دليل الالتزام بالحجاب الشرعي في الجزائر للنساء المسلمات

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد. إن الحديث عن الحجاب الشرعي في زمننا هذا ليس مجرد تذكير بفريضة دينية، بل هو إعادة تأصيل لهوية المسلمة التي تواجه سيلاً من الشبهات والتحديات الفكرية والمجتمعية. فبين دعوات التحرر الزائفة التي ترى في الحجاب قيدًا، وبين مظاهر الالتزام الشكلي الذي يفرغ الحجاب من مقاصده الروحية والسلوكية، تضيع الكثير من المعاني السامية وتنشأ حالة من الارتباك لدى المرأة المسلمة، خاصة في مجتمع كالمجتمع الجزائري المتمسك بأصالته الإسلامية. هذا الدليل ليس مجرد سرد للأحكام، بل هو رحلة إيمانية وعقلية لفهم الحجاب فهمًا صحيحًا، يجمع بين الامتثال لأمر الله، وإدراك حكمته، واستشعار أثره في صلاح الفرد والمجتمع.
التعريف الشرعي والمفهومي للحجاب
لفهم أي حكم شرعي فهمًا دقيقًا، لا بد من الانطلاق من تعريفه اللغوي والاصطلاحي، لتمييزه عن المفاهيم الدخيلة والتصورات الشائعة التي قد لا تعبر عن حقيقته الشرعية الكاملة.
1. المعنى اللغوي للحجاب
في اللغة العربية، تدور مادة (حَجَبَ) حول معنى الستر والمنع. فالحِجاب هو الساتر، ويُقال: “حجبه عن الأمر” أي منعه منه. ومنه سُمي حجاب المرأة حجابًا لأنه يسترها ويمنع الأنظار عنها، ويحجب زينتها عن الرجال الأجانب.
2. المعنى الاصطلاحي الشرعي
في الاصطلاح الشرعي، الحجاب ليس مجرد قطعة قماش تغطي الشعر، بل هو مفهوم أشمل ونظام متكامل للباس المرأة المسلمة وزينتها وسلوكها خارج بيتها وأمام الرجال الأجانب (غير المحارم). وهو كل ما يحقق الستر ويمنع الفتنة، وله شروط وضوابط محددة وردت في الكتاب والسنة، لا يصح إطلاق اسم “الحجاب الشرعي” على لباس لم يستوفها.
3. الفرق بين المفهوم الصحيح والتصور الشائع
التصور الشائع اليوم قد يحصر الحجاب في “غطاء الرأس” فقط، مع التساهل في بقية شروط اللباس، كأن يكون ضيقًا يصف الجسد، أو شفافًا، أو لباس شهرة، أو مُعطّرًا. أما المفهوم الشرعي الصحيح فهو أن الحجاب نظام متكامل يشمل ستر جميع البدن (مع خلاف معتبر بين العلماء في الوجه والكفين)، وأن يكون اللباس فضفاضًا، غير شفاف، غير مُزيّن في نفسه، ولا يُشبه لباس الرجال أو لباس الكافرات، وألا يكون لباس شهرة.
الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية
فرضية الحجاب ليست مسألة قابلة للرأي الشخصي أو الاجتهاد المعاصر، بل هي حكم إلهي محكم، دلت عليه نصوص قطعية من القرآن الكريم وأحاديث صحيحة من السنة النبوية المطهرة.
1. الأدلة من القرآن الكريم
- آية الجلابيب (سورة الأحزاب): قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الأحزاب: 59). والجلباب، كما فسره أهل اللغة والتفسير، هو اللباس الواسع الذي يغطي جميع بدن المرأة من الأعلى إلى الأسفل. والآية تبين العلة من هذا التشريع وهي تحقيق العفة والتمييز للمرأة المؤمنة حتى لا تتعرض للأذى.
- آية الخمار (سورة النور): قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: 31). الخمار هو غطاء الرأس، والجيوب هي فتحة الصدر. والأمر الإلهي هنا واضح بأن يمتد غطاء الرأس ليستر الرقبة والصدر، وهذا يبطل مفهوم تغطية الشعر فقط مع كشف الرقبة أو أعلى الصدر.
- آية إبداء الزينة (سورة النور): قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (النور: 31). وقد فسر جمهور الصحابة والتابعين “ما ظهر منها” بأنه الوجه والكفان عند الحاجة والضرورة، أو ما ظهر بغير قصد، مما يؤكد على وجوب ستر سائر البدن والزينة.
2. الأدلة من السنة النبوية
- حديث أسماء بنت أبي بكر: روي عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال: “يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا”، وأشار إلى وجهه وكفيه. (الحديث فيه مقال، لكن معناه صحيح تشهد له الأدلة الأخرى وعمل السلف).
- حديث أم سلمة عن الإسبال: سألت أم سلمة رضي الله عنها النبي ﷺ عن ذيل المرأة، فقال: “يرخينه شبرًا”، قالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال: “فيرخينه ذراعًا، لا يزدن عليه”. (حديث صحيح). وهذا دليل واضح على وجوب ستر القدمين، وهو ما تتساهل فيه كثيرات اليوم.
فهم العلماء للموضوع وإجماع الأمة
أجمعت الأمة الإسلامية على مر العصور، من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، على وجوب ستر المرأة المسلمة لبدنها وزينتها عن الرجال الأجانب. هذا الإجماع هو أحد أقوى الأدلة الشرعية. وقد نقل هذا الإجماع كبار العلماء في مختلف المذاهب الفقهية.
- الإمام ابن تيمية رحمه الله: “وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز”.
- الإمام ابن حزم الظاهري: “اتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة، واختلفوا في الوجه واليدين أنفسهما أعورة هما أم لا”.
- علماء المذاهب الأربعة (الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنابلة): متفقون على وجوب تغطية المرأة لجميع بدنها أمام الأجانب، وإنما وقع الخلاف بينهم في حكم تغطية الوجه والكفين خاصة، فذهب الجمهور إلى أنهما ليسا بعورة لذاتهما ولكن يجب سترهما عند خشية الفتنة، وذهب الحنابلة وبعض العلماء إلى وجوب سترهما مطلقًا.
نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية
أختي المسلمة، اجعلي حجابك عبادة تتقربين بها إلى الله، لا عادة ورثتيها. استحضري نية الطاعة والامتثال لأمر الله في كل مرة ترتدينه، لتتحول كل لحظة به إلى حسنات في ميزانك، وليكون حجابك حارسًا لكِ في الدنيا ونجاة لكِ في الآخرة.
التطبيق العملي في حياة المسلمة: شروط الحجاب الشرعي
لكي يكون الحجاب شرعيًا ومقبولًا، لا بد أن يستوفي الشروط التي استنبطها العلماء من مجموع الأدلة الشرعية. وهذه الشروط هي الميزان الذي يجب أن تعرض عليه كل مسلمة لباسها. يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- أن يكون ساترًا لجميع البدن: يغطي كل الجسد بما في ذلك القدمين، مع الخلاف المعتبر في الوجه والكفين كما أسلفنا.
- أن يكون صفيقًا (غير شفاف): لا يصف لون البشرة تحته.
- أن يكون فضفاضًا (غير ضيق): لا يصف حجم أعضاء الجسم وتقاسيمها.
- ألا يكون زينة في نفسه: أي ألا يكون مُزيّنًا بالألوان الصارخة أو التطريزات اللافتة التي تجذب الأنظار إليه، فالقصد من الحجاب ستر الزينة لا أن يكون هو نفسه زينة.
- ألا يكون مُطيّبًا أو مُبخّرًا: لورود النهي الصريح عن خروج المرأة متعطرة بحيث يشم الرجال ريحها.
- ألا يُشبه لباس الرجال: فقد لعن النبي ﷺ المتشبهات من النساء بالرجال.
- ألا يُشبه لباس الكافرات أو الفاسقات: لقوله ﷺ: “من تشبه بقوم فهو منهم”.
- ألا يكون لباس شهرة: وهو كل لباس يُقصد به الاشتهار والتميز عن الناس، سواء كان نفيسًا أو خسيسًا.
للمزيد من التفصيل في هذه الشروط، يمكن مراجعة فتاوى أهل العلم الموثوقين على مواقع مثل موقع إسلام ويب الذي يفصل في صفة الحجاب الشرعي.
الآثار الإيمانية والسلوكية للحجاب
الحجاب ليس مجرد قطعة قماش، بل هو منظومة تربوية وسلوكية متكاملة، له آثار عظيمة على الفرد والمجتمع حين يُلتزم به عن فهم وقناعة.
- على الفرد: يزرع في نفس المرأة الحياء والعفة، ويُشعرها بهويتها الإسلامية وكرامتها، ويحميها من نظرات السوء وأذى الفساق، ويجعل تقييم الناس لها قائمًا على عقلها ودينها وخلقها لا على جسدها ومظهرها.
- على الأسرة: يحفظ استقرار الأسرة ويقلل من أسباب الخيانة الزوجية، حيث يقطع الطريق على المقارنات والتطلع إلى ما عند الآخرين، ويعزز الثقة بين الزوجين.
- على المجتمع: يساهم في طهارة المجتمع ونقائه، ويقلل من انتشار الفواحش ودواعيها، ويحفظ الأعراض، ويصون الأخلاق العامة، ويجعل العلاقات بين الرجال والنساء قائمة على الاحترام والجدية لا على الشهوة والإثارة.
الانحرافات والمفاهيم الخاطئة حول الحجاب
كما هو الحال في كثير من الشعائر، طال الحجابَ بعضُ الانحرافات في الفهم والتطبيق، والتي يمكن حصرها في طرفي الغلو والتفريط.
- الغلو: ويتمثل في التشديد الزائد بما لم يأت به الشرع، كإلزام المرأة بلون معين (كالأسود فقط)، أو منعها من الخروج من بيتها مطلقًا لغير ضرورة قصوى، أو التعامل معها كعورة متحركة يجب عزلها بالكامل عن المجتمع.
- التفريط (التساهل): وهو الأكثر انتشارًا اليوم، ويتمثل في إفراغ الحجاب من مضمونه، بارتداء ما يسمى بـ “الحجاب المودرن” الذي لا يستوفي الشروط الشرعية، كالبنطال الضيق مع غطاء رأس قصير، أو الألوان الزاهية، أو وضع مساحيق التجميل الكاملة، فهذا وإن سُمي حجابًا في العرف، إلا أنه ليس الحجاب الذي أمر به الله ورسوله.
- التفسيرات العصرية الخاطئة: وهي التي تحاول إعادة تفسير النصوص الشرعية لتتوافق مع الأهواء والرغبات المعاصرة، كمن يدعي أن الحجاب خاص بنساء النبي، أو أنه كان عادة اجتماعية مرتبطة بزمان معين، وكلها دعاوى باطلة تصطدم بصريح القرآن والسنة وإجماع الأمة.
سؤال وجواب (تصحيح مفهوم)
السؤال: أليست قناعتي الداخلية وطهارة قلبي أهم من المظهر الخارجي والحجاب؟
الجواب: نعم، صلاح الباطن هو الأصل والأساس، ولكن الإسلام دين يجمع بين صلاح الظاهر والباطن. فلا يمكن لصلاح القلب أن يكون كاملًا مع الإصرار على معصية ظاهرة أمر الله بتركها. إن صلاح الباطن الحقيقي يثمر حتمًا صلاحًا في الظاهر، والالتزام بالحجاب هو أحد أعظم الدلائل على صدق الإيمان في القلب واستسلامه لأمر الله. فالظاهر عنوان الباطن، والادعاء بصلاح القلب مع مخالفة الشرع في الظاهر هو تناقض يرفضه الإسلام.
أسئلة شائعة حول الحجاب الشرعي
ما هو الفرق بين الحجاب والجلباب في الجزائر؟
في الاصطلاح الشرعي، الحجاب هو الاسم العام للباس الساتر للمرأة. أما الجلباب فهو نوع من أنواع الحجاب، وهو اللباس الواسع الذي يُلبس فوق الثياب ويغطي كامل الجسد من الأعلى للأسفل، وهو أقرب ما يكون لتحقيق الستر الكامل الذي أمرت به آية سورة الأحزاب. وما يُعرف في الجزائر بـ “الجلباب” هو تطبيق ممتاز لهذا المفهوم الشرعي.
هل تغطية الوجه (النقاب) واجبة؟
هذه المسألة من أشهر مسائل الخلاف المعتبر بين العلماء. فجمهور العلماء (من الحنفية والمالكية والشافعية) يرون أن الوجه ليس بعورة ويجوز كشفه بشرط أمن الفتنة. بينما يرى الحنابلة وجمع من العلماء المحققين وجوب ستره مطلقًا لأنه مجمع الحسن وموطن الفتنة. والأورع والأحوط للمرأة، خاصة في زمن كثرة الفتن، هو ستر الوجه خروجًا من الخلاف وعملًا بالأحوط لدينها وعفتها.
هل يجوز لبس البنطال الواسع مع سترة طويلة (Tunique)؟
إذا كان البنطال فضفاضًا جدًا لا يصف حجم الساقين، وكانت السترة فوقه طويلة وساترة تغطي منطقة الحوض والأرداف بشكل كامل، بحيث لا يظهر من تقاسيم الجسم شيء، فقد يُلحق باللباس الجائز مع الكراهة عند بعض العلماء، لأنه يظل فيه نوع من التشبه بالرجال. والأفضل والأكمل للمرأة أن تلبس اللباس المعهود للنساء كالجلباب أو العباءة الفضفاضة التي لا تفصّل الجسم.
كيف ألتزم بالحجاب في بيئة عمل أو دراسة غير مساعدة؟
بالصبر والثبات والاستعانة بالله أولًا. ثم بالحرص على حسن الخلق والتميز في العمل أو الدراسة، ليفرض حجابك احترامه على الآخرين بسلوكك وأخلاقك. لا تتنازلي عن شروط حجابك الشرعي، ولكن تحلّي بالحكمة في التعامل، وبيّني أن حجابك هو جزء من هويتك وقناعتك الدينية ولا يعيق أبدًا تفوقك أو تواصلك المهني المحترم.
ابنتي بلغت، كيف أقنعها بالحجاب برفق وحب؟
يبدأ الأمر بالتربية الإيمانية منذ الصغر، بربط قلبها بالله وحبه وتعظيمه. وعند البلوغ، يكون الحديث عن الحجاب تكملة لهذه التربية. يجب أن يُقدَّم لها الحجاب على أنه تكريم من الله لها وتشريف، وليس قيدًا. استخدمي أسلوب الحوار الهادئ، وبيان حكمة الحجاب وأثره الجميل عليها، مع تشجيعها واختيار حجاب جميل وأنيق (بما لا يخالف الشرع) كهدية لها، وكوني أنتِ قدوتها الصالحة في ذلك.
خاتمة: الحجاب تاج العفة وراية الهوية
في ختام هذا الدليل، نؤكد أن الحجاب الشرعي ليس مجرد زيٍّ تقليدي أو رمز اجتماعي، بل هو عبادة عظيمة، وطاعة لرب العالمين، وتاج كرامة وعفة وضعه الإسلام على رأس المرأة المسلمة ليصونها ويرفع قدرها. إن الالتزام به بشروطه وضوابطه عن علم وقناعة هو حصن من الفتن، وطهارة للقلوب، وسبب لصلاح المجتمعات. فليكن حجابكِ أختي المسلمة في الجزائر وفي كل مكان، راية تعلنين بها انتماءكِ لهذا الدين العظيم، وامتثالكِ لأمر ربكِ، واعتزازكِ بهويتكِ التي لا تقبل المساومة. نسأل الله أن يثبتنا وبناتنا ونساء المسلمين على الحق، وأن يرزقنا العفاف والهدى والتقى.
للاطلاع على المزيد من المواضيع التي تعمق فهمك لدينك، ندعوكِ لتصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد، حيث تجدين مقالات موثوقة ومفيدة. تابعوا معنا كل جديد في الشؤون الدينية في الجزائر لتبقوا على صلة بدينكم ومجتمعكم.
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.




