التعامل مع الفتاوى المتشددة والمتساهلة في الجزائر مبادئ وأسس

في خضم بحر المعلومات الذي يحيط بالمسلم اليوم، وتحديداً في الفضاء الرقمي الجزائري، تتقاذفه أمواج الفتاوى من كل حدب وصوب. فتاوى تحمل في طياتها تشدداً يُنفّر، وأخرى تتسم بتساهل يُميِّع ثوابت الدين. هذا التجاذب بين الغلو والتفريط أحدث حالة من البلبلة الفكرية والاضطراب السلوكي لدى الكثيرين، وجعل التمييز بين الحق والباطل، وبين الرخصة والهوى، أمراً يحتاج إلى بصيرة علمية ومنهجية شرعية رصينة. إن فهم ميزان الشريعة الدقيق في التعامل مع الفتوى لم يعد ترفاً علمياً، بل ضرورة إيمانية للحفاظ على استقامة الدين في حياة الفرد والمجتمع.
مفهوم التشدد والتساهل في الفتوى: ميزان الشرع الدقيق
قبل الخوض في تفاصيل التعامل، لا بد من تحرير المصطلحات وفهمها فهماً شرعياً صحيحاً، بعيداً عن التصورات الشائعة والمغلوطة.
1. التشدد (الغلو والتنطع)
- المعنى اللغوي: الشدة هي القوة والمتانة، والتشدد هو تكلف الشدة. أما الغلو فهو مجاوزة الحد.
- المعنى الاصطلاحي: هو إلزام النفس أو الآخرين بما لم يلزم به الشرع، أو تحريم ما أباحه الله، أو المبالغة في تطبيق السنن والمستحبات على وجه يجعلها كالواجبات، مما يؤدي إلى المشقة والحرج المنهي عنهما. التشدد ليس ورعاً محموداً، بل هو ابتداع في الدين ومخالفة لهدي سيد المرسلين ﷺ.
2. التساهل (التفريط والتمييع)
- المعنى اللغوي: السهولة هي اليسر، والتساهل هو الأخذ بالسهولة. أما التفريط فهو التقصير والتضييع.
- المعنى الاصطلاحي: هو تضييع أحكام الدين، وتحليل ما حرم الله، وإسقاط الواجبات، وتتبع الرخص الشاذة والآراء الضعيفة دون دليل أو ضرورة، لمجرد موافقة هوى النفس. هذا المسلك يؤدي إلى الانسلاخ من التكاليف الشرعية باسم “التيسير”، وهو في حقيقته تمييع للدين.
3. الوسطية والاعتدال: المنهج الحق
المنهج الإسلامي الأصيل قائم على الوسطية التي هي فضيلة بين رذيلتين: التشدد المذموم والتساهل المحرّم. الوسطية هي لزوم هدي النبي ﷺ وأصحابه، والأخذ بالعزائم في مواطنها، والرخص في أماكنها، دون إفراط أو تفريط.
أسس التعامل مع الفتاوى في القرآن والسنة
إن ميزان قبول الفتوى أو ردها ليس هوى النفس أو استحسان العقل المجرد، بل هو النص الشرعي وفهم السلف الصالح له.
الأدلة القرآنية
لقد أرسى القرآن الكريم مبدأ اليسر ورفع الحرج كقاعدة أساسية في التشريع. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. هذا النص أصل في أن مقصود الشارع هو التيسير على العباد، وكل فتوى تناقض هذا المقصد وتُعسّر على الناس بغير دليل فهي بعيدة عن روح الإسلام. كما حذر القرآن من الغلو في الدين، فقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 77]، والخطاب وإن كان لأهل الكتاب، فهو تحذير لهذه الأمة من الوقوع فيما وقعوا فيه.
الأدلة النبوية
سيرة النبي ﷺ كانت تجسيداً عملياً لهذا المنهج الوسطي. تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ” (متفق عليه). فالتيسير هو الأصل ما لم يصطدم بنص محرم. كما حذر ﷺ من مغبة التنطع والتشدد فقال: “هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ”. قالها ثلاثًا. (رواه مسلم). والمتنطعون هم المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.
منهج العلماء الراسخين في الفتوى والترجيح
أدرك العلماء الربانيون هذا الميزان الدقيق، فكانت فتاواهم مبنية على العلم والورع والرحمة بالخلق. يقول الإمام سفيان الثوري رحمه الله: “إنما العلم الرخصة من ثقة، وأما التشديد فيحسنه كل أحد”. وهذا القول يوضح أن الفقه الحقيقي ليس في مجرد التشديد، بل في معرفة متى تؤخذ الرخصة بشروطها ومن أهلها.
كما أنهم حذروا من تتبع الرخص لمجرد الهوى، والذي سماه بعضهم “زندقة”، فالمسلم يتبع الدليل حيثما كان، لا الفتوى التي توافق شهوته. والمنهج الصحيح هو لزوم فتاوى العلماء الموثوقين المعروفين بالعلم والتقوى والاعتدال.
نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية
ميزان قبول الفتوى ليس في كونها “شديدة” أو “سهلة”، بل في كونها مبنية على دليل صحيح وفهم سديد. لا تجعل قلبك أسيراً لاسم المفتي، بل اجعله تابعاً للدليل الشرعي. فالحق لا يُعرف بالرجال، بل الرجال يُعرفون بالحق.
كيف يتعامل المسلم الجزائري مع الفتاوى المختلفة؟
أمام هذا الواقع، يحتاج المسلم إلى خارطة طريق عملية ومنهجية واضحة:
- التثبت من المصدر: أول وأهم خطوة هي التأكد من أهلية المفتي. هل هو من أهل العلم والاختصاص المشهود لهم بالرسوخ في العلم والتقوى والمنهج المعتدل؟ أم هو مجرد واعظ أو شخصية إعلامية؟
- طلب الدليل: من حق المستفتي أن يسأل المفتي عن دليله من الكتاب والسنة وأقوال العلماء المعتبرين. فالدين ليس آراء شخصية.
- فقه الأولويات: يجب التمييز بين مسائل العقيدة والأركان والثوابت التي لا مجال للتساهل فيها، وبين المسائل الفقهية الفرعية التي يسوغ فيها الخلاف وتتعدد فيها الأقوال.
- مراعاة المقاصد وسياق الفتوى: الفتوى قد تختلف باختلاف حال الشخص والمكان والزمان. فما يصلح لشخص قد لا يصلح لآخر، والفتوى التي تصدر في سياق عام تختلف عن فتوى نازلة خاصة.
- الحذر من تتبع الرخص (فتوى شوبينغ): الانتقال من عالم لآخر بحثاً عن أسهل فتوى توافق هوى النفس هو تلاعب بالدين، وهو مسلك خطير يدل على ضعف الديانة.
- الأخذ بالأحوط عند الاشتباه: عند تعارض الفتاوى وعدم القدرة على الترجيح، فالأحوط للدين والأبرأ للذمة هو الأخذ بالقول الذي يخرج المسلم من دائرة الخلاف، خاصة في أمور العبادات والمعاملات المالية.
آثار التشدد والتساهل على الفرد والمجتمع
إن الخلل في ميزان الفتوى له آثار وخيمة تتجاوز الفرد إلى استقرار المجتمع كله.
- آثار التشدد: يؤدي إلى التنفير من الدين، ويوقع الناس في الحرج والعنت، ويفتح الباب أمام الوسواس القهري، وقد يدفع الشباب إلى ردة فعل عكسية تتمثل في الإلحاد أو الانغماس في التفريط.
- آثار التساهل: يؤدي إلى الاستهانة بالمحرمات، وتضييع الواجبات، وانهيار المنظومة الأخلاقية، وفقدان الهوية الإسلامية للمجتمع، وتحويل الدين إلى مجرد طقوس شكلية فارغة من المضمون.
- آثار الوسطية: تبني شخصية مسلمة متوازنة، تجمع بين عبادة الله وعمارة الأرض، وتساهم في بناء مجتمع مستقر ومنتج، يعكس الصورة الحقيقية لجمال الإسلام ورحمته.
سؤال وجواب (تصحيح مفهوم)
السؤال: هل الأخذ بالرأي الأشد هو دائماً دليل على قوة الإيمان والورع؟
الجواب: هذا فهم خاطئ. الورع الحقيقي هو لزوم الدليل الشرعي، وليس البحث عن المشقة لذاتها. كان النبي ﷺ يختار الأيسر ما لم يكن إثماً. فالتقوى تكمن في اتباع السنة، سواء كانت في التشديد أو التيسير، لا في مخالفة هدي النبي ﷺ بفرض مشقة لم يأت بها الشرع.
أسئلة شائعة حول الفتاوى المتشددة والمتساهلة
ماذا أفعل إذا سمعت فتويين متناقضتين من شيخين أثق بهما؟
هنا عليك بمحاولة الترجيح بالنظر إلى قوة دليل كل منهما. فإن لم تستطع، فاسأل عالماً ثالثاً تثق في علمه ودينه ليرجح لك. وإن استوى الأمران عندك تماماً، فلك أن تقلد من تطمئن نفسك إلى علمه وورعه أكثر، أو تأخذ بالأحوط لدينك وهو الأفضل.
هل يجوز لي الأخذ بفتوى متساهلة ما دامت صادرة من عالم معتبر؟
العبرة ليست بالتساهل أو التشدد، بل بموافقة الفتوى للدليل. إن كانت الرخصة أو الفتوى الميسرة لها مستند شرعي قوي، فلا حرج في الأخذ بها، بل هو من يسر الإسلام. أما إن كانت مبنية على دليل ضعيف أو شاذ، فلا يجوز اتباعها ولو قال بها من قال.
كيف أعرف أن المفتي متشدد أو متساهل؟
يُعرف ذلك بالنظر في مجمل فتاواه ومنهجه. فمن كان ديدنه دائماً البحث عن أغرب الأقوال وأشدها، وتحريم كل جديد، فهو يميل للتشدد. ومن كان ديدنه تتبع الرخص، وتمييع الأحكام، والبحث عن مخارج للمحرمات، فهو يميل للتساهل. والعالم المعتدل هو من يدور مع الدليل، فيشدد حيث شدد الشرع، وييسر حيث يسر.
الالتزام بمذهب فقهي معتبر هو من خير ما يضبط الفقه عند عامة الناس ويحميهم من التخبط، فهو منهجية علمية منضبطة. لكن هذا لا يعني التعصب للمذهب ورفض الحق إذا ظهر في مذهب آخر بدليل أقوى.
ما هو الضابط في تتبع الرخص المنهي عنه؟
الضابط هو “الهوى”. فمن كان يبحث في أقوال العلماء عن أسهلها ليتبع هواه، فهذا هو المذموم. أما من أخذ برخصة في مسألة معينة لدليل قوي أو لحاجة معتبرة شرعاً، وهو في سائر أموره ملتزم بمنهج وسطي، فهذا لا يدخل في الذم.
خاتمة: نحو وعي فقهي راشد
إن التعامل مع الفتاوى المتشددة والمتساهلة ليس مجرد اختيار بين رأيين، بل هو عبادة تقتضي علماً وورعاً وبصيرة. المنهج الحق هو التمسك بالوسطية التي هي جوهر رسالة الإسلام؛ وسطية مبنية على الدليل، بعيدة عن غلو المتشددين وتفريط المفرطين. وعلى المسلم في الجزائر، وفي كل مكان، أن يسعى لتكوين وعي فقهي راشد، يمكّنه من تمييز الغث من السمين، وأن يلزم غرز العلماء الربانيين الذين يمثلون امتداداً للمنهج النبوي الأصيل في العلم والعمل والدعوة.
وللاستزادة في المواضيع الإيمانية والفقهية التي تهم المسلم في حياته اليومية، ندعوكم لتصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد، حيث نسعى لتقديم محتوى ديني رصين وموثوق. ونسأل الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه.
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.




