القانون والإدارة

الابتزاز الإلكتروني في القانون الجزائري: تعريفه، أركانه، وعقوبته

مع تزايد الاعتماد على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في حياتنا اليومية، ظهرت أنواع جديدة من الجرائم لم تكن مألوفة في السابق. لعل أخطرها هو الابتزاز الإلكتروني، الذي أصبح كابوساً يؤرق العديد من المواطنين في الجزائر، حيث يجد الضحية نفسه محاصراً بين تهديدات بنشر خصوصياته ودفع مبالغ مالية أو الرضوخ لمطالب غير مشروعة. فما هو الموقف الدقيق للمشرع الجزائري من هذه الجريمة؟ وكيف يمكن للضحية حماية نفسه واسترجاع حقه بالقانون؟ هذا المقال يقدم دليلاً شاملاً ومفصلاً حول جريمة الابتزاز الإلكتروني في القانون الجزائري، بدءاً من تعريفها وأركانها، وصولاً إلى العقوبات المقررة والإجراءات العملية للتبليغ.

فهرس المقال إخفاء

ما هو الابتزاز الإلكتروني في منظور القانون الجزائري؟

الابتزاز الإلكتروني هو شكل حديث لجريمة التهديد والابتزاز التقليدية، لكنه يتميز باستخدامه للوسائل التكنولوجية والأنظمة المعلوماتية (مثل مواقع التواصل الاجتماعي، تطبيقات المراسلة الفورية، البريد الإلكتروني) كأداة لتنفيذ الجريمة. يهدف الجاني من خلاله إلى إجبار الضحية على القيام بفعل معين أو الامتناع عنه، تحت وطأة التهديد بكشف أو نشر أمور خاصة من شأنها أن تسيء لسمعته أو تنتهك خصوصيته.

التعريف القانوني الدقيق

لم يترك المشرع الجزائري هذا المفهوم غامضاً، بل خصص له نصاً واضحاً ضمن التعديلات الأخيرة لقانون العقوبات. يمكن تعريف الابتزاز الإلكتروني قانوناً بأنه “كل فعل تهديد لشخص، عبر نظام معلوماتي، بتشويه السمعة أو الإهانة أو كشف أمور تمس شرفه أو خصوصيته، بهدف إجباره على القيام بفعل أو الامتناع عنه”. هذا التعريف يضع إطاراً محدداً للجريمة ويشمل جميع أشكال الضغط النفسي الذي يمارسه الجاني عبر الفضاء الرقمي.

السند القانوني لجريمة الابتزاز الإلكتروني: المادة 303 مكرر 30 من قانون العقوبات

التجريم الصريح لهذه الظاهرة هو حديث نسبياً ويعكس استجابة المشرع للتطورات التكنولوجية والمخاطر المرتبطة بها. النص الأساسي الذي يعاقب على الابتزاز الإلكتروني هو المادة 303 مكرر 30 من الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، والمعدل والمتمم بموجب القانون رقم 23-06 المؤرخ في 20 يونيو 2023.

تنص هذه المادة بوضوح على:

“يعاقب بالحبس من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات وبغرامة من 100.000 دج إلى 300.000 دج، كل من هدد شخصا، عبر نظام معلوماتي، بالتشهير به أو إهانته أو بكشف أمور تمس بشرفه أو باعتباره أو بخصوصية حياته، بهدف إجباره على القيام بفعل أو الامتناع عنه”.

هذا النص القانوني هو حجر الزاوية في مكافحة هذه الجريمة، حيث يحدد بدقة الفعل المجرم، الوسيلة المستخدمة، الهدف من الفعل، والعقوبة المترتبة عليه.

أركان جريمة الابتزاز الإلكتروني

لكي تكتمل جريمة الابتزاز الإلكتروني من الناحية القانونية ويتمكن القاضي من إدانة المتهم، لا بد من توافر ركنين أساسيين: الركن المادي والركن المعنوي.

الركن المادي: التهديد عبر نظام معلوماتي

يتمثل الركن المادي في السلوك الخارجي الملموس الذي يقوم به الجاني، ويتكون من عدة عناصر متكاملة:

  • فعل التهديد: هو جوهر الجريمة، ويتمثل في كل قول أو كتابة أو إشارة من شأنها بث الرعب في نفس الضحية وجعلها تخشى على سمعتها أو شرفها. لا يهم إن كان التهديد حقيقياً (أي أن الجاني يملك فعلاً المحتوى الخاص) أو مجرد خدعة.
  • وسيلة التهديد: حدد القانون أن يتم التهديد “عبر نظام معلوماتي”. هذا يشمل جميع الوسائل التكنولوجية مثل:
    • تطبيقات المراسلة: واتساب، تيليغرام، ماسنجر.
    • مواقع التواصل الاجتماعي: فيسبوك، انستغرام، تويتر (X).
    • البريد الإلكتروني (E-mail).
    • المنتديات والمواقع الإلكترونية.
  • محتوى التهديد: يجب أن يتعلق التهديد بالتشهير بالضحية، أو إهانتها، أو كشف أمور تمس بشرفها أو اعتبارها أو خصوصية حياتها (مثل صور شخصية، فيديوهات، محادثات خاصة، أسرار عائلية أو مهنية).
  • غاية التهديد: يجب أن يكون الهدف من كل ما سبق هو إجبار الضحية (إكراهها) على القيام بفعل معين (مثل تحويل مبلغ مالي، إرسال صور أخرى، القيام بخدمة غير مشروعة) أو الامتناع عن فعل (مثل سحب شكوى، عدم الترشح لمنصب).

الركن المعنوي: القصد الجنائي

لا يكفي قيام الجاني بالأفعال المادية المذكورة، بل يجب أن يتوافر لديه القصد الجنائي (L’intention criminelle). ويعني ذلك أن الجاني كان يعلم أن أفعاله تشكل تهديداً وأنها غير مشروعة، ورغم ذلك اتجهت إرادته إلى تحقيق النتيجة، وهي إجبار الضحية على الرضوخ لمطالبه. بمعنى آخر، يجب أن يكون الفعل متعمداً وليس ناتجاً عن خطأ أو إهمال. إثبات هذا الركن عادة ما يكون سهلاً من خلال طبيعة المحادثات والطلبات التي يرسلها المبتز.

العقوبات المقررة قانوناً

حدد المشرع الجزائري عقوبات واضحة ورادعة لهذه الجريمة، تهدف إلى حماية الأفراد وضمان أمن الفضاء السيبراني.

العقوبة الأصلية

وفقاً لنص المادة 303 مكرر 30 من قانون العقوبات، فإن العقوبة الأصلية لجريمة الابتزاز الإلكتروني هي:

  • الحبس من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات.
  • وغرامة مالية من 100.000 دينار جزائري إلى 300.000 دينار جزائري.

ويجوز للقاضي أن يحكم بإحدى العقوبتين أو بهما معاً حسب ظروف القضية.

الظروف المشددة للعقوبة

قد ترتفع العقوبة في حالات معينة يعتبرها القانون أكثر خطورة. على الرغم من أن المادة 303 مكرر 30 لا تنص صراحة على ظروف مشددة خاصة بها، إلا أن القواعد العامة في قانون العقوبات تسمح للقاضي بتشديد العقوبة إذا ارتبطت الجريمة بظروف أخرى، مثل ارتكابها من طرف جماعة إجرامية منظمة، أو إذا كان الجاني موظفاً استغل وظيفته للوصول إلى بيانات الضحية. يجب دائماً استشارة النصوص القانونية المحدثة التي قد تضيف ظروفاً مشددة خاصة بهذه الجرائم.

ملخص جريمة الابتزاز الإلكتروني في القانون الجزائري
العنصرالتفصيل القانوني
النص القانونيالمادة 303 مكرر 30 من قانون العقوبات (المعدل بالقانون 23-06)
الفعل المجرمالتهديد عبر نظام معلوماتي بالتشهير أو الإهانة أو كشف أمور تمس الشرف والخصوصية
الهدف من الفعلإجبار الضحية على القيام بفعل أو الامتناع عنه
العقوبة الأساسيةحبس من 1 إلى 3 سنوات وغرامة من 100.000 دج إلى 300.000 دج

كيفية التبليغ عن جريمة ابتزاز إلكتروني: الإجراءات خطوة بخطوة

إذا وقعت ضحية للابتزاز الإلكتروني، فإن التزامك بالهدوء واتباع الإجراءات الصحيحة هو أفضل سبيل للخروج من الأزمة واستعادة حقك. لا تخف، فالقانون في صفك.

الخطوة الأولى: جمع الأدلة والحفاظ عليها

الأدلة الرقمية هي عماد القضية. قبل القيام بأي شيء آخر، قم بتوثيق كل ما يتعلق بالجريمة. هذا هو أهم جزء في العملية.

  • لا تحذف أي شيء: لا تقم بحذف المحادثات، الرسائل، الصور، أو أي محتوى أرسله المبتز، حتى لو كان مزعجاً. الحذف يعني تدمير دليل الإدانة.
  • أخذ لقطات شاشة (Screenshots): قم بتصوير جميع المحادثات والتهديدات. تأكد من أن لقطات الشاشة تظهر بوضوح اسم المستخدم أو رقم هاتف الجاني، وتاريخ وتوقيت الرسائل.
  • حفظ الروابط (URLs): إذا كان التهديد على صفحة ويب أو حساب على مواقع التواصل، قم بنسخ وحفظ الرابط الكامل للصفحة.
  • الاحتفاظ بالملفات: إذا أرسل لك الجاني ملفات (صور، فيديوهات)، احتفظ بنسخة منها كدليل.
  • تسجيل المكالمات: إذا حدث تواصل صوتي أو مرئي، فإن تسجيله (إذا أمكن قانونياً في سياق الإثبات الجنائي) يمكن أن يكون دليلاً قوياً.

الخطوة الثانية: تقديم الشكوى الرسمية

بعد جمع الأدلة، يمكنك التوجه إلى إحدى الجهات التالية لتقديم شكوى رسمية:

  1. مصالح الشرطة القضائية: يمكنك التوجه إلى أقرب مركز شرطة (الأمن الوطني) وتقديم شكوى لدى فرقة مكافحة الجرائم السيبرانية.
  2. مصالح الدرك الوطني: إذا كنت تقيم في منطقة من اختصاص الدرك الوطني، يمكنك تقديم الشكوى لدى الفرقة الإقليمية التي تتبعها.
  3. وكيل الجمهورية: يمكنك تقديم شكوى مكتوبة مباشرة إلى وكيل الجمهورية لدى المحكمة المختصة إقليمياً (مكان إقامتك أو المكان المحتمل لوجود الجاني).

عند تقديم الشكوى، سيتم تحرير محضر رسمي (PV) بأقوالك، وستقوم بتسليم جميع الأدلة الرقمية التي جمعتها للمحققين الذين سيباشرون التحريات اللازمة.

الملف الإداري: الوثائق المطلوبة لتقديم شكوى

لتسهيل عملية تقديم الشكوى، من الأفضل تجهيز ملف يحتوي على الوثائق التالية:

  • شكوى مكتوبة: عريضة تشرح فيها وقائع الابتزاز بالتفصيل (متى بدأ، كيف، ما هي الطلبات، وما هي التهديدات).
  • نسخة من بطاقة التعريف الوطنية أو رخصة السياقة.
  • جميع الأدلة المطبوعة: قم بطباعة لقطات الشاشة للمحادثات والرسائل.
  • نسخة رقمية من الأدلة: قم بوضع جميع الأدلة الرقمية (صور، فيديوهات، روابط) على قرص مضغوط (CD) أو ذاكرة (USB) لتسليمها للمحققين.
  • أي وثيقة أخرى قد تدعم موقفك (مثل إثباتات تحويل أموال إذا قمت بالدفع للأسف).

نصيحة الخبير القانوني

نصيحة ذهبية: لا تتجاوب أبداً مع المبتز ولا ترضخ لطلباته. تحويل الأموال أو إرسال المزيد من المحتوى الخاص لن يوقف الابتزاز، بل سيجعلك هدفاً أسهل للمزيد من المطالب. قم بقطع التواصل فوراً بعد جمع الأدلة، وحظر الرقم أو الحساب، وتوجه مباشرة للجهات الأمنية. تذكر أن استجابتك تشجع الجاني، بينما صمتك وتقديمك لشكوى هو ما يردعه. يمكنك أيضاً الاستفادة من المنصات الرقمية التي توفرها وزارة العدل لتقديم شكوى أولية عن بعد.

تنبيه هام: خطأ شائع يجب تجنبه

تنبيه: أكبر خطأ يرتكبه الضحايا هو الشعور بالخجل أو الخوف من الفضيحة، مما يدفعهم إلى حذف الأدلة أو عدم إبلاغ السلطات. القانون وُجد لحمايتك، والجهات الأمنية والقضائية تتعامل مع هذه القضايا بسرية تامة لحماية الضحية. حذف الأدلة لا يحميك، بل يحمي المجرم ويمنع العدالة من أخذ مجراها.

أسئلة شائعة حول الابتزاز الإلكتروني في الجزائر

ماذا لو كان الشخص الذي يبتزني يستخدم حساباً وهمياً أو مجهولاً؟

لا تقلق. المصالح الأمنية المختصة (مثل فرقة مكافحة الجرائم المعلوماتية) لديها التقنيات والخبرة اللازمة لتتبع أثر الجناة الرقمي والوصول إلى هويتهم الحقيقية من خلال عنوان بروتوكول الإنترنت (IP Address) بالتعاون مع مزودي الخدمة والمتعاملين، حتى لو كانوا يستخدمون حسابات وهمية. التحقيقات في هذا المجال قطعت أشواطاً كبيرة.

أنا قاصر/قاصرة وتعرضت للابتزاز، هل يمكنني تقديم شكوى؟

نعم بالطبع. القانون يحمي الجميع بما في ذلك القصر. يجب عليك إخبار ولي أمرك (الأب، الأم، أو الوصي القانوني) فوراً، وهو من سيقوم بتقديم الشكوى نيابة عنك ومرافقتك في جميع الإجراءات. يتعامل القانون مع الجرائم التي تستهدف القصر بصرامة أكبر.

هل يعتبر التهديد بالابتزاز جريمة حتى لو لم يقم الجاني بنشر أي شيء؟

نعم. الجريمة تقع بمجرد صدور التهديد بهدف إجبار الضحية على فعل شيء. لا يشترط القانون أن يقوم الجاني بتنفيذ تهديده فعلاً. مجرد محاولة الابتزاز والتهديد تشكل جريمة مكتملة الأركان ويعاقب عليها القانون بنفس العقوبات. هذا ما يسمى بـ “جريمة الخطر” لا “جريمة الضرر”.

هل يمكن متابعة المبتز قضائياً إذا كان يقيم خارج الجزائر؟

نعم، من حيث المبدأ. القانون الجزائري يمكن أن يطبق إذا كان الضحية جزائرياً أو إذا وقع جزء من الجريمة على التراب الوطني. لكن من الناحية العملية، تكون المتابعة أكثر تعقيداً وتتطلب تفعيل آليات التعاون القضائي الدولي والاتفاقيات الدولية لتسليم المجرمين، وهو أمر قد يستغرق وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً. رغم ذلك، لا يمنع هذا من تقديم الشكوى، فبياناته قد يتم تعميمها دولياً عبر الإنتربول.

يمكنك متابعة آخر الأخبار والتطورات القانونية المتعلقة بهذه القضايا على بوابات إخبارية موثوقة مثل akhbardz لمواكبة أي تعديلات تشريعية جديدة.

الخاتمة

إن جريمة الابتزاز الإلكتروني ليست مجرد تهديد عابر، بل هي اعتداء خطير على أمن الأفراد وخصوصيتهم، وقد أدرك المشرع الجزائري خطورتها ووضع لها إطاراً قانونياً وعقابياً صارماً. إن أفضل سلاح في مواجهة هذه الجريمة هو الوعي والمعرفة بالقانون، والشجاعة في التبليغ وعدم الرضوخ للجاني. القانون بجانبك، والمؤسسات الأمنية والقضائية مستعدة لتقديم الحماية اللازمة وتحقيق العدالة.

تنويه قانوني: المعلومات الواردة في هذا المقال هي لأغراض الاسترشاد وتبسيط المفاهيم القانونية وفقاً للنصوص السارية وقت النشر. هذه المعلومات لا تغني بأي حال عن استشارة محامٍ مختص أو مراجعة الجهات الرسمية.

المصادر والمراجع

  • الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم.
  • القانون رقم 23-06 المؤرخ في 20 يونيو 2023، المعدل والمتمم لقانون العقوبات.
  • الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
  • الموقع الرسمي لوزارة العدل الجزائرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى