الرشوة في الجزائر: آفاتها في القطاعين العام والخاص

تُعد الرشوة في الجزائر من أخطر الآفات التي تنخر جسد الإدارة والمجتمع على حد سواء، فهي لا تعرقل فقط عجلة التنمية الاقتصادية بل تزرع بذور عدم الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته. يجد العديد من المواطنين أنفسهم في مواقف معقدة، حيث يُطلب منهم “قهوة” أو مقابل مادي غير شرعي لتسريع ملف إداري أو للحصول على حق من حقوقهم الأساسية، مما يطرح تساؤلات ملحة حول الإطار القانوني لهذه الجريمة، عقوباتها، وكيفية التبليغ عنها بشكل آمن وفعال.
هذا المقال هو دليلك الشامل لفهم جريمة الرشوة في القانون الجزائري، سواء في القطاع العام أو الخاص، وسنزودك بالمعلومات الدقيقة والإجراءات العملية لمواجهة هذه الظاهرة وفقاً لأحدث النصوص التشريعية.
الإطار القانوني لمكافحة الرشوة في الجزائر
يعتبر القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006، المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، هو النص التشريعي المحوري الذي وضع قواعد صارمة لتعريف وتجريم الرشوة وكل أشكال الفساد. جاء هذا القانون ليعزز الترسانة القانونية الموجودة في قانون العقوبات، وليتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صادقت عليها الجزائر.
يهدف هذا القانون إلى:
- تجريم كل أفعال الرشوة بوضوح، سواء كانت من طرف الموظف (الرشوة السلبية) أو من طرف المواطن (الرشوة الإيجابية).
- توسيع نطاق التجريم ليشمل الرشوة في القطاع الخاص، وهو ما كان يمثل فراغاً تشريعياً في السابق.
- وضع آليات للوقاية من الفساد عبر تعزيز الشفافية والنزاهة في تسيير الشؤون العمومية.
- توفير حماية قانونية للمبلغين والشهود والخبراء.
ما هي أركان جريمة الرشوة؟
لكي تكتمل جريمة الرشوة من منظور قانوني، لا بد من توافر مجموعة من الأركان الأساسية التي تثبت وقوعها. تنقسم هذه الأركان إلى ركن مادي، وركن معنوي، وصفة خاصة في مرتكب الجريمة.
1. الركن المادي: الفعل الإجرامي
يتمثل الركن المادي في السلوك الخارجي للجريمة، وقد ميز القانون بين صورتين رئيسيتين:
- الرشوة السلبية (المرتشي): وهو الفعل الذي يرتكبه الموظف العمومي ومن في حكمه. ويتمثل في طلب أو قبول أو أخذ وعد أو عطية أو منفعة غير مستحقة، سواء لنفسه أو لغيره، لأداء عمل من أعمال وظيفته أو الامتناع عنه. مجرد الطلب أو القبول يكفي لقيام الجريمة حتى لو لم يتم تسليم المقابل.
- الرشوة الإيجابية (الراشي): وهو الفعل الذي يرتكبه الشخص صاحب المصلحة (مواطن أو شركة). ويتمثل في عرض أو وعد أو تقديم منفعة غير مستحقة لموظف عمومي، بشكل مباشر أو غير مباشر، لكي يقوم ذلك الموظف بأداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل يدخل ضمن واجباته.
2. الركن المعنوي: القصد الجنائي
يُقصد به النية الإجرامية. يجب أن يكون كل من الراشي والمرتشي على علم تام بأن ما يقومان به هو فعل غير قانوني ومعاقب عليه. يجب أن تتجه إرادتهما إلى تحقيق هذا الفعل. لا يمكن تصور وقوع جريمة الرشوة عن طريق الخطأ أو الإهمال؛ فهي جريمة عمدية بالدرجة الأولى.
3. صفة المرتشي: الموظف العمومي
في أغلب صورها التقليدية، تشترط جريمة الرشوة أن يكون الطرف المرتشي “موظفاً عمومياً”. وقد عرّفت المادة 2 من القانون 06-01 الموظف العمومي تعريفاً واسعاً يشمل كل من:
- كل شخص يشغل منصباً تشريعياً، تنفيذياً، إدارياً، قضائياً أو في مجلس محلي منتخب.
- كل شخص يمارس وظيفة لدى مؤسسة عمومية اقتصادية.
- كل شخص آخر يعتبر موظفاً عمومياً أو في حكمه طبقاً للتشريع المعمول به.
هذا التعريف الواسع يضمن عدم إفلات أي شخص يمارس سلطة عامة من طائلة القانون.
صور الرشوة والعقوبات المقررة لها في القانون الجزائري
فرق المشرع الجزائري في العقوبات بحسب صفة مرتكب الجريمة وطبيعة الفعل، سواء كان في القطاع العام أو الخاص.
رشوة الموظفين العموميين (القطاع العام)
تعتبر هذه الصورة هي الأكثر شيوعاً وخطورة. وقد نصت عليها المادة 25 من قانون مكافحة الفساد، والتي تعاقب الموظف العمومي (المرتشي) الذي يطلب أو يقبل مزية غير مستحقة بالحبس من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات وبغرامة من 200.000 دج إلى 1.000.000 دج.
في المقابل، تعاقب المادة 27 من نفس القانون صاحب المصلحة (الراشي) الذي يقدم الرشوة بنفس العقوبات، مما يؤكد أن المسؤولية الجنائية تقع على كلا الطرفين.
الرشوة في القطاع الخاص
إدراكاً من المشرع بأن الفساد لا يقتصر على الإدارة العمومية، تم تجريم الرشوة بين الخواص. تنص المادة 29 من القانون 06-01 على معاقبة كل من يدير كياناً في القطاع الخاص أو يعمل لديه، بأي صفة كانت، وطلب أو قبل مزية غير مستحقة لأداء أو الامتناع عن أداء عمل من واجباته. العقوبة هنا هي الحبس من ستة (6) أشهر إلى خمس (5) سنوات وبغرامة من 50.000 دج إلى 500.000 دج.
جدول مقارنة العقوبات المقررة لجريمة الرشوة
| نوع الجريمة | السند القانوني (قانون 06-01) | عقوبة الحبس | الغرامة المالية |
|---|---|---|---|
| الرشوة السلبية (الموظف المرتشي) | المادة 25 | من 2 إلى 10 سنوات | من 200.000 دج إلى 1.000.000 دج |
| الرشوة الإيجابية (صاحب المصلحة الراشي) | المادة 27 | من 2 إلى 10 سنوات | من 200.000 دج إلى 1.000.000 دج |
| الرشوة في القطاع الخاص | المادة 29 | من 6 أشهر إلى 5 سنوات | من 50.000 دج إلى 500.000 دج |
كيفية التبليغ عن جريمة رشوة: الإجراءات والملف المطلوب
إذا كنت شاهداً أو ضحية لطلب رشوة، فإن القانون يمنحك آليات للتبليغ ويوفر لك الحماية. التبليغ ليس فقط حقاً بل هو واجب وطني للمساهمة في تطهير المجتمع والإدارة.
الجهات المختصة بتلقي البلاغات
يمكنك التوجه إلى إحدى الجهات التالية لتقديم بلاغك:
- مصالح الشرطة القضائية: سواء فرق الشرطة (الأمن الوطني) أو فرق الدرك الوطني الأقرب لمكان وقوع الجريمة.
- وكيل الجمهورية: يمكنك تقديم شكوى مكتوبة مباشرة إلى وكيل الجمهورية لدى المحكمة المختصة إقليمياً.
- الهيئة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته: هذه الهيئة الدستورية، التي خلفت الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته، لها دور مركزي في جمع المعلومات المتعلقة بالفساد وإحالتها للجهات القضائية.
- الرقم الأخضر: توفر المديرية العامة للأمن الوطني ومصالح الدرك الوطني أرقاماً خضراء لتلقي بلاغات المواطنين بسرية.
الوثائق المطلوبة والإجراءات (الملف الإداري للشكوى)
لجعل شكواك قوية ومؤسسة، يفضل تجهيز ملف يحتوي على العناصر التالية:
- عريضة الشكوى: وثيقة مكتوبة بخط اليد أو مطبوعة، موجهة إلى وكيل الجمهورية، تشرح فيها وقائع قضية الرشوة بالتفصيل (من هو الشخص، ماذا طلب، متى وأين).
- إثبات الهوية: نسخة من بطاقة التعريف الوطنية أو رخصة السياقة.
- الأدلة المادية (إن وجدت): أي دليل يمكن أن يدعم أقوالك يعتبر حاسماً. قد يشمل ذلك:
- تسجيلات صوتية أو مرئية (مع مراعاة المحاذير القانونية).
- رسائل نصية أو رسائل بريد إلكتروني.
- أسماء وعناوين الشهود الذين حضروا الواقعة.
- أي وثيقة تثبت علاقتك بالملف الذي كان موضوع الابتزاز (مثل وصل إيداع ملف).
بعد تقديم الشكوى، ستقوم مصالح الضبطية القضائية بفتح تحقيق تحت إشراف وكيل الجمهورية لجمع الأدلة وسماع الأطراف والشهود.
نصيحة الخبير القانوني
أهم عنصر في قضايا الرشوة هو الإثبات. مجرد الاتهام لا يكفي. إذا تعرضت لطلب رشوة، حاول أن تبقى هادئاً. قم بتوثيق تفاصيل الواقعة فوراً: اسم الموظف، مكتبه، الوقت المحدد، والعبارات التي استخدمها بالضبط. إذا كان هناك شهود، حاول أخذ معلومات الاتصال بهم. القانون الجزائري، وتحديداً المادة 47 من قانون مكافحة الفساد، يوفر حماية للمبلغين ضد أي أعمال انتقامية أو تمييزية. لا تخف من التبليغ، فالقانون في صفك. وللمزيد من المعلومات حول التشريعات الجديدة، يمكن متابعة المصادر الإخبارية القانونية الموثوقة مثل akhbardz.
تنبيه: خطأ شائع يجب تجنبه
يقوم بعض المواطنين بمحاولة “نصب فخ” للموظف المرتشي عبر تسجيله صوتياً أو تصويره بالفيديو دون الحصول على إذن قضائي مسبق. على الرغم من أن النية قد تكون حسنة، إلا أن هذا الفعل يمكن أن يعرضك للمساءلة القانونية بتهمة المساس بحرمة الحياة الخاصة. الإجراء الصحيح هو التبليغ الفوري للشرطة القضائية أو النيابة العامة، فهي الجهات الوحيدة المخولة قانوناً باستصدار إذن بالتسجيل والتصوير كجزء من التحقيق الرسمي.
الأسئلة الشائعة حول جريمة الرشوة في الجزائر
ما هو الفرق بين الهدية والرشوة في القانون؟
الفرق الجوهري يكمن في النية والمقابل. الهدية تُقدم في مناسبات اجتماعية دون انتظار مقابل يتعلق بوظيفة الشخص. أما الرشوة فهي “مقابل” مشروط بأداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل يدخل في صميم واجبات الموظف. إذا قُدمت “هدية” لموظف بعد إنجازه لعمله بهدف التأثير على قراراته المستقبلية، فإنها تدخل في نطاق جريمة الرشوة.
هل أعتبر مذنباً إذا دفعت الرشوة تحت الضغط أو لإنهاء معاناة طويلة في الإدارة؟
نعم، القانون يعتبر الراشي والمرتشي شريكين في الجريمة ويعاقب كليهما. ومع ذلك، تنص المادة 28 من القانون 06-01 على إعفاء الراشي من العقوبة إذا أبلغ السلطات الإدارية أو القضائية عن الجريمة قبل اكتشافها، أو إذا اعترف بها بعد بدء المتابعة وساعد في إلقاء القبض على المتورطين الآخرين. هذا التشجيع على التبليغ هو مخرج قانوني مهم.
هل هناك عقوبات على الشركات (الأشخاص المعنوية) المتورطة في الرشوة؟
بالتأكيد. تنص المادة 53 من قانون مكافحة الفساد على معاقبة الشخص المعنوي (الشركة، المؤسسة) الذي يرتكب جريمة الرشوة بغرامة تعادل من مرة إلى خمس مرات الحد الأقصى للغرامة المقررة للشخص الطبيعي. بالإضافة إلى ذلك، يمكن الحكم بعقوبات تكميلية خطيرة مثل المنع من ممارسة النشاط، الإقصاء من الصفقات العمومية، أو حتى حل الشخص المعنوي ومصادرة أملاكه.
ما هي الحماية التي يوفرها القانون للمبلغين عن الفساد؟
يوفر القانون حماية مشددة. المادة 45 من القانون 06-01 تعاقب بالحبس والغرامة كل من يقوم بأعمال انتقامية أو تهديدية ضد المبلغين أو الشهود. وتشمل الحماية ضمان سرية هوية المبلغ وتوفير حماية جسدية له ولأفراد عائلته عند الضرورة، بالإضافة إلى الحماية من أي إجراء تعسفي في مكان العمل كالطرد أو تخفيض الرتبة.
الخاتمة
إن جريمة الرشوة، بكل صورها، تشكل تهديداً مباشراً لسيادة القانون ومبدأ المساواة بين المواطنين. لقد وضع المشرع الجزائري، من خلال القانون 06-01، إطاراً قانونياً قوياً لمكافحة هذه الآفة، مع عقوبات رادعة وآليات واضحة للتبليغ والحماية. تقع على عاتق كل مواطن مسؤولية عدم الرضوخ للابتزاز واللجوء إلى القنوات القانونية المتاحة، لأن محاربة الفساد هي معركة جماعية تبدأ من رفض كل فرد المشاركة في هذه الجريمة، قولاً أو فعلاً.
المصادر والمراجع
- القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006، المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته (مع آخر تعديلاته).
- الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات (مع آخر تعديلاته).
- الموقع الرسمي لوزارة العدل الجزائرية.
- الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.




