الدين

التعامل مع المعاصي الإلكترونية في المجتمع الجزائري: استراتيجيات الوقاية والعلاج

في عصرٍ أصبحت فيه الهواتف الذكية امتدادًا لأيدينا، والشاشات الرقمية نافذة نطل منها على العالم ونُطِلُّ منها عليه، تحوّلت ساحة الجهاد الإيماني من مجرد ضبط الجوارح في الواقع المادي إلى معركةٍ أشد خفاءً وضراوة في العالم الافتراضي. لقد استحدثت التكنولوجيا قوالب جديدة للمعصية لم تكن معهودة في أسفار السلف، فصارت الغيبةُ منشورًا، والنميمةُ رسالةً، والنظرة المحرمة نقرة زر. إن خطورة المعاصي الإلكترونية لا تكمن في سهولة اقترافها فحسب، بل في سرعة انتشارها وبقاء أثرها، مما يجعل فهم حكمها الشرعي وتعلّم سُبل الوقاية منها والعلاج من آثارها ضرورةً عقدية وسلوكية لكل مسلم جزائري يعيش تحديات هذا الزمان، الذي اختلطت فيه الطاعة بالمعصية في شاشة واحدة.

فهرس المقال إخفاء

ما هي المعاصي الإلكترونية: التعريف الشرعي والمفهوم الدقيق

إن مصطلح “المعاصي الإلكترونية” ليس مصطلحًا فقهيًا أصيلاً، بل هو وصفٌ معاصرٌ لفعلٍ قديم في صورةٍ حديثة. ولضبط المفهوم، يجب تفكيكه على النحو التالي:

  • المعنى اللغوي: المعصية هي مخالفة الأمر. والإلكترونية نسبة إلى الإلكترون، وتشير إلى كل ما يتعلق بالتقنية الرقمية الحديثة.
  • المعنى الاصطلاحي الشرعي: هي كل فعلٍ أو قولٍ أو اعتقادٍ محرمٍ شرعًا، يتم ارتكابه أو نشره أو الترويج له باستخدام الوسائط الرقمية والشبكات المعلوماتية، سواء كان ذلك في حق الله تعالى (كالشبهات والبدع)، أو في حقوق العباد (كالغيبة والتشهير والسرقة).
  • الفرق بين المفهوم الصحيح والتصور الشائع: يتوهم البعض أن العالم الافتراضي هو عالمٌ منفصلٌ عن الرقابة الإلهية والمحاسبة الشرعية، وهذا تصورٌ قاصر وخطير. فالمعصية الإلكترونية ليست “أقل إثمًا”، بل قد تكون أشد خطرًا؛ لأنها تجمع بين ذنب السر (الخلوة بالهاتف) وذنب الجهر (إذا نُشرت)، وتتصف بالبقاء والانتشار الواسع، مما يجعلها من السيئات الجارية التي يستمر وزرها حتى بعد موت صاحبها.

الأدلة من القرآن والسنة: أساس المساءلة عن كل نقرة ونظرة

لم يترك الوحيان، القرآن والسنة، أصلاً من أصول المحاسبة إلا وبيّناه، وهذه الأصول تنسحب بقوة على أفعالنا في العالم الرقمي.

1. من القرآن الكريم:

قال الله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (سورة الإسراء: 36).
التفسير: هذه الآية أصلٌ عظيم في مسؤولية المسلم عن جوارحه. فكل ما تسمعه الأذن عبر المقاطع الصوتية، وما تراه العين من صور ومقاطع مرئية، وما يعقده القلب وينويه بناءً على ما اطّلع عليه إلكترونيًا، هو محل سؤال وحساب يوم القيامة.

وقال سبحانه: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (سورة ق: 18).
التفسير: إذا كان اللفظ المنطوق مرصودًا، فإن المكتوب أولى بالرصد، فالكتابة هي لسان اليد. فكل تعليق أو منشور أو رسالة تُكتب، هي “قولٌ” يُسجَّل في صحيفة العبد، وعليه رقيب عتيد.

2. من السنة النبوية المطهرة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ”. (رواه البخاري).
الشرح: هذا الحديث ينطبق انطباقًا مباشرًا على ما يُكتب ويُنشر في وسائل التواصل. فكم من “مزحة” أو “تعليق ساخر” أو “نقل خبر” دون تثبت، يُكتب بلا مبالاة، وهو في ميزان الشرع من سخط الله، قد يهوي بصاحبه في النار.

وفي الحديث الذي يرويه ثوبان رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: “لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا”. قال ثوبان: يا رسول الله، صِفْهُمْ لنا، جَلِّهِمْ لنا؛ أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: “أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا”. (صححه الألباني).
الشرح: هذا الحديث هو إنذار شديد لمن يستتر عن أعين الناس في خلوته مع جهازه، فيطلق لبصره العنان في الحرام، وينتهك حدود الله معتقدًا أنه في مأمن. إنها “معصية الخلوات الرقمية” التي قد تُحبط الأعمال الصالحة.

فهم العلماء للموضوع وتطبيقه على الواقع المعاصر

لم يتحدث العلماء القدامى عن “الفيسبوك” أو “تيك توك”، لكنهم أصلّوا قواعد السلوك التي تحكم كل أفعال المكلفين. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “وأكثر ما تكون المعاصي من فضول الكلام وفضول النظر وهما أوسع مداخل الشيطان”. وهذا بالضبط ما تتيحه المنصات الرقمية اليوم: مساحات لا نهائية لفضول الكلام والنظر.

وقد قاس العلماء المعاصرون الأحكام القديمة على النوازل الجديدة؛ فالغيبة عبر “واتساب” تأخذ حكم الغيبة في المجلس وأشد، والسرقة الإلكترونية (الاحتيال المالي) هي نوع من أكل أموال الناس بالباطل، ونشر الشائعات عبر الصفحات الإخبارية هو من الإرجاف الذي نهى عنه الشرع.

نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية

قبل أن تضغط زر “نشر” أو “إرسال”، توقف لحظة واسأل نفسك ثلاثة أسئلة:

  1. هل هذا الكلام يُرضي الله تعالى؟
  2. هل هو نافع لي في آخرتي؟
  3. هل أنا مستعد لمقابلة الله بهذا المنشور في صحيفتي؟

إذا كان الجواب “لا” على أي منها، فاحذفه فورًا. هذه الوقفة هي “فلتر المراقبة” الذي ينجيك.

استراتيجيات الوقاية والعلاج: منهج عملي للمسلم الجزائري

التعامل مع هذا السيل من الفتن يتطلب منهجًا مزدوجًا: وقاية استباقية، وعلاج فوري عند الوقوع في الزلل.

أولاً: استراتيجيات الوقاية (قبل المعصية)

  • تعزيز المراقبة الداخلية: استشعار أن الله يراك {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}. هذه هي حصانة المؤمن الأولى والأقوى.
  • التطهير الرقمي (Digital Detox): قم بإلغاء متابعة كل حساب أو صفحة تنشر ما يغضب الله أو يثير الشهوات والشبهات. اجعل محيطك الرقمي نظيفًا كبيتك.
  • استثمار التقنية في الطاعة: تابع العلماء، اشترك في قنوات علمية، استخدم تطبيقات القرآن والحديث. حوّل هاتفك من أداة لهو إلى أداة قربى.
  • وضع حدود زمنية ومكانية: لا تستخدم الهاتف في أوقات الخلوة التي تضعف فيها النفس (كمنتصف الليل)، أو في أماكن العبادة (كالمسجد).
  • صحبة صالحة إلكترونيًا: انضم إلى مجموعات تذكّر بالخير وتعين على الطاعة، وتجنب مجموعات الغيبة واللغو.

ثانيًا: استراتيجيات العلاج (بعد المعصية)

  • التوبة الفورية النصوح: إذا زلّت قدمك، لا تسوّف. استغفر فورًا، اندم، واعزم على عدم العودة.
  • إزالة أثر المعصية: احذف المنشور المحرم، أو التعليق السيء، أو اعتذر لمن أسأت إليه. لا تترك للمعصية أثرًا جاريًا.
  • إتباع السيئة الحسنة: كما قال ﷺ: “وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا”. بعد الذنب الرقمي، انشر شيئًا نافعًا، أو تصدّق، أو صلِّ ركعتين.
  • المجاهدة والمصابرة: الطريق ليس سهلاً، وقد تقع مرة أخرى. المهم هو ألا تستسلم. قم، وتب، وجاهد من جديد. {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.

الآثار الإيمانية والسلوكية للمعاصي الإلكترونية

إن التساهل في هذه الذنوب يترك آثارًا مدمرة على الفرد والمجتمع:

  • على الفرد: قسوة القلب، ضعف لذة العبادة، ذهاب الحياء، الوقوع في فخ الإدمان الرقمي، وضياع الأوقات والأعمار.
  • على الأسرة: انقطاع صلة الأرحام بسبب خلافات فيسبوكية، تفكك الروابط بين الزوجين بسبب الخيانات الرقمية، وإهمال تربية الأبناء.
  • على المجتمع الجزائري: انتشار الشائعات التي تزعزع الاستقرار، تطبيع المنكرات، شيوع البغضاء والحسد بين الناس، وانهيار منظومة القيم الأخلاقية.

سؤال وجواب (تصحيح مفهوم خاطئ)

السؤال: هل استخدام اسم مستعار أو حساب وهمي يرفع عني الإثم عند نشر كلام بذيء أو سخرية من الناس؟

الجواب: قطعًا لا. إن الحساب الوهمي يسترُك عن أعين الخلق، ولكنه لا يسترك عن عين الخالق سبحانه. بل قد يكون الإثم أشد، لأنه يجمع بين المعصية (كالقذف أو الغيبة) وبين صفة الجبن والنفاق بالاختباء. المحاسبة يوم القيامة تكون على حقيقة الشخص لا على اسمه المستعار.

الأسئلة الشائعة (FAQ)

ما حكم مشاهدة المسلسلات والأفلام التي تحتوي على مشاهد محرمة أو أفكار مخالفة للعقيدة؟

لا يجوز مشاهدة المحتوى الذي يشتمل على منكرات ظاهرة كالعري والموسيقى المحرمة والمشاهد الخادشة للحياء، أو يروج لأفكار تخالف العقيدة الإسلامية كالإلحاد أو الشذوذ، لأن في ذلك إقرارًا للمنكر وإماتة للقلب. “وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره”، وهذا يشمل المشاهدة.

هل الدردشة الكتابية بين شاب وفتاة أجنبية عنه حلال؟

الأصل أن المحادثة بين الجنسين لغير حاجة معتبرة (كدراسة أو عمل) هي باب من أبواب الفتنة. فإن كانت لحاجة، فيجب أن تكون بضوابط شرعية: غض البصر (بعدم تبادل الصور)، عدم الخضوع بالقول (الكلام اللين الذي يثير الفتنة)، الاقتصار على قدر الحاجة، وعدم الخلوة (والمحادثة الخاصة بين اثنين هي خلوة رقمية).

ما حكم “الميمز” (Memes) التي تسخر من أشخاص أو فئات معينة؟

السخرية من الناس محرمة بنص القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ}. وكثير من “الميمز” قائم على الاستهزاء بشكل شخص أو لهجته أو تصرفه، وهذا يدخل في الغيبة المحرمة والهمز واللمز، فلا يجوز إنشاؤها ولا نشرها ولا الضحك عليها.

هل أنا آثم بمجرد وجودي في مجموعة “واتساب” أو “فيسبوك” يُنشر فيها منكرات؟

نعم، أنت مطالب بإنكار المنكر. فإن كنت قادرًا على تغيير المنكر بالنصيحة فافعل، فإن لم يستجيبوا أو لم تكن قادرًا على التغيير، فالواجب عليك مغادرة المجموعة فورًا حتى لا تكون شريكًا لهم في الإثم بسكوتك ورؤيتك للمنكر.

كيف أتوب من نشر شائعة أو معلومة خاطئة تسببت في أذى لشخص؟

التوبة من حقوق العباد لها شروط إضافية: أولاً، التوبة إلى الله (الندم والاستغفار). ثانيًا، حذف المنشور وإزالة أثره قدر الإمكان. ثالثًا، تكذيب الخبر في نفس النطاق الذي انتشر فيه، وذلك بنشر تصحيح للمعلومة. رابعًا، طلب المسامحة والعفو من الشخص الذي تضرّر إن أمكن ذلك دون أن يؤدي إلى مفسدة أكبر.

الخاتمة: من ساحة المعصية إلى ساحة الدعوة

إن الفضاء الرقمي، الذي قد يكون مستنقعًا للمعاصي، هو نفسه ميدان فسيح للدعوة إلى الله ونشر الخير. فكل مسلم جزائري يقف اليوم على ثغر من ثغور الإسلام، إما أن يخذله بمعصية يرتكبها، أو أن يذود عنه بكلمة حق ينشرها. ليكن هاتفك حجة لك لا عليك، وصفحاتك شاهدة لك بالخير يوم القيامة. استعمل هذه النعمة فيما يرضي المنعم، واجعل من عالمك الافتراضي امتدادًا لعبوديتك لله في عالمك الحقيقي.

نسأل الله أن يبصّرنا بعيوبنا، وأن يقينا شرور أنفسنا وشرور الفتن ما ظهر منها وما بطن. وللاطلاع على المزيد من المواضيع التي تهم المسلم في حياته اليومية، ندعوكم لتصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد باستمرار.

تنويه من “akhbardz”:
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى