الدين

اختيار الشيخ الموثوق في الفتوى دليل الجزائريين لضمان صحة القرارات الدينية

في خضم بحر المعلومات المتلاطم الذي نعيشه اليوم، ومع تعدد الأصوات وادعاء كل فريق أنه على الحق، يجد المسلم الجزائري نفسه في حيرة من أمره، خاصة عندما تتعلق المسألة بدينه الذي هو عصمة أمره. لقد أصبح الوصول إلى “فتوى” أسهل من أي وقت مضى بضغطة زر، لكن الوصول إلى الفتوى الصحيحة الموثوقة أصبح أصعب من تسلق الجبال. هذا المقال ليس مجرد سرد للنصائح، بل هو دليل منهجي وعلمي، مستمد من أصول الشريعة وقواعدها، لمساعدتك في تمييز العالم الرباني من المتعالم، والشيخ الموثوق من المتصدر للفتوى بغير علم، لتضمن بذلك سلامة دينك وصحة قراراتك في الدنيا والآخرة.

فهرس المقال إخفاء

لماذا البحث عن الشيخ الموثوق ضرورة شرعية لا خيار؟

إن مسألة الفتوى والاستفتاء ليست شأناً هامشياً في دين المسلم، بل هي من صميم الدين. فالدين يُؤخذ بالتلقي والرواية عن الثقات، كما قال الإمام محمد بن سيرين رحمه الله: “إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”. فكما أنك لا تستأمن على جسدك إلا طبيباً حاذقاً، ولا على مالك إلا خبيراً أميناً، فكيف تستأمن على دينك – الذي هو أغلى ما تملك – أي شخص تصدّر للكلام دون علم راسخ أو تقوى ظاهرة؟

1. المفهوم الشرعي للفتوى وأهل الذكر

المعنى اللغوي: الفتوى في اللغة هي الإبانة عن الحكم والإجابة عن الإشكال. والشيخ هو من طعن في السن وظهر عليه الشيب، وتُطلق مجازاً على صاحب العلم والمكانة.

المعنى الاصطلاحي: الفتوى هي “الإخبار بحكم الله تعالى بدليل شرعي لمن سأل عنه”. أما “أهل الذكر” الذين أمرنا الله بسؤالهم، فهم أهل العلم بالقرآن والسنة وأحكام الشريعة، وهم العلماء الربانيون الذين يجمعون بين العلم والعمل والخشية.

التصور الشائع الخاطئ هو أن كل من أطلق لحيته، أو اعتلى منبراً، أو حاز على شهرة إعلامية هو بالضرورة شيخ موثوق يُؤخذ منه الدين. وهذا خطأ فادح، فالعلم له أهله، والفتوى لها فرسانها الذين أمضوا أعمارهم في تحصيله.

2. الأصل من القرآن والسنة: أساس الاتباع

لقد وضع لنا الوحي أسساً واضحة لاتباع أهل العلم والرجوع إليهم، محذراً في الوقت ذاته من اتباع الهوى أو سؤال الجهال.

  • من القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. هذا أمر إلهي واضح بالرجوع إلى أهل الاختصاص، وهم العلماء. يقول الإمام الطبري في تفسيره: “فاسألوا أهل العلم بالكتب السابقة يخبروكم أنه لا يرسل إلا البشر”. وهو أصل في سؤال أهل كل علم. يمكنك مراجعة تفسير الآية في مصحف جامعة الملك سعود.
  • من السنة النبوية الشريفة: حذر النبي صلى الله عليه وسلم من زمن يقل فيه العلم ويكثر فيه الجهل، فقال في الحديث المتفق عليه: “إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا”. وهذا الحديث يصف بدقة واقعنا المؤلم.

من هو الشيخ الموثوق؟ علامات وصفات عملية للجزائريين

معرفة الشيخ الموثوق ليست أمراً سرياً أو طلباً للمستحيل، بل له علامات واضحة يمكن للمسلم الفطن أن يتبينها. هذه ليست شروطاً تعجيزية بل هي موازين شرعية لحفظ الدين.

1. العلم الراسخ لا مجرد الثقافة العامة

العالم الحقيقي هو من عُرف بطلبه للعلم على أيدي العلماء الموثوقين، وله إجازات علمية معتبرة، وليس مجرد قارئ للكتب أو متابع للمحاضرات. علمه منهجي وأصيل، يرجع فيه إلى الأصول والقواعد، وليس مجرد تجميع للمعلومات.

2. التقوى والورع الظاهر

العلم بلا تقوى لا قيمة له. ابحث عن الشيخ الذي يظهر عليه أثر العلم في سلوكه وسمته وورعه. من يُعظّم حرمات الله، ويخاف من القول على الله بغير علم. قال الإمام مالك رحمه الله: “أدركت أهل العلم ببلدنا وإن أحدهم لو سُئل عن عشر مسائل لأجاب في واحدة وتوقف في تسع”.

3. التزكية من العلماء الآخرين

من أهم العلامات هي شهادة أهل العلم له بالعلم والأهلية. فالعلماء يعرف بعضهم بعضاً. إذا رأيت العلماء المعتبرين في الجزائر وخارجها يثنون على شخص ويحيلون عليه، فهذه علامة قوية على أهليته.

4. البعد عن الشهرة والجدل المذموم

الشيخ الموثوق لا يركض خلف الأضواء، ولا يبحث عن إثارة الجدل، ولا يتتبع غرائب المسائل وشواذ الأقوال. همه هو تعليم الناس دينهم وتقريبهم إلى ربهم، لا جمع المتابعين وتحقيق “الترند”.

5. المنهج المعتدل البعيد عن الغلو والتفريط

منهجه هو منهج الوسطية والاعتدال الذي جاء به الإسلام، فلا يميل إلى الغلو والتطرف، ولا إلى التساهل والتمييع. يوازن بين النصوص ومقاصد الشريعة، ويفهم الواقع الذي يعيش فيه.

نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية

قبل أن تسأل عن حكم مسألة، أصلح نيتك مع الله. ليكن قصدك هو معرفة الحق واتباعه، لا البحث عن رخصة أو هوى يوافق شهوتك. فمن صدق في طلب الحق، وفّقه الله للعالم الرباني الذي يدله عليه.

أخطاء شائعة في اختيار المرجع الديني

يقع الكثير من الناس في أخطاء منهجية عند البحث عن فتوى، مما يوقعهم في الحرج أو الخطأ في الدين:

  • “تسوّق الفتاوى” (Fatwa Shopping): وهو البحث عن الفتوى التي توافق هوى السائل، فينتقل من شيخ إلى آخر حتى يجد من يفتيه بما يريد. وهذا تلاعب بالدين والعياذ بالله.
  • الاغترار بالشهرة الإعلامية: ليس كل مشهور على فيسبوك أو يوتيوب عالماً. الشهرة قد تكون بسبب الكاريزما أو المحتوى الجذاب، لا بسبب العلم الراسخ.
  • الأخذ من المجاهيل: سؤال صفحات مجهولة على وسائل التواصل الاجتماعي أو منتديات لا يُعرف من يقف خلفها هو من أعظم المخاطر على دين المسلم.
  • التعصب الأعمى: التعصب لشيخ أو جماعة بحيث يُقبل كل ما يقوله ويرد كل ما يقوله غيره، حتى لو كان الحق مع غيره.

سؤال وجواب: تصحيح مفهوم خاطئ

السؤال الشائع: “ما دامت الفتوى مستندة إلى آية أو حديث، فما المشكلة في الأخذ بها من أي شخص؟”

الجواب: هذا فهم قاصر وخطير. الاستدلال بالنصوص الشرعية ليس مجرد قراءة للنص، بل هو علم له أصول وقواعد دقيقة. فقد يستدل شخص بآية منسوخة، أو حديث ضعيف، أو يفهم النص على غير وجهه الصحيح، أو يضعه في غير سياقه. العالم الموثوق هو الذي يمتلك الأدوات العلمية لفهم النص فهماً صحيحاً وتنزيله على الواقع تنزيلاً سليماً، وهو ما يفتقده غير المتخصص.

الآثار الإيمانية والسلوكية لاختيار الشيخ الموثوق

إن الحرص على هذه المسألة له ثمار عظيمة على الفرد والمجتمع:

  • على الفرد: طمأنينة القلب، وعبادة الله على بصيرة، والسلامة من الوقوع في الحرام أو الابتداع في الدين.
  • على الأسرة: بناء أسرة مسلمة على أسس صحيحة، وتربية الأبناء على تعظيم الدين واحترام العلماء.
  • على المجتمع: وحدة الصف، والبعد عن التنازع والفرقة التي تسببها الفتاوى الشاذة والمتطرفة، وحفظ هيبة الدين في نفوس الناس.

الأسئلة الشائعة (FAQ)

1. ماذا أفعل إذا تعارضت فتوى شيخين موثوقين؟

إذا كانا كلاهما من أهل الثقة والعلم، فالمسألة غالبًا ما تكون من مسائل الاجتهاد التي يسوغ فيها الخلاف. يمكنك الأخذ بقول من تطمئن نفسك إلى علمه وورعه، ولا تثريب عليك. والأفضل للمسلم العامي أن يتبع الأعلم والأورع في نظره.

2. هل يمكن الاعتماد على المواقع الإسلامية الكبرى على الإنترنت؟

نعم، المواقع التي يشرف عليها هيئات علمية معتبرة ولجان شرعية متخصصة، مثل موقع مركز الفتوى بإسلام ويب، تعتبر مصدراً موثوقاً بشكل عام. لكن يجب الحذر من المواقع المجهولة أو التي يكتب فيها أفراد غير معروفين.

3. كيف أعرف أن الشيخ مؤهل وأنا لست من طلاب العلم؟

يمكنك معرفة ذلك بسؤال طلاب العلم الموثوقين في منطقتك، وبملاحظة تزكية العلماء الآخرين له، وبنظر في سيرته العلمية (أين درس وعلى من درس)، وبسماع كلامه وملاحظة منهجه في الاستدلال والبعد عن الشذوذ.

4. ما حكم اتباع مذهب فقهي معين في الجزائر كالمذهب المالكي؟

اتباع مذهب فقهي معتبر هو منهج سليم سار عليه المسلمون لقرون، وهو من أسباب حفظ الدين. والمذهب المالكي هو المذهب المعتمد في الجزائر، والالتزام به في العبادات والمعاملات العامة يجمع الكلمة ويمنع الفوضى، مع احترام المذاهب الأخرى المعتبرة.

5. ما الفرق بين العالم والواعظ والخطيب؟

العالم هو الفقيه المؤصَّل الذي يملك أهلية الاستنباط والفتوى. أما الواعظ أو الخطيب، فقد يكون بليغاً ومؤثراً، لكنه قد لا يملك العمق العلمي الكافي للفتوى في النوازل والمسائل الدقيقة. فلكل ميدانه، والعلم شيء والوعظ شيء آخر.

خاتمة: دينك.. لحمك ودمك

إن التحري فيمن تأخذ عنه دينك ليس من باب الوسوسة أو التشدد، بل هو من صميم التعظيم لشعائر الله، ومن باب النصيحة لنفسك. فكما أن سؤالك عن الطبيب الماهر هو دليل حرصك على صحتك، فإن سؤالك عن العالم الرباني هو علامة صدقك في طلب النجاة لآخرتك. اجعل هذا المنهج أساساً في حياتك، وعلمه لأبنائك، لتعبدوا الله على علم وبصيرة، وتنالوا رضاه في الدنيا والآخرة.
وللتوسع في القضايا الشرعية المعاصرة وفهم أعمق لدينك، ندعوك لتصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد، حيث نسعى لتقديم محتوى ديني رصين وموثوق.

تنويه من “akhbardz”:
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى