الدين

كتابة وصية شرعية صحيحة قبل الموت في الجزائر خطوة بخطوة

في خضم تسارع الحياة وضغوطها، يغفل الكثير من المسلمين عن حقيقة لا مفر منها: حقيقة الموت والاستعداد له. وليس الاستعداد له بلبس الأكفان وانتظار الأجل، بل هو عمل دؤوب في الحياة الدنيا ينتهي بخاتمة حسنة تبرأ بها الذمة وتُحفظ بها الحقوق. ومن أعظم هذه الأعمال التي تمثل كمال التدبير وحسن الإسلام، والتي أصبحت مهجورة في واقعنا المعاصر إما جهلاً بفضلها أو خوفاً من ذكر الموت، هي كتابة الوصية الشرعية. إنها ليست مجرد وثيقة قانونية لتوزيع المال، بل هي رسالة إيمانية أخيرة، وعهد يتركه المسلم لأهله، ووسيلة لإبراء ذمته أمام الله وأمام الناس، وضمانة لاستمرار الأجر بعد انقطاع العمل.

فهرس المقال إخفاء

ما هي الوصية الشرعية؟ المفهوم الدقيق والفرق الجوهري عن الميراث

لفهم كيفية كتابة وصية صحيحة، لا بد أولاً من تحرير مصطلحها الشرعي وتمييزه عن المفاهيم الملتبسة، وعلى رأسها الميراث.

المعنى اللغوي

كلمة “وصية” في اللغة مشتقة من الفعل “وصى”، أي عَهِدَ وأمر. يقال: وصيته بكذا، أي عهدت إليه به. فالوصية تحمل معنى الوصل، لأن الموصي يصل ما كان له في حياته بما بعد مماته.

المعنى الاصطلاحي في الفقه الإسلامي

أما في اصطلاح الفقهاء، فالوصية هي: “أمر بالتصرف بعد الموت، أو تبرع بمال مضاف إلى ما بعد الموت”. بمعنى آخر، هي عقد يمنح بموجبه الشخص (الموصي) جزءاً من ماله لشخص أو جهة معينة (الموصى له)، على أن يُنفذ هذا العطاء بعد وفاته.

الفرق الجوهري بين الوصية والميراث

كثير من الناس يخلط بين الوصية والميراث، والفرق بينهما شاسع وجوهري:

  • الميراث (الفرائض): إجباري، مقاديره محددة من الله تعالى في القرآن الكريم، ولا يملك الإنسان حق تغييرها. وهو مخصص للورثة الشرعيين (الأبناء، الزوجة، الأب، الأم، إلخ).
  • الوصية: اختيارية (في الأصل)، ومقدارها محدد بسقف لا يتجاوز ثلث التركة، وهي مخصصة لغير الورثة من الأقارب أو الفقراء أو أعمال الخير.

مشروعية الوصية وأدلتها القاطعة من القرآن والسنة

لم تترك الشريعة الإسلامية هذا الأمر هملاً، بل حثت عليه ورغّبت فيه وجعلت له إطاراً واضحاً في مصادرها الأساسية.

1. الأدلة من القرآن الكريم

قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 180). وقد بيّن جمهور المفسرين أن وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين نُسخ بآيات المواريث التي حددت أنصبتهم، ولكن بقيت مشروعية الوصية واستحبابها في حق غير الوارثين، وبقي الأمر بكتابتها دليلاً على أهميتها.

2. الأدلة من السنة النبوية المطهرة

الأحاديث في هذا الباب كثيرة وصريحة، ولعل أشهرها حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: “مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ” (متفق عليه). هذا الحديث يدل على الاستحباب المؤكد للمبادرة بكتابة الوصية وعدم تأجيلها.

كما حدد النبي ﷺ إطارها المالي في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين أراد أن يوصي بأكثر من ثلث ماله، فقال له النبي ﷺ: “الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ – أَوْ كَبِيرٌ -“ (متفق عليه). وهذا الحديث أصل عند العلماء في أن الوصية لا تجوز في أكثر من الثلث.

حكم كتابة الوصية بين الوجوب والاستحباب

بناءً على الأدلة السابقة، فصّل العلماء في حكم الوصية كالتالي:

  • تكون مستحبة: في حق المسلم الذي ليس عليه ديون أو حقوق للغير، ويريد أن يترك جزءاً من ماله كصدقة جارية أو لصلة أرحامه غير الوارثين. وهذا هو حال أغلب الناس.
  • تكون واجبة: في حق من عليه ديون لله (كزكاة لم تخرج أو كفارات) أو ديون للعباد لا توجد بها إثباتات كافية، أو لديه أمانات وودائع للناس. في هذه الحالة، يجب عليه كتابة وصية لبيان هذه الحقوق حتى لا تضيع بوفاته، ويأتي يوم القيامة مُحاسباً عليها.

نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية

لا تؤجل كتابة وصيتك. اجعلها وثيقة حية، راجعها كل فترة لتحديثها حسب ما يستجد في حياتك من ديون أو حقوق. إنها ليست نذير شؤم، بل هي علامة على كمال الإيمان وحسن التدبير، وعمل صالح يسبقك إلى آخرتك.

الدليل العملي: كيفية كتابة وصية شرعية في الجزائر خطوة بخطوة

لكتابة وصية صحيحة شرعاً ومقبولة قانوناً في الجزائر، اتبع هذه الخطوات العملية والواضحة:

الخطوة الأولى: الاستفتاح بالحمد والشهادة

تبدأ الوصية كما تبدأ كل الأمور ذات الشأن في الإسلام:

“بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصى به (فلان بن فلان)، وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.”

الخطوة الثانية: الوصايا الإيمانية والسلوكية (الوصايا التقوية)

قبل المال، يأتي الدين. هذا هو الجزء الروحي من الوصية، حيث توصي أهلك وأبناءك بتقوى الله:

“أوصي أبنائي وزوجتي وأهلي بتقوى الله عز وجل، وإصلاح ذات بينهم، وطاعة الله ورسوله. وأوصيهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والمحافظة على أركان الإسلام. كما أوصيهم بالتمسك بالكتاب والسنة، وبالأخوة والمحبة، وأن يجتنبوا البدع في الدين، والمحدثات في العزاء، كالنواح ولطم الخدود وشق الجيوب.”

الخطوة الثالثة: الإقرار بالديون والحقوق (الجزء الواجب)

هذا هو أهم جزء من الناحية العملية لإبراء الذمة. يجب أن تكون واضحاً ودقيقاً:

“أقر بأن عليّ من الديون ما يلي:

– مبلغ (….) دينار جزائري للسيد (فلان الفلاني).

– مبلغ (….) دينار جزائري ثمن بضاعة من (المحل الفلاني).

ولي من الديون على الغير ما يلي:

– مبلغ (….) دينار جزائري على السيد (فلان الفلاني).”

الخطوة الرابعة: الوصية بالمال (في حدود الثلث الشرعي)

بعد سداد الديون وتكاليف الجنازة، يتم حساب صافي التركة. من هذا الصافي، يمكنك التوصية بثلثه أو أقل لغير الورثة.

“وأوصي من ثلث مالي بعد قضاء ديني وتنفيذ وصاياي بما يلي:

1. مبلغ (….) دينار جزائري يُدفع لمشروع بناء مسجد (كذا) أو يُعطى لجمعية (كذا) الخيرية.

2. مبلغ (….) دينار جزائري يُعطى لأبناء أخي المتوفى (فلان) لأنهم غير وارثين.

3. جعل منفعة شقتي الكائنة بـ (العنوان) وقفاً لله تعالى يُصرف ريعها على الأرامل والأيتام.”

الخطوة الخامسة: تعيين منفذ للوصية (الوصي)

اختر شخصاً تثق في دينه وأمانته ليقوم على تنفيذ ما ورد في وصيتك.

“وقد وكلت بتنفيذ هذه الوصية أخي (فلان بن فلان)، وعليه أن يتقي الله في ذلك.”

الخطوة السادسة: الإشهاد والتوثيق الرسمي

شرعاً، يكفي إشهاد رجلين مسلمين عدلين على الوصية. ولكن لضمان تنفيذها قانوناً في الجزائر ومنع النزاعات، من الضروري جداً توثيقها عند موثّق (Notaire). هذا الإجراء يحفظ الحقوق ويتوافق مع مقاصد الشريعة في تحقيق العدل وقطع دابر الخلاف.

أخطاء شائعة ومفاهيم خاطئة حول الوصية يجب الحذر منها

  1. الوصية لوارث: لا يجوز تخصيص أحد الورثة الشرعيين (كابن أو ابنة) بجزء من الوصية، لقول النبي ﷺ: “إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث”. (رواه أهل السنن). إلا إذا أجاز ذلك بقية الورثة بعد وفاة الموصي.
  2. تجاوز الثلث: الوصية بأكثر من ثلث التركة باطلة في مقدار الزيادة، ولا تنفذ إلا بموافقة جميع الورثة.
  3. وصية الإضرار: أن يقصد الموصي بوصيته حرمان بعض الورثة أو الإضرار بهم. هذا من كبائر الذنوب، قال تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (النساء: 12).
  4. الاعتقاد بأنها للأغنياء فقط: الوصية ليست فقط للمال، بل لبيان الحقوق والنصيحة الإيمانية، وهي مشروعة لكل مسلم.

سؤال وجواب (تصحيح مفهوم شائع)

السؤال: هل كتابة الوصية تعني استعجال الموت أو أنها فأل سيء؟

الجواب: قطعاً لا. هذا فهم خاطئ ناتج عن الغفلة. كتابة الوصية هي امتثال لأمر النبي ﷺ، وعلامة على الحكمة والمسؤولية. الأجل بيد الله وحده لا يقدمه كتابة ورقة ولا يؤخره إهمالها. بل إن المسلم الذي يكتب وصيته يعيش براحة بال وطمأنينة، لعلمه أنه أدى ما عليه تجاه ربه وأهله.

الأسئلة الشائعة (FAQ) حول كتابة الوصية

ما هو المقدار الأقصى الذي يمكنني أن أوصي به؟

الحد الأقصى شرعاً هو ثلث (1/3) صافي التركة بعد سداد الديون وتكاليف التجهيز والدفن.

هل يمكنني أن أوصي لأحد أبنائي لأنه أحوج من إخوته؟

لا، لا يجوز ذلك في الوصية لأن الابن وارث. يمكنك أن تعطيه مالاً على سبيل “الهبة” في حياتك وصحتك، بشرط تحقيق العدل بين أولادك وعدم قصد حرمان الآخرين.

ماذا لو لم أترك وصية؟

في حال عدم وجود وصية، سيتم توزيع تركتك بالكامل وفقاً لقواعد الميراث الشرعية (الفرائض) التي حددها الله في القرآن، وهذا بعد سداد ديونك.

هل الوصية الشفهية معتبرة؟

تعتبر شرعاً إذا ثبتت بشهادة الشهود العدول، لكن إثباتها قضائياً صعب جداً وقد يفتح باباً للنزاع. الكتابة والإشهاد والتوثيق الرسمي هي أفضل وسيلة لضمان تنفيذها وحفظ الحقوق.

هل يمكنني تعديل وصيتي بعد كتابتها؟

نعم، للموصي الحق في الرجوع عن وصيته أو تعديلها أو تغييرها في أي وقت شاء ما دام حياً وكامل الأهلية. الوصية الأخيرة هي التي يتم العمل بها.

خاتمة: الوصية جسر إلى الآخرة وحصن للأسرة

في الختام، ليست الوصية مجرد إجراء قانوني، بل هي عبادة عظيمة وخاتمة حسنة لحياة المسلم. إنها آخر ما يخطه بيمينه في هذه الدنيا ليكون زاداً له في آخرته، وسبباً في حصوله على الصدقة الجارية، وحفظاً لروابط المودة بين أهله من بعده. فبادر أخي المسلم، أختي المسلمة، إلى كتابة وصيتك وأنت في كامل صحتك وعافيتك، امتثالاً لسنة نبيك، وإبراءً لذمتك، واستعداداً للقاء ربك.

ولمزيد من الفقه والعلم النافع، ندعوكم لتصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد، حيث تجدون مقالات معمقة في شتى الشؤون الدينية التي تهم المسلم في الجزائر.

تنويه من “akhbardz”:
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة، أو استشارة موثّق معتمد لإتمام الإجراءات القانونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى