السفتجة والكمبيالة في القانون الجزائري شرح مفصل

في عالم المعاملات التجارية والمالية في الجزائر، يواجه العديد من التجار وأصحاب الأعمال تحدياً كبيراً يتمثل في ضمان تحصيل ديونهم وتأمين حقوقهم المالية. إن الاعتماد على الوعود الشفهية أو الفواتير العادية قد لا يوفر الحماية القانونية الكافية. هنا تبرز أهمية أداتين قانونيتين حاسمتين: السفتجة والكمبيالة. فهم آلية عمل هذين السندين التجاريين، شروطهما، والفرق بينهما ليس مجرد ثقافة قانونية، بل هو ضرورة عملية لحماية نشاطك التجاري وتسهيل الائتمان. في هذا المقال المفصل، سنغوص في أعماق القانون التجاري الجزائري لنشرح كل ما تحتاج معرفته حول السفتجة والكمبيالة، بدءاً من إنشائهما وصولاً إلى إجراءات المطالبة القضائية بقيمتهما.
ما هي السفتجة والكمبيالة في القانون الجزائري؟
السفتجة والكمبيالة (أو السند لأمر) هما من أهم الأوراق التجارية التي نظمها المشرع الجزائري. ورغم تشابههما في كونهما صكوكاً مكتوبة تتضمن التزاماً بدفع مبلغ معين من النقود في تاريخ محدد، إلا أن بينهما فروقاً جوهرية في الطبيعة والأطراف.
تعريف السفتجة (La Lettre de Change)
السفتجة هي ورقة تجارية ثلاثية الأطراف. هي عبارة عن أمر مكتوب غير معلق على شرط، يصدره شخص يسمى الساحب (Le tireur)، إلى شخص آخر يسمى المسحوب عليه (Le tiré)، بأن يدفع مبلغاً معيناً من النقود بمجرد الاطلاع أو في تاريخ معين أو قابل للتعيين، لشخص ثالث هو المستفيد (Le bénéficiaire).
ببساطة، السفتجة هي “أمر بالدفع”. مثال عملي: تاجر الجملة (الساحب) يبيع بضاعة لتاجر التجزئة (المسحوب عليه) ويطلب منه أن يدفع ثمنها مباشرة لمورد المواد الأولية (المستفيد) في تاريخ لاحق.
تعريف الكمبيالة أو السند لأمر (Le Billet à Ordre)
الكمبيالة، أو كما يسميها القانون التجاري “السند لأمر”، هي ورقة تجارية ثنائية الأطراف. هي عبارة عن تعهد مكتوب غير معلق على شرط، يصدره شخص يسمى المتعهد أو المحرر (Le souscripteur)، بأن يدفع مبلغاً معيناً من النقود بمجرد الاطلاع أو في تاريخ معين أو قابل للتعيين، لشخص آخر هو المستفيد (Le bénéficiaire).
ببساطة، الكمبيالة هي “وعد بالدفع”. مثال عملي: مقاول (المتعهد) يشتري معدات من مورد (المستفيد) ويحرر له كمبيالة يتعهّد فيها بدفع ثمن المعدات بعد ثلاثة أشهر.
السند القانوني المنظم للأوراق التجارية في الجزائر
الإطار القانوني الرئيسي الذي يحكم السفتجة والكمبيالة في الجزائر هو الأمر رقم 75-59 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975، المتضمن القانون التجاري، المعدل والمتمم. وقد خصص المشرع الجزائري الكتاب الرابع من هذا القانون للأوراق التجارية، حيث تناول:
- السفتجة: في المواد من 389 إلى 464.
- السند لأمر (الكمبيالة): في المواد من 465 إلى 471.
هذه المواد تحدد بدقة شروط إنشاء هذه الأوراق، كيفية تداولها، ضمانات الوفاء بها، وإجراءات المتابعة في حالة عدم الدفع.
الشروط الشكلية والموضوعية لإنشاء السفتجة والكمبيالة
لكي تكون الورقة التجارية صحيحة ومنتجة لآثارها القانونية، يجب أن تستوفي شروطاً موضوعية عامة (متعلقة بأي التزام قانوني) وشروطاً شكلية خاصة نص عليها القانون صراحة. إغفال أي من الشروط الشكلية قد يؤدي إلى بطلان الورقة كسفتجة أو كمبيالة.
البيانات الإلزامية في السفتجة (وفقاً للمادة 390 من القانون التجاري)
نصت المادة 390 من القانون التجاري على أن السفتجة يجب أن تشتمل على البيانات التالية وإلا كانت باطلة:
- تسمية “سفتجة”: يجب أن يدرج هذا المصطلح في متن السند نفسه وباللغة التي كتب بها.
- أمر غير معلق على شرط بدفع مبلغ معين: صيغة الأمر يجب أن تكون واضحة ونافذة (مثال: “ادفعوا مقابل هذه السفتجة…”).
- اسم المسحوب عليه: الشخص الذي يجب عليه الدفع.
- تاريخ الاستحقاق: اليوم المحدد للدفع.
- مكان الوفاء: المكان الذي يجب أن يتم فيه الدفع.
- اسم المستفيد: الشخص الذي يجب الدفع له أو لأمره.
- تاريخ ومكان إنشاء السفتجة: لتحديد أهلية الساحب والقانون الواجب التطبيق.
- توقيع الساحب: الشخص الذي أصدر الأمر بالدفع.
البيانات الإلزامية في الكمبيالة (وفقاً للمادة 466 من القانون التجاري)
بالمثل، حددت المادة 466 من القانون التجاري البيانات الإلزامية للسند لأمر (الكمبيالة):
- شرط الأمر أو تسمية “سند لأمر”: يجب أن يدرج المصطلح في متن السند وباللغة المستعملة في تحريره.
- تعهد غير معلق على شرط بدفع مبلغ معين: صيغة التعهد (مثال: “أتعهد بأن أدفع…”).
- تاريخ الاستحقاق.
- مكان الوفاء.
- اسم المستفيد: من يجب الوفاء له أو لأمره.
- تاريخ ومكان إنشاء السند.
- توقيع من أصدر السند (المتعهد).
من الأخطاء الشائعة التي تبطل الورقة التجارية هو تحريرها “للحامل”. القانون التجاري الجزائري، على عكس بعض التشريعات المقارنة، لا يعترف بالسفتجة أو الكمبيالة المحررة للحامل. يجب دائماً ذكر اسم المستفيد بشكل واضح وصريح. السند الخالي من اسم المستفيد يعتبر باطلاً ولا ينتج آثاره كورقة تجارية.
الشروط الموضوعية العامة
إلى جانب البيانات الشكلية، يجب أن تتوفر الشروط العامة لأي تصرف قانوني، وهي: الرضا (خالٍ من عيوب الإكراه والغلط والتدليس)، والأهلية القانونية للأطراف (سن الرشد وعدم وجود عارض من عوارض الأهلية)، والمحل (وهو دائماً مبلغ من النقود)، والسبب (الدافع للالتزام، ويجب أن يكون مشروعاً وغير مخالف للنظام العام والآداب العامة).
جدول مقارنة: الفرق الجوهري بين السفتجة والكمبيالة
لتوضيح الفروق بشكل عملي، إليك هذا الجدول الذي يلخص أهم نقاط الاختلاف بين الأداتين:
| وجه المقارنة | السفتجة (Lettre de Change) | الكمبيالة (Billet à Ordre) |
|---|---|---|
| الطبيعة القانونية | أمر بالدفع صادر من الساحب إلى المسحوب عليه. | تعهد بالدفع صادر من المتعهد للمستفيد. |
| عدد الأطراف عند الإنشاء | ثلاثة: الساحب، المسحوب عليه، المستفيد. | اثنان: المتعهد (المحرر)، المستفيد. |
| الصفة التجارية | تعتبر عملاً تجارياً بحسب شكلها (المادة 3 من ق.ت) بغض النظر عن صفة أطرافها. | لا تكون تجارية إلا إذا حررت بمناسبة عمل تجاري. |
| إجراء القبول | ضروري، حيث يجب تقديمها للمسحوب عليه ليوقع عليها بالقبول ويصبح الملتزم الرئيسي. | غير موجود، لأن محررها هو الملتزم الأصلي بالدفع. |
| مقابل الوفاء | يشترط وجود رصيد أو دين للساحب لدى المسحوب عليه (مقابل الوفاء). | لا يشترط وجوده، فالمتعهد يدفع من ماله الخاص. |
الإجراءات العملية المتعلقة بالسفتجة والكمبيالة
لا يقتصر دور الورقة التجارية على إنشائها، بل يمتد إلى تداولها وضمان الوفاء بها.
إنشاء الورقة وتداولها (التظهير – L’endossement)
التظهير هو الإجراء الذي يتم بموجبه نقل ملكية الحق الثابت في السفتجة أو الكمبيالة من المستفيد الأصلي إلى شخص آخر (يسمى المظهر إليه). يتم ذلك عن طريق توقيع المستفيد (المظهر) على ظهر الورقة التجارية. التظهير ينقل جميع الحقوق الناشئة عن الورقة، كما أن المظهر يضمن القبول والوفاء ما لم يشترط خلاف ذلك.
القبول في السفتجة (L’acceptation)
هذا الإجراء خاص بالسفتجة دون الكمبيالة. يجب على حامل السفتجة تقديمها إلى المسحوب عليه قبل تاريخ الاستحقاق ليوقع عليها بما يفيد “القبول”. بمجرد القبول، يصبح المسحوب عليه هو المدين الرئيسي والأصلي بمبلغ السفتجة.
الضمان الاحتياطي (L’aval)
يمكن لأي شخص من الغير (أو حتى أحد الموقعين على الورقة) أن يضمن الوفاء بمبلغ السفتجة أو الكمبيالة كضامن احتياطي. يتم ذلك بكتابة “مقبول كضمان احتياطي” أو أي عبارة مماثلة على الورقة نفسها مع توقيع الضامن. هذا الإجراء يعزز الثقة في الورقة ويزيد من قيمتها الائتمانية.
ماذا تفعل في حالة عدم الوفاء؟ (إجراءات الاحتجاج والتقاضي)
إذا حل تاريخ الاستحقاق وامتنع المدين (المسحوب عليه القابل في السفتجة أو المتعهد في الكمبيالة) عن الدفع، يوفر القانون للحامل سبيلاً قانونياً قوياً لتحصيل حقه، وهو “دعوى الرجوع الصرفي”. لكن هذه الدعوى تتطلب إجراءً أولياً حاسماً.
أولاً: تحرير الاحتجاج (Le Protêt)
الاحتجاج هو وثيقة رسمية يحررها المحضر القضائي (Huissier de Justice) بناءً على طلب حامل الورقة، لإثبات امتناع المدين عن القبول أو عن الوفاء. هذا الإجراء إجباري لممارسة دعوى الرجوع على الملتزمين الآخرين (الساحب، المظهرين، الضامنين). يجب تحرير احتجاج عدم الوفاء في أحد يومي العمل التاليين ليوم الاستحقاق. أي تأخير عن هذا الميعاد قد يسقط حقك في الرجوع على الضامنين.
ثانياً: الوثائق المطلوبة لرفع دعوى قضائية (الملف)
بعد تحرير الاحتجاج، يمكن للحامل رفع دعوى أمام القسم التجاري بالمحكمة المختصة. يتكون ملف الدعوى عادة من الوثائق التالية:
- عريضة افتتاحية للدعوى موقعة من محامٍ معتمد.
- أصل السفتجة أو الكمبيالة التي امتنع عن دفعها.
- أصل محضر الاحتجاج بعدم الوفاء المحرر من طرف المحضر القضائي.
- نسخة من السجل التجاري للمدعي إذا كان تاجراً.
- طابع جبائي بقيمة 20 دينار جزائري (أو حسب ما ينص عليه قانون المالية الساري).
- أي وثائق أخرى تدعم الطلب (فواتير، عقود…).
يمكنك الاطلاع على آخر الأخبار والتحديثات المتعلقة بالإجراءات القضائية عبر بوابات إخبارية موثوقة مثل أخبار الجزائر.
ثالثاً: دعوى الرجوع الصرفي وآجال التقادم
تتميز الدعاوى الناشئة عن السفتجة والكمبيالة بآجال تقادم قصيرة بهدف استقرار المعاملات التجارية. حددت المادة 462 من القانون التجاري هذه الآجال كالتالي:
- الدعاوى ضد المسحوب عليه القابل تتقادم بمضي ثلاث سنوات من تاريخ الاستحقاق.
- دعاوى الحامل ضد المظهرين والساحب تتقادم بمضي سنة واحدة من تاريخ الاحتجاج.
- دعاوى المظهرين ضد بعضهم البعض وضد الساحب تتقادم بمضي ستة أشهر من يوم قيام المظهر بالوفاء أو من يوم رفع الدعوى عليه.
لتسريع إجراءاتك وتجنب بطلان الدعوى، احرص على احترام آجال تحرير الاحتجاج بدقة متناهية. فور حلول تاريخ الاستحقاق وامتناع المدين عن الدفع، توجه مباشرة إلى محضر قضائي في اليوم التالي. الاحتجاج بعدم الوفاء يجب أن يحرر في أحد يومي العمل التاليين ليوم الاستحقاق (المادة 444 من ق.ت). أي تأخير، حتى لو ليوم واحد، قد يكلفك حقك في الرجوع على المظهرين والساحب، ويحصر حقك في مطالبة المدين الأصلي فقط، وهو ما قد يكون متعسراً. السر يكمن في سرعة التحرك واحترام الآجال.
الأسئلة الشائعة (FAQ) حول السفتجة والكمبيالة
هل يمكن لشخص عادي (غير تاجر) أن يتعامل بالسفتجة أو الكمبيالة؟
نعم. بالنسبة للسفتجة، تعتبر عملاً تجارياً بحسب شكلها بغض النظر عن صفة الموقعين عليها. أما الكمبيالة، فتكون مدنية إذا حررها شخص غير تاجر لسبب مدني، وتكون تجارية إذا حررها تاجر لأمور تتعلق بتجارته. في كلتا الحالتين، تخضع الورقة لنفس الأحكام المنصوص عليها في القانون التجاري.
ما هو مصير السفتجة إذا نقص أحد بياناتها الإلزامية؟
كقاعدة عامة، السند الذي ينقصه أحد البيانات الإلزامية المذكورة في المادة 390 لا يصح كسفتجة ويكون باطلاً. ولكن هناك استثناءات نصت عليها نفس المادة: إذا لم يذكر تاريخ الاستحقاق، اعتبرت مستحقة الدفع لدى الاطلاع. وإذا لم يذكر مكان الوفاء، اعتبر المكان المذكور بجانب اسم المسحوب عليه هو مكان الوفاء وموطنه. وإذا لم يذكر مكان إنشائها، اعتبرت منشأة في المكان المذكور بجانب اسم الساحب.
ماذا يعني “التظهير على بياض” وهل هو مسموح به؟
التظهير على بياض هو الذي يقتصر على توقيع المظهر على ظهر الورقة دون ذكر اسم المستفيد الجديد (المظهر إليه). نعم، هذا النوع من التظهير مسموح به في القانون الجزائري. وفي هذه الحالة، يمكن للحامل الجديد إما ملء الفراغ باسمه، أو تظهيرها من جديد على بياض، أو تسليمها لشخص آخر دون أي إجراء، فتنتقل بالمناولة اليدوية.
هل يمكن للمدين أن يدفع جزءاً فقط من مبلغ السفتجة؟
نعم. لا يجوز لحامل السفتجة أن يرفض وفاءً جزئياً. وفي حالة الوفاء الجزئي، يمكن للحامل أن يحرر احتجاجاً بالجزء الباقي غير المدفوع. هذا الإجراء يحفظ حقه في الرجوع على الضامنين بالمبلغ المتبقي.
الخاتمة
في الختام، تمثل السفتجة والكمبيالة أدوات ائتمان ودفع فعالة وحاسمة في ترسانة القانون التجاري الجزائري، وهي مصممة لتوفير السرعة والثقة والأمان في المعاملات المالية. إن إتقان شروطها الشكلية والموضوعية، وفهم آلياتها من تظهير وقبول وضمان، ومعرفة الإجراءات الواجب اتخاذها عند عدم الوفاء، هو أمر لا غنى عنه لكل تاجر أو متعامل اقتصادي يسعى لحماية حقوقه وتسهيل أعماله. إن المعرفة الدقيقة بهذه القواعد، كما يقدمها موقع akhbardz، تمثل خط الدفاع الأول ضد المخاطر المالية وتضمن استقرار التعاملات التجارية.
المصادر والمراجع
- الأمر رقم 75-59 المؤرخ في 20 رمضان عام 1395 الموافق 26 سبتمبر سنة 1975، يتضمن القانون التجاري، المعدل والمتمم.
- الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
- البوابة الرسمية لوزارة العدل الجزائرية.




