الحجز على الراتب في القانون الجزائري شروطه وآثاره

يواجه العديد من المواطنين والدائنين في الجزائر تحديات في تحصيل ديونهم أو يجدون أنفسهم أمام اقتطاع مفاجئ من رواتبهم. يعتبر الحجز على الراتب في القانون الجزائري إجراءً قانونياً دقيقاً ومنظماً يهدف إلى حماية حقوق الدائن دون المساس بالحد الأدنى لمعيشة المدين. لكن ما هي شروطه؟ وكيف تتم إجراءاته عملياً؟ هذا المقال يقدم دليلاً شاملاً ومفصلاً، مدعماً بالنصوص القانونية، لفهم كل جوانب هذا الإجراء الحيوي.
ما هو الحجز على الراتب في القانون الجزائري؟
الحجز على الراتب هو إجراء قانوني يندرج ضمن ما يُعرف بـ “حجز ما للمدين لدى الغير”. بموجب هذا الإجراء، يقوم الدائن (صاحب الحق) باستصدار أمر من القضاء يلزم من خلاله “الغير” (وهو في هذه الحالة جهة العمل أو المشغل) بعدم دفع جزء من راتب المدين (الموظف أو العامل) له مباشرة، وتحويل ذلك الجزء المحجوز إلى الدائن وفاءً للدين المترتب في ذمة المدين.
هذا الإجراء ليس عشوائياً، بل هو محاط بسياج من الضمانات القانونية لحماية الطرفين، ويخضع لأحكام دقيقة وردت أساساً في القانون رقم 08-09 المؤرخ في 25 فبراير 2008، المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
السند القانوني المنظم لإجراءات حجز الأجور
تستند عملية الحجز على الراتب في الجزائر إلى مجموعة من النصوص التشريعية والتنظيمية التي تحدد إطاره وشروطه ونسبه. من الضروري الإلمام بها لفهم أساسه القانوني:
- القانون رقم 08-09 المؤرخ في 25 فبراير 2008، المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية: يعتبر هذا القانون هو الشريعة العامة للإجراءات، حيث نظم “حجز ما للمدين لدى الغير” في المواد من 747 إلى 763، وهي المواد التي تنطبق بشكل مباشر على حجز الرواتب.
- المرسوم رقم 82-302 المؤرخ في 11 سبتمبر 1982: هذا المرسوم هو النص التطبيقي الأساسي الذي يحدد “الحصة القابلة للحجز من الأجور والمرتبات”. إنه يضع جدولاً دقيقاً للنسب المئوية التي يمكن حجزها بناءً على مستوى الراتب، وهو ما سنفصله لاحقاً.
- القانون رقم 90-11 المؤرخ في 21 أبريل 1990، المتعلق بعلاقات العمل (المعدل والمتمم): يؤكد هذا القانون على حماية الأجر ويعطي ديون النفقة امتيازاً على سائر الديون الأخرى.
- القانون رقم 84-11 المؤرخ في 9 يونيو 1984، المتضمن قانون الأسرة (المعدل والمتمم): يكتسي أهمية بالغة لأن ديون النفقة الغذائية (النفقة الزوجية أو نفقة الأبناء) لها الأولوية المطلقة عند تزاحم الدائنين، ويمكن أن تتجاوز نسب الحجز العادية.
شروط الحجز على الراتب: متى يمكن للدائن اللجوء إليه؟
لا يمكن لأي شخص أن يطلب الحجز على راتب شخص آخر لمجرد وجود دين. يجب أن تتوفر شروط صارمة يفرضها القانون، وهي:
1. الشرط الأول: وجود سند تنفيذي
هذا هو الشرط الجوهري. لا يمكن مباشرة أي إجراء حجز دون أن يكون بيد الدائن “سند تنفيذي”. السند التنفيذي هو وثيقة رسمية يقرها القانون وتثبت الحق وتسمح بالتنفيذ الجبري. تشمل السندات التنفيذية وفقاً للمادة 600 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية ما يلي:
- الأحكام والأوامر والقرارات القضائية النهائية الصادرة عن الجهات القضائية العادية والإدارية.
- أوامر الأداء والأوامر على العرائض.
- محاضر الصلح أو الاتفاق.
- العقود التوثيقية، خاصة تلك المتضمنة اعترافاً بدين.
- الشيكات والسفاتج التي لم يتم الوفاء بها.
بدون أحد هذه السندات، يعتبر أي طلب للحجز غير مقبول شكلاً.
2. الشرط الثاني: أن يكون الدين محقق الوجود، حال الأداء، ومعين المقدار
يجب أن يكون الدين ثابتاً وغير متنازع فيه (محقق الوجود)، ومستحق الدفع فوراً (حال الأداء)، وقيمته محددة بدقة (معين المقدار). لا يمكن الحجز من أجل دين مستقبلي أو دين احتمالي أو دين غير محدد القيمة.
3. الشرط الثالث: أن يكون المدين موظفاً أو عاملاً بأجر لدى الغير
يجب أن يكون المدين مرتبطاً بعلاقة عمل مع جهة (شخص طبيعي أو معنوي) تلتزم بدفع أجر أو راتب له بشكل دوري. هذا “الغير” هو الذي سيتم تبليغه بأمر الحجز، وهو من سيقوم بتنفيذ الاقتطاع.
حدود الحجز: ما هي النسبة المئوية التي يمكن حجزها من الراتب؟
وهنا تكمن أهم ضمانة للمدين. المشرع الجزائري منع حجز الراتب كاملاً لضمان بقاء حد أدنى للمعيشة. النسب القابلة للحجز محددة بدقة في المرسوم رقم 82-302 وهي نسب تصاعدية حسب شريحة الراتب الشهري. يتم حسابها على أساس “الأجر الصافي” بعد خصم اشتراكات الضمان الاجتماعي والضريبة على الدخل الإجمالي (IRG).
فيما يلي جدول يلخص الحصص القابلة للحجز من الأجر الشهري الصافي:
| شريحة الأجر الشهري الصافي (دج) | النسبة القابلة للحجز |
|---|---|
| الشريحة التي تقل أو تساوي ضعف الأجر الوطني الأدنى المضمون (SNMG) | يتم تحديدها سنوياً بمرسوم (عادة تكون نسبة منخفضة جداً أو معدومة لحماية الأجور الدنيا) |
| الشريحة التي تفوق ضعف الـ SNMG وتقل أو تساوي 3 أضعافه | 1/10 (10%) |
| الشريحة التي تفوق 3 أضعاف الـ SNMG وتقل أو تساوي 4 أضعافه | 1/5 (20%) |
| الشريحة التي تفوق 4 أضعاف الـ SNMG وتقل أو تساوي 5 أضعافه | 1/4 (25%) |
| الشريحة التي تفوق 5 أضعاف الـ SNMG وتقل أو تساوي 6 أضعافه | 1/3 (33.33%) |
| الشريحة التي تفوق 6 أضعاف الـ SNMG وتقل أو تساوي 7 أضعافه | 1/2 (50%) |
| الشريحة التي تفوق 7 أضعاف الـ SNMG | غير محددة (تترك لتقدير القاضي ولكنها لا يمكن أن تكون كاملة) |
إجراءات الحجز على الراتب خطوة بخطوة
تتم عملية الحجز عبر مراحل قضائية دقيقة يشرف عليها المحضر القضائي وتتم تحت رقابة القضاء.
المرحلة الأولى: استصدار أمر الحجز
يقوم الدائن، مزوداً بسنده التنفيذي، بتقديم عريضة (طلب) إلى رئيس المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها موطن المدين. يطلب فيها إصدار “أمر حجز ما للمدين لدى الغير”. بعد التأكد من وجود السند التنفيذي، يصدر رئيس المحكمة الأمر المطلوب.
المرحلة الثانية: تبليغ أمر الحجز
يقوم المحضر القضائي بتبليغ نسخة من أمر الحجز إلى الطرفين المعنيين:
- الغير المحجوز لديه (جهة العمل): هذا التبليغ هو الأهم، فبمجرد استلامه، يلتزم المشغل قانوناً بحجز المبالغ المحددة وعدم تسليمها للموظف المدين. أي مخالفة تعرضه للمسؤولية الشخصية.
- المدين المحجوز عليه (الموظف): يتم تبليغه أيضاً بأمر الحجز ليكون على علم بالإجراء المتخذ ضده.
يجب أن يتضمن التبليغ إنذاراً للمشغل بضرورة التصريح بما في ذمته للموظف خلال 10 أيام.
المرحلة الثالثة (الحاسمة): رفع دعوى صحة الحجز
أمر الحجز هو إجراء تحفظي ومؤقت. لكي يصبح نهائياً، أوجب القانون على الدائن (الحاجز) رفع دعوى قضائية أمام محكمة الموضوع تسمى “دعوى صحة الحجز”. يجب رفع هذه الدعوى خلال أجل لا يتجاوز 30 يوماً من تاريخ تبليغ أمر الحجز. إذا لم يقم الدائن برفع هذه الدعوى خلال الأجل المحدد، يعتبر الحجز كأن لم يكن ويزول أثره بأثر رجعي.
المرحلة الرابعة: صدور حكم صحة الحجز والتنفيذ النهائي
بعد رفع دعوى صحة الحجز، تفصل المحكمة في النزاع. إذا تأكدت من صحة الدين والإجراءات، تصدر حكماً بصحة الحجز. هذا الحكم يصبح هو السند التنفيذي النهائي الذي يلزم جهة العمل بتحويل المبالغ المحجوزة شهرياً إلى الدائن أو إيداعها في حساب المحضر القضائي حتى يتم سداد كامل الدين.
الوثائق المطلوبة لبدء إجراءات الحجز (ملف الحجز)
لتقديم طلب حجز على الراتب، يجب على الدائن أو محاميه تجهيز الملف التالي:
- عريضة افتتاحية موجهة إلى السيد رئيس المحكمة المختصة.
- نسخة من السند التنفيذي (حكم قضائي، عقد توثيقي، …).
- نسخة من التبليغ الرسمي للسند التنفيذي للمدين.
- شهادة عدم الاستئناف أو عدم الطعن بالنقض (إذا كان السند حكماً قضائياً).
- طوابع جبائية حسب ما يقتضيه القانون.
- معلومات دقيقة حول المدين (الاسم الكامل، العنوان) وجهة عمله (الاسم الدقيق للمؤسسة وعنوانها).
آثار الحجز على الأطراف الثلاثة
يرتب الحجز آثاراً قانونية هامة على كل من المدين والدائن وجهة العمل.
1. بالنسبة للمدين (الموظف)
الأثر المباشر هو حرمانه من تسلم جزء من راتبه. لا يمكنه التصرف في المبلغ المحجوز أو التنازل عنه لشخص آخر. يبقى حقه قائماً في استلام الجزء غير القابل للحجز من راتبه.
2. بالنسبة للدائن (طالب الحجز)
يضمن له وسيلة فعالة لاستيفاء دينه بشكل دوري ومنتظم. يصبح له حق الأولوية على هذا الجزء من الراتب تجاه أي دائن عادي آخر قد يظهر لاحقاً (باستثناء دائن النفقة).
3. بالنسبة للغير المحجوز لديه (جهة العمل)
يصبح المشغل في مركز “الحارس” على المبلغ المحجوز. يلتزم قانوناً بالآتي:
- تقديم تصريح بما في ذمته خلال 10 أيام من تاريخ التبليغ.
- عدم تسليم المبلغ المحجوز للموظف المدين.
- الالتزام بتنفيذ الحكم النهائي القاضي بصحة الحجز وتحويل المبالغ للدائن.
أي تقصير من جهة العمل في هذه الالتزامات قد يعرضها للحكم عليها شخصياً بدفع مبلغ الدين للدائن.
كيفية رفع الحجز عن الراتب
يمكن رفع الحجز عن الراتب في حالتين أساسيتين:
- الوفاء بالدين: إذا قام المدين بسداد كامل مبلغ الدين والمصاريف القضائية، يمكنه الحصول على “مخالصة” من الدائن أو حكم قضائي يثبت ذلك، ويقدمه لجهة عمله لرفع الحجز.
- بطلان إجراءات الحجز: إذا تمكن المدين من إثبات وجود عيب في إجراءات الحجز (مثل عدم تبليغه، أو عدم رفع دعوى صحة الحجز في الأجل القانوني)، يمكنه طلب رفع الحجز من القضاء.
للمزيد من المعلومات حول الإجراءات القضائية والإدارية في الجزائر، يمكنكم متابعة آخر الأخبار والتحديثات التي يقدمها موقع akhbardz باستمرار.
الأسئلة الشائعة (FAQ) حول حجز الراتب في الجزائر
هل يمكن للمشغل حجز راتبي بالكامل؟
لا، هذا غير قانوني إطلاقاً. القانون الجزائري يحمي جزءاً من الراتب يعتبر ضرورياً للمعيشة (الجزء غير القابل للحجز). الاستثناء الوحيد هو دين النفقة الغذائية، حيث يمكن للقاضي أن يأمر بحجز جزء كبير جداً من الراتب، لكن مع ترك ما يكفي للمدين للعيش.
لدي عدة ديون، من له الأولوية في الحجز على راتبي؟
القاعدة هي “الأسبق في الحجز هو الأسبق في الأفضلية”. لكن هناك استثناء مطلق: دين النفقة له الأولوية على جميع الديون الأخرى مهما كان تاريخها. يليه في المرتبة ديون الخزينة العمومية (الضرائب)، ثم تأتي الديون العادية.
هل يمكن الحجز على التعويضات والمنح التي أتقاضاها؟
الأصل أن الحجز يقع على الأجر وكل ملحقاته (العلاوات، المنح الدورية…). ولكن، هناك بعض التعويضات التي لا يمكن حجزها لطبيعتها الاجتماعية أو التعويضية، مثل المنح العائلية، وتعويضات حوادث العمل والأمراض المهنية، ومنحة البطالة، حيث ينص القانون صراحة على عدم قابليتها للحجز.
تلقى المشغل أمراً بالحجز لكنني لم أتسلم أي تبليغ. هل هذا قانوني؟
لا. وفقاً للمادة 750 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، يجب تبليغ أمر الحجز إلى المدين خلال أجل 8 أيام من تاريخ تبليغه للغير المحجوز لديه (المشغل)، وإلا كان الحجز باطلاً. يمكنك التمسك بهذا البطلان أمام القضاء.
الخاتمة
إن الحجز على الراتب في القانون الجزائري أداة قانونية متوازنة تهدف إلى تحقيق العدالة بين الدائن والمدين. فهو من جهة يمنح الدائن وسيلة فعالة لتحصيل حقه، ومن جهة أخرى يضع ضمانات قوية لحماية الحد الأدنى من كرامة المدين ومعيشته. إن فهم الإجراءات والآجال القانونية بدقة هو المفتاح لضمان حقوق كل طرف وتجنب الأخطاء التي قد تؤدي إلى ضياع الحقوق.
المصادر والمراجع
- القانون رقم 08-09 المؤرخ في 25 فبراير 2008، المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية (الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية).
- المرسوم رقم 82-302 المؤرخ في 11 سبتمبر 1982، الذي يحدد الحصة القابلة للحجز من الأجور والمرتبات.
- وزارة العدل الجزائرية – البوابة القانونية.




