد المشرع الجزائري عقوبات صارمة لردع المتورطين في الإشهار الكاذب، وتتدرج هذه العقوبات بحسب خطورة الفعل وتأثيره. ينص القانون 09-03 على عقوبات مالية وجزائية.
| نوع العقوبة | التفصيل وفقاً للقانون 09-03 |
|---|---|
| غرامة مالية | يعاقب بغرامة تتراوح من 100,000 دج إلى 1,000,000 دج (وفقاً للمادة 61 من القانون 09-03). |
| عقوبة الحبس | يمكن أن تصل العقوبة إلى الحبس من شهرين (2) إلى سنتين (2) في حال نتج عن الإشهار الكاذب بداية تنفيذ لعملية غش أو خداع للمستهلك. |
| مضاعفة العقوبة | في حالة العود (تكرار المخالفة)، تتم مضاعفة العقوبات المالية والجزائية. |
| عقوبات تكميلية | يمكن للمحكمة أن تأمر بعقوبات إضافية مثل:
|
تنبيه هام: مسؤولية وكالات الإشهار
يعتقد الكثيرون أن صاحب المنتج هو المسؤول الوحيد. لكن القانون الجزائري يذهب أبعد من ذلك. يمكن تحميل وكالة الإشهار أو الوسيلة الإعلامية التي بثت الإعلان المسؤولية إذا ثبت أنها كانت على علم بالطابع المضلل للإعلان أو لم تقم بواجب التحري اللازم. لذا، المسؤولية مشتركة ومتضامنة في كثير من الأحيان.
الأسئلة الشائعة (FAQ) حول الدعاية الكاذبة
1. ما الفرق بين المبالغة المقبولة في الإعلان (Puffery) والدعاية الكاذبة؟
المبالغة المقبولة هي عبارات ذاتية لا يمكن إثبات صحتها أو خطئها بشكل موضوعي، مثل “أفضل قهوة في المدينة” أو “عطر لا يقاوم”. أما الدعاية الكاذبة فتتضمن ادعاءات واقعية وكاذبة يمكن التحقق منها، مثل “سيارة تقطع 100 كم بلتر واحد من الوقود” بينما هي تستهلك 5 لترات، أو “منتج معتمد من وزارة الصحة” وهو ليس كذلك. الخط الفاصل هو إمكانية التضليل بناءً على حقيقة مزعومة وقابلة للقياس.
2. هل يمكنني مقاضاة “مؤثر” (Influencer) على مواقع التواصل الاجتماعي قام بالترويج لمنتج كاذب؟
نعم. وفقاً للقانون، يعتبر المؤثر الذي يروج لمنتج مقابل أجر بمثابة معلن. إذا قام بتقديم معلومات كاذبة أو مضللة عن المنتج بشكل واعٍ، يمكن اعتباره شريكاً في عملية الدعاية الكاذبة ويمكن متابعته قضائياً إلى جانب صاحب المنتج. على المؤثرين واجب التحري والصدق فيما يروجون له.
3. اشتريت منتجاً من صفحة على فيسبوك بدون فاتورة، هل يمكنني تقديم شكوى؟
نعم، لكن الأمر سيكون أصعب. عدم وجود فاتورة يضعف موقفك لكنه لا يلغيه. يمكنك استخدام أدلة أخرى مثل لقطات الشاشة للمحادثة التي تثبت عملية البيع، وإثبات تحويل الأموال (إن وجد)، وشهادة الشهود. غياب الفاتورة هو بحد ذاته مخالفة تجارية أخرى (عدم الفوترة) يمكنك الإبلاغ عنها لدى مديرية التجارة. هذا يؤكد أهمية طلب الفاتورة دائماً.
4. ما هي مدة التقادم لتقديم شكوى بخصوص إشهار كاذب؟
تخضع هذه المخالفة للقواعد العامة للتقادم في المواد الجزائية. بشكل عام، تتقادم الدعوى العمومية في مواد المخالفات بمرور سنتين (2) كاملتين، وفي مواد الجنح بمرور ثلاث (3) سنوات كاملتين، تبدأ من يوم وقوع الفعل أو من يوم اكتشافه. لذا، من المهم التحرك بسرعة وعدم التماطل في تقديم الشكوى.
يمكنك الاطلاع على آخر الأخبار والتحديثات القانونية عبر موقع akhbardz لمواكبة أي تعديلات تشريعية قد تؤثر على هذه الإجراءات.
خاتمة: كن مستهلكاً واعياً بحقوقك
إن مكافحة الدعاية الكاذبة في الجزائر ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من المستهلك نفسه. من خلال معرفة حقوقك، والاحتفاظ بالأدلة، وعدم التردد في الإبلاغ عن الممارسات المضللة، فإنك لا تدافع عن حقك الشخصي فحسب، بل تساهم في تنقية السوق التجاري وحماية آلاف المستهلكين الآخرين. القانون في صفك، والآليات موجودة، ويبقى دورك في تفعيلها.
المصادر والمراجع
- القانون رقم 09-03 المؤرخ في 25 فبراير 2009، المتعلق بحماية المستهلك وقمع الغش. (الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية).
- القانون رقم 04-02 المؤرخ في 23 يونيو 2004، الذي يحدد القواعد المطبقة على الممارسات التجارية.
- الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم.
- الموقع الرسمي لوزارة التجارة وترقية الصادرات الجزائرية.




