القانون والإدارة

استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنشطة غير القانونية بالجزائر

هل تلقيت يوماً مكالمة هاتفية بصوت شخص عزيز يطلب منك مبلغاً مالياً بشكل عاجل، لتكتشف لاحقاً أنها عملية احتيال متقنة؟ أو هل شاهدت مقطع فيديو لشخصية عامة تقول كلاماً صادماً ومنافياً للمنطق، ثم تبين أنه “تزييف عميق”؟ مرحباً بك في عالم الجرائم المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وهي ظاهرة جديدة بدأت السلطات الجزائرية في التعامل معها بحزم عبر ترسانتها القانونية القائمة. إن استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنشطة غير القانونية بالجزائر ليس مجرد خيال علمي، بل هو واقع يطرح تحديات قانونية وأمنية جدية، ويعرض مرتكبيه لعقوبات صارمة.

فهرس المقال إخفاء

الفراغ التشريعي والتكييف القانوني: هل يوجد “قانون للذكاء الاصطناعي” في الجزائر؟

حتى لحظة كتابة هذه الأسطر، لا يوجد في الجزائر قانون خاص ومستقل يحمل اسم “قانون الذكاء الاصطناعي”. هذا الأمر لا يعني إطلاقاً وجود فراغ قانوني أو إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب. المقاربة التي يتبناها المشرع الجزائري، شأنه شأن العديد من دول العالم، هي تكييف النصوص القانونية الموجودة لتشمل الجرائم المرتكبة باستخدام وسائل تكنولوجية حديثة كالذكاء الاصطناعي.

إن إنشاء “المحافظة السامية للرقمنة” بموجب المرسوم الرئاسي رقم 23-333 المؤرخ في 5 سبتمبر 2023، يشير بوضوح إلى نية الدولة في تنظيم هذا القطاع المستقبلي، ومن المرجح أن نشهد نصوصاً تنظيمية وتشريعية أكثر تخصصاً في السنوات القادمة. لكن في الوقت الحالي، يعتبر قانون العقوبات والقوانين المكملة له هي السيف المسلط على كل من يستخدم هذه التكنولوجيا للإضرار بالغير أو بالنظام العام.

السند القانوني: كيف يواجه القانون الجزائري جرائم الذكاء الاصطناعي؟

إن الطبيعة المتشعبة لجرائم الذكاء الاصطناعي تجعلها تقع تحت طائلة عدة نصوص قانونية. يقوم وكيل الجمهورية والمحققون بتكييف الوقائع مع النص القانوني الأنسب. فيما يلي أبرز الجرائم والتكييفات القانونية المحتملة:

1. المساس بحرمة الحياة الخاصة والابتزاز الرقمي (التزييف العميق – Deepfake)

يعد استخدام تقنيات التزييف العميق لتركيب صور أو فيديوهات أو أصوات لأشخاص في أوضاع مخلة أو مسيئة من أخطر الجرائم. هنا، يطبق القضاء نصوصاً صارمة من قانون العقوبات:

  • المادة 303 مكرر من قانون العقوبات: تعاقب هذه المادة بالحبس وبغرامة مالية كل من “يتعمد المساس بحرمة الحياة الخاصة للأشخاص، وذلك بالتقاط أو تسجيل أو نقل صورة أو كلام لشخص في مكان خاص بغير إذنه”. وتتشدد العقوبة إذا كان الغرض من هذا الفعل هو التشهير. استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى مزيف لشخص يعتبر مساساً مباشراً بصورته وحياته الخاصة.
  • جريمة الابتزاز (المواد 373 إلى 377): إذا قام الجاني باستخدام المحتوى المزيف (صورة، فيديو، تسجيل صوتي) لتهديد الضحية وطلب مبالغ مالية أو أي منفعة أخرى، فإن الجريمة تتحول إلى ابتزاز، وعقوباتها أشد وقد تصل إلى السجن لسنوات طويلة.

2. النصب والاحتيال باستخدام الذكاء الاصطناعي

استنساخ الأصوات لإجراء مكالمات احتيالية، أو إنشاء مواقع وهمية متقنة، أو صياغة رسائل بريد إلكتروني مخادعة، كلها تندرج ضمن جريمة النصب الكلاسيكية، لكن بوسائل حديثة.

  • المادة 372 من قانون العقوبات: تعرف هذه المادة جريمة النصب بأنها الاستيلاء على أموال الغير باستعمال “مناورات احتيالية” من شأنها إيهام الضحية بوجود مشاريع وهمية أو سلطة زائفة. استخدام صوت مزيف لشخص موثوق هو بحد ذاته “مناورة احتيالية” يعاقب عليها القانون بالحبس والغرامة.

3. نشر الأخبار الكاذبة والمساس بالنظام العام

يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد كميات هائلة من الأخبار الزائفة والمضللة ونشرها على نطاق واسع لضرب استقرار المجتمع أو المساس بالمصلحة الوطنية.

  • المادة 196 مكرر من قانون العقوبات: هذه المادة، التي تم تعديلها عدة مرات، تعاقب بشدة كل من يقوم عمداً بنشر أو ترويج أخبار أو أنباء كاذبة أو مغرضة بين الجمهور، يكون من شأنها المساس بالأمن العمومي أو النظام العام.

4. المساس بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات (الجرائم السيبرانية)

يمكن للمجرمين استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير برمجيات خبيثة أكثر فاعلية، أو لتنفيذ هجمات سيبرانية معقدة على أنظمة المعلومات للمؤسسات أو الأفراد.

  • المواد من 394 مكرر إلى 394 مكرر 7 من قانون العقوبات: هذا القسم من القانون يغطي كافة الجرائم المتعلقة بأنظمة الكمبيوتر، مثل الدخول غير المشروع، البقاء فيه، إعاقة سيره، أو إتلاف البيانات. أي استخدام للذكاء الاصطناعي لتسهيل هذه الأفعال يقع مباشرة تحت طائلة هذه المواد.

خطوات الإبلاغ عن جريمة إلكترونية (ذكاء اصطناعي)

إذا كنت ضحية لجريمة تم فيها استخدام الذكاء الاصطناعي، فإن التحرك السريع والصحيح هو مفتاح الوصول إلى حقك. اتبع الخطوات التالية:

  1. جمع الأدلة فوراً: هذا هو العامل الحاسم. لا تحذف أي شيء. قم بأخذ لقطات للشاشة (Screenshots) للمحادثات، أو الفيديوهات، أو المواقع الإلكترونية. احتفظ بالروابط (URLs)، وسجل المكالمات، واحتفظ بأي تحويلات بنكية. ضع كل الأدلة الرقمية على وحدة تخزين خارجية (USB).
  2. التوجه إلى أقرب مقر للضبطية القضائية: يمكنك التوجه إلى:
    • فرقة الشرطة القضائية (الأمن الوطني).
    • فرقة الدرك الوطني (خاصة إذا كنت تقيم خارج المناطق الحضرية الكبرى).

    يوجد لدى هذه المصالح فرق متخصصة في مكافحة الجرائم السيبرانية.

  3. تحرير شكوى رسمية: سيقوم ضابط الشرطة القضائية بسماع أقوالك في محضر رسمي. كن دقيقاً في سرد الوقائع وقدم كل الأدلة التي بحوزتك. سيتم تسجيل شكواك وإعطاؤك وصلاً بذلك.
  4. متابعة الملف: بعد استكمال التحقيق الأولي، يتم إرسال الملف إلى وكيل الجمهورية لدى المحكمة المختصة إقليمياً، الذي سيقرر إما فتح تحقيق قضائي أو حفظ الملف لعدم كفاية الأدلة.

الوثائق المطلوبة (الملف الإداري لتقديم الشكوى)

عند التوجه لتقديم شكوى، من الأفضل أن تكون بحوزتك الوثائق التالية لتسريع الإجراءات:

  • نسخة من بطاقة التعريف الوطنية أو رخصة السياقة.
  • شكوى مكتوبة (اختياري، لكنها تساعد في تنظيم أفكارك وعرض الوقائع بوضوح).
  • جميع الأدلة المادية والرقمية:
    • نسخ ورقية (مطبوعة) من لقطات الشاشة.
    • وحدة تخزين (USB أو قرص مدمج) تحتوي على الملفات الرقمية (فيديو، تسجيل صوتي، صور).
    • أي وثيقة تثبت الضرر المادي (كشوفات حساب بنكي في حالة النصب).
  • أي معلومات أخرى قد تساعد في التعرف على الجاني (أرقام هواتف، حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، عناوين بريد إلكتروني).

جدول ملخص للعقوبات المحتملة

هذا الجدول يقدم نظرة سريعة على بعض الجرائم والعقوبات المقررة لها وفقاً لقانون العقوبات الجزائري. (ملاحظة: العقوبات قد تتغير بتغير ظروف القضية وتطبيق القاضي للسلطة التقديرية والظروف المشددة).

الجريمةالسند القانوني (قانون العقوبات)العقوبة الأساسية (قد تتغير)
المساس بحرمة الحياة الخاصة (صورة/صوت)المادة 303 مكررالحبس من ستة (6) أشهر إلى ثلاث (3) سنوات وغرامة من 50.000 دج إلى 300.000 دج.
النصب والاحتيالالمادة 372الحبس من سنة (1) إلى خمس (5) سنوات وغرامة من 50.000 دج إلى 500.000 دج.
نشر أخبار كاذبة تمس بالنظام العامالمادة 196 مكررالحبس من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات وغرامة من 100.000 دج إلى 300.000 دج.
الدخول غير المشروع لنظام معالجة آليةالمادة 394 مكررالحبس من ثلاثة (3) أشهر إلى سنة (1) وغرامة من 50.000 دج إلى 100.000 دج. (تتشدد العقوبة في حالات أخرى).

نصيحة الخبير

لا تحذف شيئًا! حتى لو بدا الدليل تافهاً، احتفظ بكل الرسائل، الروابط، أو التسجيلات الصوتية. قم بأخذ لقطات شاشة (screenshots) تظهر فيها التواريخ والوقت وعناوين URL كاملة. هذه التفاصيل الصغيرة قد تكون الخيط الذي يقود المحققين إلى الجاني، خاصة في الجرائم الرقمية المعقدة التي تتطلب تتبع الأثر الرقمي (IP Address). توثيق كل خطوة هو أقوى سلاح لديك.

تنبيه هام

محاولة التعامل مع الجاني مباشرة أو تهديده بنشر الأدلة قد يعرضك للمساءلة القانونية بتهمة الابتزاز أو التهديد، وقد يؤدي إلى إتلاف أدلة مهمة. الطريق القانوني الوحيد والآمن هو عبر تقديم شكوى رسمية لدى السلطات المختصة. دع المحترفين يقومون بعملهم.

الأسئلة الشائعة (FAQ) حول الذكاء الاصطناعي والقانون الجزائري

1. هل يمكن مقاضاتي إذا استخدمت تطبيق ذكاء اصطناعي لإنشاء صورة مضحكة (ميم) لصديق ونشرتها على فيسبوك؟

نعم، يمكن. حتى لو كان القصد هو المزاح، فإن إنشاء ونشر صورة لشخص دون موافقته الصريحة، خاصة إذا كانت الصورة تظهره في سياق قد يعتبره مسيئاً أو محرجاً، يقع تحت طائلة المادة 303 مكرر من قانون العقوبات المتعلقة بالمساس بحرمة الحياة الخاصة وصورة الغير. الفيصل هنا هو موافقة الشخص المعني. إذا لم يوافق وقرر تقديم شكوى، فأنت في وضع قانوني صعب.

2. شركتي تستخدم روبوت محادثة (Chatbot) يعمل بالذكاء الاصطناعي لخدمة العملاء. هل نحن مسؤولون قانونياً إذا قدم معلومات خاطئة أو ضارة؟

قطعاً. الشخصية المعنوية (الشركة) مسؤولة عن الأدوات التي تستخدمها. إذا قدم الـ Chatbot معلومات خاطئة أدت إلى ضرر مادي للعميل (مثلاً، إرشادات خاطئة أتلفت منتجاً)، يمكن للعميل مقاضاة الشركة على أساس المسؤولية التقصيرية أو العقدية للحصول على تعويض. من الضروري برمجة هذه الأدوات بعناية ووضع إخلاء مسؤولية واضح للمستخدمين.

3. ما هو دور السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (ANPDP) في هذا المجال؟

تلعب هذه السلطة، المنشأة بموجب القانون رقم 18-07، دوراً محورياً. أنظمة الذكاء الاصطناعي غالباً ما تتطلب كميات هائلة من البيانات للتدريب. إذا قامت شركة بجمع بيانات شخصية للجزائريين (صور، أصوات، معلومات) واستخدامها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي دون الحصول على موافقة صريحة وواضحة من أصحابها، فإنها تنتهك القانون 18-07. يمكن للسلطة أن تفرض عقوبات إدارية ومالية على هذه الشركات، ويمكن للأفراد المتضررين رفع دعاوى قضائية.

4. وقعت ضحية عملية نصب من شخص يستخدم الذكاء الاصطناعي ويقيم خارج الجزائر. هل يمكنني تقديم شكوى؟ وهل هناك فائدة؟

نعم، يجب عليك تقديم شكوى. الجزائر طرف في عدة اتفاقيات دولية للتعاون القضائي والأمني. على الرغم من أن تعقب الجناة في الخارج قد يكون أكثر تعقيداً ويستغرق وقتاً أطول، إلا أن تقديم الشكوى ضروري. السلطات الجزائرية (مثل الهيئة المركزية لمكافحة الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال) يمكنها التنسيق مع نظيراتها في الدول الأخرى عبر الإنتربول لتعقب الجناة. شكواك تساهم أيضاً في بناء قاعدة بيانات حول أساليب الاحتيال الجديدة لحماية مواطنين آخرين. ولمتابعة آخر التطورات التشريعية، يمكن زيارة مصادر موثوقة مثل منصة أخبار الجزائر akhbardz التي تغطي الجوانب القانونية.

الخاتمة

إن استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنشطة غير القانونية بالجزائر يمثل تحدياً متطوراً، لكن الترسانة القانونية الحالية توفر أساساً متيناً لمكافحته. العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات رادعة وقادرة على التعامل مع جرائم مثل النصب، الابتزاز، التشهير، ونشر الأخبار الكاذبة بغض النظر عن الأداة المستخدمة. على المواطنين التحلي باليقظة، توثيق أي اعتداء يتعرضون له، وعدم التردد في اللجوء إلى القضاء الذي يبقى الحصن المنيع لحماية حقوقهم في العصر الرقمي.

تنويه قانوني: المعلومات الواردة في هذا المقال هي لأغراض الاسترشاد وتبسيط المفاهيم القانونية وفقاً للنصوص السارية وقت النشر. هذه المعلومات لا تغني بأي حال عن استشارة محامٍ مختص أو مراجعة الجهات الرسمية.

المصادر والمراجع

  • الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم.
  • القانون رقم 18-07 المؤرخ في 10 يونيو 2018، المتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.
  • الموقع الرسمي للجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية (joradp.dz).
  • البوابة القانونية لوزارة العدل الجزائرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى