القانون والإدارة

نشر الإشاعات الكاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي في الجزائر مخاطر وآثار

مع تزايد الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للمعلومات، باتت الإشاعات والأخبار الكاذبة تشكل خطراً حقيقياً يهدد استقرار المجتمع وأمن الأفراد. في الجزائر، لم يعد نشر معلومة مغلوطة على فيسبوك أو تويتر مجرد “مشاركة” عابرة، بل أصبح فعلاً مجرّماً بنصوص قانونية صريحة، قد يقود صاحبه إلى أروقة المحاكم ويواجه عقوبات تصل إلى السجن النافذ. هذا المقال هو دليلك الشامل لفهم التكييف القانوني لجريمة نشر الإشاعات، العقوبات المترتبة عليها، والإجراءات القضائية المرتبطة بها وفقاً لأحدث التعديلات في التشريع الجزائري.

فهرس المقال إخفاء

الإطار القانوني لمكافحة الإشاعات والأخبار الكاذبة في الجزائر

لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، وضع المشرّع الجزائري ترسانة قانونية تهدف إلى ردع كل من يشارك في نشر أو ترويج أخبار كاذبة من شأنها المساس بالنظام العام، الأمن الوطني، أو سلامة المواطنين. هذه النصوص متفرقة بين قانون العقوبات وقوانين خاصة أخرى.

قانون العقوبات: النص المحوري

يعتبر الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم، هو المرجع الأساسي في تجريم هذه الأفعال. وقد تم تعزيزه بتعديلات متتالية لمواكبة التطورات التكنولوجية وأنماط الجريمة المستحدثة.

  • المادة 196 مكرر: تم إدراج هذه المادة لمواجهة الأخبار الكاذبة في سياقات حساسة. تنص على أنه: “يعاقب بالحبس من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات وبغرامة من 100.000 دج إلى 300.000 دج، كل من ينشر أو يروج عمدا، بأي وسيلة كانت، أخبارا أو أنباء كاذبة أو مغرضة بين الجمهور من شأنها المساس بالأمن العمومي أو النظام العام”. وتُشدد العقوبة إذا ارتكبت الجريمة في أوقات الحجر الصحي أو عند وقوع كارثة طبيعية أو بيولوجية أو تكنولوجية.
  • المادة 87 مكرر: تعالج هذه المادة الأفعال الأخطر التي تهدف إلى تقويض أسس الدولة. تعاقب بالسجن من خمس (5) إلى سبع (7) سنوات وبغرامة، كل من يروج معلومات كاذبة بهدف “المساس بالنظام العام والأمن الوطني أو استقرار مؤسسات الدولة وسيرها العادي أو الوحدة الوطنية أو سلامة التراب الوطني”.

قوانين خاصة ومكملة

إلى جانب قانون العقوبات، توجد نصوص أخرى تعالج جوانب محددة من نشر المعلومات الكاذبة.

  • القانون رقم 21-15 المؤرخ في 30 ديسمبر 2021، المتعلق بمكافحة المضاربة غير المشروعة: في سياق حماية الاقتصاد الوطني واستقرار السوق، جرمت المادة 13 من هذا القانون “نشر أو ترويج أخبار أو معلومات كاذبة أو مغرضة بين الجمهور بغرض إحداث اضطراب في السوق وتوجيه الأسعار”، وعاقبت عليها بعقوبات صارمة.
  • القانون رقم 20-05 المؤرخ في 28 أبريل 2020، المتعلق بالوقاية من التمييز وخطاب الكراهية ومكافحتهما: يمكن أن تتخذ الإشاعة شكل خطاب كراهية أو تمييز، وهنا تطبق أحكام هذا القانون الذي يفرض عقوبات مشددة على كل من يروج لأفكار قائمة على الكراهية عبر وسائل الإعلام وتكنولوجيا المعلومات.

ما هي الأفعال التي تعتبر “نشر إشاعات كاذبة” قانوناً؟

لكي تقوم الجريمة من الناحية القانونية، يجب توفر أركانها الأساسية. فليس كل خبر غير دقيق يعتبر جريمة. المحكمة تبحث عن عناصر محددة لإدانة المتهم.

الركن المادي: فعل النشر والترويج

يتمثل الركن المادي في أي سلوك إيجابي يؤدي إلى وصول المعلومة الكاذبة إلى الجمهور. في العصر الرقمي، يتخذ هذا الفعل أشكالاً متعددة:

  • كتابة منشور (Post) على فيسبوك، تويتر، أو أي منصة أخرى.
  • إعادة مشاركة (Share / Retweet) منشور لشخص آخر.
  • نشر تعليق (Comment) يحتوي على معلومة كاذبة.
  • إنشاء ونشر مقطع فيديو أو تسجيل صوتي.
  • إرسال رسائل عبر تطبيقات المراسلة الفورية مثل واتساب أو تيليغرام إلى مجموعات عامة.

النقطة الجوهرية هنا هي “العلانية”، أي أن المعلومة موجهة للجمهور وليس لمحادثة خاصة ومحدودة.

الركن المعنوي: القصد الجنائي (العلم والإرادة)

هذا هو العنصر الأهم. لكي تتم الإدانة، يجب على النيابة العامة أن تثبت أن الشخص كان يعلم أن الخبر الذي ينشره كاذب (ركن العلم)، وأنه أراد نشره لتحقيق نتيجة معينة (ركن الإرادة)، مثل إثارة الفوضى أو المساس بالنظام العام. هذا ما يسمى بـ “القصد الجنائي العام”. في بعض الحالات، يتطلب القانون “قصداً جنائياً خاصاً”، كأن يكون الهدف هو المساس بأمن الدولة كما في المادة 87 مكرر.

النتيجة الإجرامية: المساس بالنظام العام أو أمن الدولة

لا يكفي أن يكون الخبر كاذباً، بل يجب أن يكون من شأنه، أي لديه القدرة، على إحداث ضرر متمثل في المساس بالأمن أو النظام العام. لا يشترط تحقق الضرر فعلياً، بل يكفي أن يكون الفعل خطراً بحد ذاته.

العقوبات المقررة: جدول ملخص

تختلف العقوبة باختلاف النص القانوني المطبق وخطورة الفعل المرتكب. يوضح الجدول التالي أبرز العقوبات المنصوص عليها.

الجريمة / السياقالسند القانونيالعقوبة الرئيسية
نشر أخبار كاذبة تمس بالأمن والنظام العام (الحالة العامة)المادة 196 مكرر من قانون العقوباتالحبس من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات وغرامة من 100.000 دج إلى 300.000 دج.
نشر أخبار كاذبة في زمن الأوبئة أو الكوارثالمادة 196 مكرر (ظرف مشدد)الحبس لمدة تصل إلى خمس (5) سنوات وغرامة تصل إلى 500.000 دج.
ترويج أخبار كاذبة للمساس باستقرار مؤسسات الدولة أو الوحدة الوطنيةالمادة 87 مكرر من قانون العقوباتالسجن من خمس (5) إلى سبع (7) سنوات وغرامة من 500.000 دج إلى 700.000 دج.
نشر معلومات كاذبة لإحداث اضطراب في السوق (المضاربة)المادة 13 من قانون مكافحة المضاربة غير المشروعةالسجن من 10 سنوات إلى 20 سنة.

الإجراءات القضائية: ماذا يحدث بعد نشر إشاعة؟

بمجرد رصد منشور يدخل في نطاق التجريم، تبدأ سلسلة من الإجراءات القضائية التي قد تكون طويلة ومعقدة.

مرحلة التحري والتحقيق

  1. التحريك الآلي للدعوى: في أغلب هذه الجرائم، لا تحتاج النيابة العامة إلى شكوى من طرف متضرر لتحريك الدعوى العمومية، بل يمكنها أن تتحرك تلقائياً لأن الجريمة تمس بالمجتمع ككل.
  2. التحريات الأولية: تتولى مصالح الضبطية القضائية المختصة (الدرك الوطني أو الشرطة)، خاصة الفرق المتخصصة في الجرائم الإلكترونية، مهمة جمع الأدلة. يتم ذلك عبر تحديد هوية صاحب الحساب، استخراج نسخة من المنشور (حتى لو تم حذفه)، وتحديد نطاق انتشاره.
  3. التقديم أمام وكيل الجمهورية: بعد استكمال التحريات، يتم تقديم المشتبه فيه أمام وكيل الجمهورية المختص إقليمياً. يقرر وكيل الجمهورية إما حفظ الملف، أو فتح تحقيق قضائي، أو إحالة القضية مباشرة على المحاكمة عبر إجراء المثول الفوري إذا توفرت شروطه.

مرحلة المحاكمة

تجري المحاكمة أمام قسم الجنح بالمحكمة الابتدائية. خلال المحاكمة، يتمتع المتهم بكافة ضمانات المحاكمة العادلة، وعلى رأسها:

  • الحق في الدفاع: من الضروري توكيل محامٍ للدفاع عنك وتقديم الدفوع الشكلية والموضوعية.
  • قرينة البراءة: يبقى المتهم بريئاً إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي.
  • عبء الإثبات: يقع على عاتق النيابة العامة إثبات توفر جميع أركان الجريمة، خاصة القصد الجنائي.

في نهاية المحاكمة، يصدر القاضي حكمه إما بالبراءة أو الإدانة وفقاً لما قُدم أمامه من أدلة وقرائن. الحكم الابتدائي قابل للاستئناف أمام المجلس القضائي.

نصيحة الخبير القانوني

إذا تم استدعاؤك من قبل مصالح الأمن بخصوص منشور على الإنترنت، القاعدة الذهبية الأولى هي: لا تدلِ بأي تصريح دون حضور محاميك. لديك الحق في التزام الصمت. أي كلمة تقولها في محضر رسمي يمكن أن تستخدم ضدك في المحكمة. القاعدة الثانية: لا تحذف المنشور بعد بدء التحقيق، فقد يعتبر ذلك قرينة على سوء النية ومحاولة لإخفاء دليل الجريمة. استشر محامياً فوراً ليرشدك إلى الخطوات الصحيحة.

تنبيه: خطأ شائع يجب تجنبه

الكثيرون يعتقدون أن عبارة “منقول” أو مجرد الضغط على زر “مشاركة” (Partager) يعفيهم من المسؤولية القانونية. هذا اعتقاد خاطئ تماماً. من وجهة نظر القانون، إعادة النشر هي فعل نشر جديد ومستقل. بمشاركتك للخبر الكاذب، أنت تساهم في ترويجه وتوسيع دائرة انتشاره، وبالتالي تعتبر فاعلاً أصلياً في الجريمة وتتحمل نفس المسؤولية القانونية التي يتحملها منشئ المحتوى الأصلي.

الأسئلة الشائعة (FAQ)

هل يمكن متابعتي قضائياً بسبب منشور في مجموعة خاصة على فيسبوك؟

نعم، إذا كانت المجموعة تضم عدداً كبيراً من الأعضاء بحيث تفقد طابعها الخاص وتكتسب صفة العلانية، يمكن أن تقوم الجريمة. العبرة ليست بتصنيف المجموعة (خاصة أو عامة) بل بمدى إمكانية وصول المنشور إلى عدد غير محدد من الأشخاص.

ماذا أفعل إذا كنت ضحية إشاعة أو أخبار كاذبة؟

يمكنك تقديم شكوى رسمية أمام وكيل الجمهورية لدى المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان إقامتك، أو مكان ارتكاب الفعل. يجب أن تكون الشكوى مدعومة بأدلة مادية (لقطات شاشة، روابط…). كما يمكنك اللجوء إلى رفع دعوى مدنية للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق بك.

هل استخدام اسم مستعار أو حساب وهمي يحميني من الملاحقة؟

لا. المصالح الأمنية المختصة لديها الإمكانيات التقنية اللازمة لتحديد هوية المستخدمين الحقيقية خلف الحسابات الوهمية عن طريق تتبع عنوان بروتوكول الإنترنت (IP Address) بالتعاون مع مزودي الخدمة ومسؤولي المنصات الرقمية. الاختباء خلف اسم مستعار يؤخر عملية تحديد الهوية ولكنه لا يمنعها.

هل انتقاد مسؤول في الدولة يعتبر جريمة نشر أخبار كاذبة؟

هنا يجب التمييز. النقد البناء المرتكز على وقائع صحيحة هو حق مكفول. لكن، إذا كان “النقد” يتضمن قذفاً أو إهانة أو نسبة وقائع كاذبة لمسؤول بهدف المساس بشرفه واعتباره، فهنا يمكن أن تقوم جرائم أخرى مثل القذف (المادة 296 من قانون العقوبات) أو إهانة هيئة نظامية (المادة 144). يجب التأكد من صحة المعلومات قبل نشرها. للحصول على معلومات موثوقة، يمكن الاعتماد على وكالات الأنباء الرسمية أو المنصات الإخبارية المعتمدة مثل موقع akhbardz.com الذي يسعى لتقديم محتوى دقيق.

أنا صحفي، هل أتمتع بحماية خاصة؟

الصحفيون يتمتعون بحماية قانونية في إطار أداء مهامهم، لكن هذه الحماية مشروطة باحترام أخلاقيات المهنة، وعلى رأسها تحري الدقة والمصداقية وعدم نشر أخبار يعلمون أنها زائفة. قانون الإعلام وقانون السمعي البصري ينظمان هذه المسألة، والخطأ المهني الجسيم يمكن أن يؤدي إلى متابعات جزائية.

الخاتمة

إن حرية التعبير على وسائل التواصل الاجتماعي ليست حرية مطلقة، بل هي مسؤولية كبيرة. التشريع الجزائري وضع حدوداً واضحة بين النقد المباح والفعل المجرم، وأصبحت مكافحة الأخبار الكاذبة أولوية قضائية وأمنية. قبل كتابة أي منشور أو الضغط على زر المشاركة، تذكر أن فعلك البسيط هذا قد تكون له عواقب قانونية وخيمة. التحقق من المصادر والتفكير في أثر كلماتك ليس مجرد نصيحة، بل هو ضرورة لحماية نفسك وحماية مجتمعك.

تنويه قانوني: المعلومات الواردة في هذا المقال هي لأغراض الاسترشاد وتبسيط المفاهيم القانونية وفقاً للنصوص السارية وقت النشر. هذه المعلومات لا تغني بأي حال عن استشارة محامٍ مختص أو مراجعة الجهات الرسمية.

المصادر والمراجع

  • الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم.
  • القانون رقم 21-15 المؤرخ في 30 ديسمبر 2021، المتعلق بمكافحة المضاربة غير المشروعة.
  • القانون رقم 20-05 المؤرخ في 28 أبريل 2020، المتعلق بالوقاية من التمييز وخطاب الكراهية ومكافحتهما.
  • الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية (Joradp.dz).
  • البوابة الإلكترونية لوزارة العدل الجزائرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى