التاريخ والتراث

التراث في بجاية: معالم خالدة من عبق الحضارة الحمادية



التراث في بجاية: معالم خالدة من عبق الحضارة الحمادية ومنارة العلوم المتوسطية


فهرس المقال إخفاء


1. الجذور التاريخية لبجاية: من مستعمرة “صلداي” إلى فجر الدولة الحمادية

الموقع الجغرافي والتحولات المبكرة عبر العصور

احتلت بجاية عبر مسارها التاريخي موقعاً استراتيجياً فائق الأهمية في حوض البحر الأبيض المتوسط الغربي؛ إذ تتموضع عند سفوح سلاسل جبال الأطلس التلي وتطل على خليج بحري طبيعي يوفر حماية فريدة ضد العواصف البحرية والغزوات العسكرية. عُرفت المدينة في العهود الفينيقية والقرطاجية كمرسى تجاري نشط، قبل أن تصبح في العهد الروماني مستعمرة عسكرية ذات شأن أطلق عليها اسم “صلداي” (Saldae) خلال عهد الإمبراطور الروماني أوكتافيوس أغسطس.

ومع الفتوحات الإسلامية لبلاد المغرب، دخلت المنطقة في سياق تاريخي وروحي جديد، إلا أن الانطلاقة الكبرى والتحول الجذري في مكانتها الجيوسياسية والعمرانية لم يبدأ إلا مع مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، وتحديداً مع تصاعد قوة تاريخ الدولة الحمادية في الجزائر كفرع مستقل وقوي عن السلالة الزيرية الصنهاجية.

الانتقال الاستراتيجي: من “قلعة بني حماد” إلى تأسيس “الناصرية”

تأسست الدولة الحمادية عام (398هـ) على يد القائد الفذ حماد بن بلكين بن زيري، الذي شيد عاصمته الأولى “قلعة بني حماد” الشامخة في منطقة جبل معاضيد قرب المسيلة. ظلت القلعة دهراً منارة للعز والعمران، غير أن التحولات الإقليمية والضغوط العسكرية المتزايدة المتمثلة في زحف القبائل الهلالية، دفعت السلطان الحمادي السادس الناصر بن علناس إلى اتخاذ قرار تاريخي مفصلي بتأسيس عاصمة بحرية جديدة.

في عام (460هـ)، أصدر الناصر بن علناس أوامره بتمصير مدينة بجاية، وأطلق عليها رسمياً اسم “الناصرية”. لم يكن اختيار الموقع عفوياً، بل جاء استجابة لعوامل استراتيجية، اقتصادية وبيئية:

  • الحصانة الجغرافية: إحاطة المدينة بجبال وعرة (مثل جبل قورايا وجبل كاف الجبل) مما يجعل اقتحامها براً مهمة شبه مستحيلة.
  • وفرة الموارد الطبيعية: غابات البلوط والصنوبر الشاسعة التي وفرت الأخشاب الضرورية لصناعة أسطول بحري حربي وتجاري عملاق.
  • الميناء المحمي: خليج هادئ وعميق سمح باستيعاب المئات من السفن والمراكب التجارية القادمة من الأندلس، بيزا، جنوة، وصقلية والشرق الإسلامي.

“كانت بجاية في عهد بني حماد دار ملك وسلطان، وقبة علم وفضل وأمان، تُجبى إليها ثمرات كل شيء، وتمخر السفن في مياهها بالأمتعة والأرزاق، وقصدها العلماء والفقهاء والشعراء من كل أوب.”

— عبد الرحمن بن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر.


2. التفاصيل والوقائع: بجاية عاصمة الإمبراطورية الحمادية وقبلة العلوم العالمية

العصر الذهبي تحت حكم الناصر وابنه المنصور

شهدت بجاية طفرة حضارية واقتصادية كبرى في عهد السلطان المنصور بن الناصر ( – )، الذي خلف والده وواصل إعمار الحاضرة. تفنن الحماديون في تشييد القصور المزخرفة، ومد شبكات المياه العذبة العجيبة عبر قنوات فخارية وصخرية متطورة جلبت المياه من ينابيع جبال توجة، وبنوا الأسوار العظيمة التي طوقت المدينة من قمم الجبال إلى شواطئ البحر.

امتد النفوذ الحمادي من تونس شرقاً حتى تلمسان غرباً، وإلى أعماق الصحراء جنوباً، وتحولت بجاية إلى قطب الدبلوماسية والتجارة؛ حيث وقع سلاطين بني حماد معاهدات تجارية مع الجمهوريات الإيطالية البحرية (جمهورية بيزا وجمهورية جنوة)، واستقبلت المدينة الجاليات التجارية الأجنبية التي خصصت لها فsupportedنادق وأسواق خاصة في قلب القصبة.

منارة الفكر الإنساني: من فيبوناتشي إلى ابن تومرت وسيدي بومدين

لم يقتصر إرث بجاية على القوة العسكرية، بل غدت عاصمة الفكر والعلم الأولى في المغرب الأوسط، وجمعت بين العلوم الدينية والعقلية والتجريبية:

  1. ليوناردو فيبوناتشي وثورة الرياضيات: في أواخر القرن الثاني عشر، قدم الشاب الإيطالي Leonardo Fibonacci إلى بجاية بتوجيه من والده الذي كان مسؤولاً جمركياً لبيزا في مينائها. في رحاب مدارس بجاية وزواياها، درس فيبوناتشي الأرقام الغبارية (الأرقام العربية) ونظام الصفر، وعاد إلى إيطاليا ليؤلف كتابه الخالد Liber Abaci عام ، لينقل الحساب العشري العربي إلى الحضارة الغربية ويهدم النظام الحسابي الروماني المعقد.
  2. الإمام محمد بن تومرت واللقاء التاريخي: في مساجد بجاية وضواحيها (ملالة)، بدأ مؤسس الدولة الموحدية المهدي بن تومرت دعوته الإصلاحية بعد عودته من المشرق، وهناك التقى بتلميذه الوفي وخليفته العظيم عبد المؤمن بن علي الكومي، لتنطلق من تلك الربوع فكرة الإمبراطورية الموحدية الكبرى.
  3. الشيخ أبو مدين شعيب (سيدي بومدين الإشبيلي): استقر قطب التصوف الأندلسي والفقيه العارف بالله سيدي بومدين في بجاية، حيث أسس مدرسته الصوفية الفكرية التي ربطت بين العلم والجهاد والتزكية، وكان لمجلسه تأثير روحي هائل امتد أثره في كل شمال إفريقيا والقدس الشريف.

جدول مقارن: التحول الحضاري بين القلعة والناصرية (بجاية)

وجه المقارنةقلعة بني حماد (المسيلة)بجاية الناصرية (العاصمة البحرية)
فترة السيادة كعاصمة – (واستمرت حتى 1152م) – (وسقوطها بيد الموحدين)
الطبيعة الجغرافيةجبلية داخلية معزولة، ارتفاع 1000م عن سطح البحرساحلية جبلية، خليج بحري محصن واستراتيجي
الوظيفة الأساسيةعسكرية دفاعية وحصن للسيطرة على الهضاب العلياإمبراطورية بحرية، تجارة دولية، وإشعاع علمي متوسطي
أشهر المعالم المعماريةقصر المنار، المسجد الجامع وصومعته، قصر النجمةباب البحر، قصر اللؤلؤة، قصبة بجاية، قصر الكوكب
التأثير الثقافي العالميتأسيس العمارة الإسلامية الزيرية الصنهاجيةنقل الأرقام العربية لأوروبا وتصدير الشموع الحرفية العالمية

3. الأبعاد الثقافية، الاجتماعية والروحية: بجاية كمركز حضاري متكامل

صناعة الشموع وظاهرة “Bougie”: البعد الاقتصادي الصناعي

من الظواهر التاريخية اللافتة التي خلدت اسم بجاية في الذاكرة العالمية، اشتهارها بتصنيع وتصدير الشمع عالي الجودة المستخرج من غابات الشمع الطبيعي وتربية النحل في جبال القبائل. كانت شموع بجاية تضاء في كبريات كنائس وقصور أوروبا في العصور الوسطى، مما جعل الاسم الفرنسي للمدينة “Bougie” يصبح في اللغة الفرنسية المعيارية مرادفاً لكلمة “شمعة”، وهو اعتراف لغوي وحضاري دام لقرون بمكانة المدينة الصناعية والإنتاجية.

التسامح الديني والتعددية الثقافية والتعايش الإنساني

تميز المجتمع البجائي في العهد الحمادي بتنوع ديموغرافي وثقافي ثري. عاش داخل أسوار المدينة السكان الأمازيغ المحليون، العرب الوافدون، النخب الأندلسية المهاجرة، إلى جانب جاليات مسيحية ويهودية تمتعت بحرية العبادة وممارسة النشاط التجاري. وتذكر الوثائق التاريخية أن بابا الفاتيكان غريغوري السابع أرسل رسالة شكر شهيرة إلى السلطان الناصر بن علناس عام يثني فيها على حسن معاملة السلطان للمسيحيين ورعايته لتعيين الأساقفة، وهي وثيقة دبلوماسية نادرة تثبت عمق الانفتاح والتسامح الحمادي.

الحركة الفكرية والمدارس والزوايا في ربوع القبائل

تحولت قصبة بجاية وأحياؤها العتيقة إلى شبكة متكاملة من المدارس الوقفية والزوايا التعليمية. كان الطلاب يفدون إليها من السوس وتونس والأندلس وصقلية لتلقي علوم الفقه المالكي، والحديث، والرياضيات، والفلك، وعلم الملاحة البحرية. ولم يكن التعليم حكراً على الذكور؛ بل برزت نساء فقيهات وعالمات أسهمن في نسخ المخطوطات والتدريس، مشكلات نسيجاً معرفياً فريداً في المغرب العربي.


4. التراث والمعالم الخالدة: قراءة في الشواهد الأثرية الباقية

أولاً: باب البحر (Porte Sarrazine / الباب المحروق)

يعد باب البحر، أو ما أطلق عليه الفرنسيون لاحقاً اسم Porte Sarrazine (باب المسلمين/السراسنة)، أحد أبهى النماذج المتبقية من العمارة العسكرية الإسلامية في شمال إفريقيا. شُيد هذا الباب في عهد السلطان الناصر بن علناس كجزء من السور البحري المحصن.

يتميز الباب بعقده نصف الدائري المكسور المصنوع من الحجارة المشذبة بدقة هندسية عالية والآجر الأحمر القديم. كان الغرض منه السماح بدخول السفن والمراكب إلى الترسانة البحرية (دار الصناعة) مباشرة من البحر، مع تأمين نظام دفاعي يمنع أي اختراق معادٍ عبر بوابات خشبية سميكة معززة بصفائح الحديد.

ثانياً: قصبة بجاية وحصن عبد القادر

تتربع قصبة بجاية على هضبة استراتيجية تشرف على الميناء والمدينة القديمة. بنيت نواتها الأولى في العهد الموحدي على أطلال منشآت حمادية أسسها الناصر والمنصور، وشهدت إضافات عثمانية وإسبانية لاحقة. تحتضن القصبة بداخلها مسجداً عريقاً كان مركزاً للعلماء والطلبة، ومباني إدارية عسكرية جسدت هيبة الحكم في الحاضرة.

أما حصن عبد القادر (Fort Abdelkader)، المشيد عند المدخل الشرقي للميناء، فيعتبر حارس الثغر البحري التاريخي لبجاية. كان مزوداً بمدافع موجهة نحو البحر لحماية الأسطول، وهو يمزج بين أسس البناء الحمادي والترميمات التي طرأت عليه خلال الصراع العثماني الإسباني في القرن السادس عشر.

ثالثاً: جبل يما قورايا وحصن القمة (Le Pic des Singes)

يرتفع جبل يما قورايا الحارس الطبيعي لمدينة بجاية إلى علو 660 متراً فوق سطح البحر، ومصنف اليوم ضمن المحميات العالمية التابعة لمنظمة اليونسكو (UNESCO) كحظيرة وطنية للمحيط الحيوي. يتوج قمة الجبل حصن تاريخي شيده الاستعمار الفرنسي فوق أنقاض حصن دفاعي ومزار صوفي مرابطي قديم يرتبط بالولية الصالحة “لالة قورايا”. يوفر الموقع إطلالة بانورامية كاشفة لكامل الخليج، ويحفظ ذاكرة الصمود الشعبي ضد الغزاة.

رابعاً: باب السادات وباب قورايا (باب البنود)

كانت بجاية محاطة بسور عظيم يخترقه سبعة أبواب رئيسية تفتح في أوقات محددة نهاراً وتغلق ليلاً بإحكام. من أهم هذه الأبواب التاريخية:

  • باب السادات (Porte des Sadates): كان يقع في الجهة العلوية للمدينة، ويؤدي إلى مقابر العلماء والأشراف الصالحين، ومنه اشتُق اسمه.
  • باب قورايا أو باب البنود (Porte des Étendards): الباب الغربي للمدينة الذي كان يخرج منه الجيش الحمادي رافعاً الرايات والبنود الموشاة بالذهب في مواكب السلطان الرسمية.

5. خط زمني استراتيجي: ملحمة بجاية وعصرها الحمادي

السنة / الفترة التاريخيةالحدث التاريخي والتراثي المفصليالأهمية والأثر التاريخي
(398هـ)تأسيس الدولة الحمادية وبناء قلعة بني حماد بالمسيلةاستقلال المغرب الأوسط وتأسيس أول عاصمة صنهاجية موحدة في الجزائر.
– شروع السلطان الناصر بن علناس في تمصير بجاية وتسميتها “الناصرية”نقل العاصمة الحمادية إلى الساحل، وبناء الأسوار، وقصر اللؤلؤة، وباب البحر.
مراسلات البابا غريغوري السابع مع الناصر بن علناستوثيق علاقات التسامح والانفتاح الدبلوماسي والتجاري مع دول أوروبا.
– أوج الازدهار العمراني في عهد السلطان المنصور بن الناصربناء قصر الكوكب وقصر المرمر، واستكمال قنوات المياه الكبرى من جبال توجة.
(547هـ)دخول الموحدين بقيادة عبد المؤمن بن علي الكومي إلى بجايةنهاية الحكم الحمادي المباشر، واستمرار بجاية كقطب علمي وبحري في الإمبراطورية الموحدية.
تأليف ليوناردو فيبوناتشي لكتاب Liber Abaci مستمداً علمه من بجايةانتقال الأرقام العربية ونظام الحساب إلى أوروبا، وبدء النهضة العلمية الغربية.
– الاحتلال الإسباني للمدينة وتحريرها على يد الإخوة بربروس والحملة العثمانيةتحول المعالم الدفاعية، وتأكيد الهوية الإسلامية للمدينة وتبعيتها للإيالة الجزائرية.

6. تحذير تاريخي: أخطاء شائعة ومفاهيم مغلوطة حول تراث بجاية الحمادية

⚠️ تصحيح مفاهيم تاريخية شائعة:

  • الخلط بين قلعة بني حماد والناصرية: يعتقد البعض خطأً أن بجاية هي ذاتها قلعة بني حماد؛ والحقيقة أن القلعة هي العاصمة الأولى الواقعة في ولاية المسيلة حالياً، بينما بجاية (الناصرية) هي العاصمة الثانية التي أسسها الناصر لتكون واجهة بحرية للدولة.
  • نسبة قصبة بجاية كلياً إلى الاستعمار الفرنسي أو الإسباني: على الرغم من التحصينات الإسبانية والفرنسية اللاحقة، فإن النواة التأسيسية الهندسية، والمسجد الجامع داخل القصبة، ونظام الأنفاق هو تخطيط حمادي موحدي إسلامي أصيل شُيّد على أسس استراتيجية عريقة.
  • اختزال تاريخ بجاية في الجانب الصوفي فقط: اشتهرت المدينة بأنها مدينة الأولياء الصالحين (99 ولياً)، لكن اختزال تاريخها في هذا الجانب يغفل دورها كمركز لصناعة السفن الحربية، وقوة تجارية ضربت عملتها الذهبية (الدينار الحمادي والمنصوري)، ومصدر لعلم الرياضيات الحديث في الغرب.

7. خطوات عملية قابلة للتنفيذ: دليل الباحث والزائر للتراث البجائي

أ. دليل زيارة المعالم التاريخية في يوم تراثي متكامل

إذا كنت شغوفاً بعبق التاريخ وتود خوض تجربة استكشافية حية لمعالم الحضارة الحمادية في بجاية، يمكنك اتباع هذا المسار الميداني المدروس:

  • الفترة الصباحية الأولى (08:30 – 11:00): ابدأ بزيارة قصبة بجاية العتيقة، وتجول في أسوارها، وزر قاعة المسجد التاريخية والمتحف المصغر للآثار للتعرف على اللقى الفخارية والنقوش الحمادية.
  • الفترة الصباحية المتأخرة (11:15 – 13:00): انحدر نحو الميناء لزيارة باب البحر (Porte Sarrazine) وحصن عبد القادر، وتأمل في البناء المعماري للقوس الحجري العظيم الملامس لمياه البحر.
  • فترة الظهيرة واستراحة الغداء (13:00 – 14:30): تذوق أطباق السمك الطازجة في المطاعم التقليدية المحاذية للميناء، وتذوق زيت الزيتون البجائي الشهير مع خبز الشعير التقليدي (أغروم).
  • فترة ما بعد الزوال (15:00 – 18:00): اصعد عبر المسلك الجبلي الأخضر إلى الحظيرة الوطنية لقورايا وصولاً إلى قمة يما قورايا ومنطقة “رأس كربون” (Cap Carbon) لمشاهدة أعلى منارة بحرية طبيعية في العالم والاستمتاع بغروب الشمس الساحر فوق خليج بجاية.

ب. دليل الباحث الأكاديمي وطالب التاريخ

للباحثين المتخصصين في التاريخ الوسيط وتراث الدولة الحمادية:

  1. استعن بالمصادر الأم الموثقة مثل: “كتاب العبر” لابن خلدون، “الاستبصار في عجائب الأمصار” لمؤلف مجهول، و“نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” للإدريسي.
  2. اطلع على الأرشيف والتقارير الأثرية المودعة في المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ (CNERAH) في الجزائر.
  3. تتبع الدراسات المونوغرافية الحديثة المنشورة في المجلات العلمية المحكمة التابعة لجامعة عبد الرحمن ميرة ببجاية، والتي تتناول التنقيبات الأثرية لقصور بني حماد.

ج. دليل المجتمع المدني والمواطن للحفاظ على التراث

تتطلب حماية هذا الإرث الحضاري الفريد تضافر الجهود المجتمعية عبر:

  • الامتناع التام عن تشويه المعالم الأثرية بالكتابات الجدارية أو رمي النفايات داخل المواقع التاريخية.
  • التبليغ الفوري لمصالح مديرية الثقافة والديوان الوطني لتسيير الممتلكات الثقافية المحمية عن أي تعديات أو حفريات عشوائية غير قانونية.
  • المساهمة في الترويج الرقمي الموثق لمعالم بجاية عبر منصات التواصل الاجتماعي وصناعة المحتوى التراثي الهادف.

8. الدروس والعبر المستخلصة من العصر الحمادي في بجاية

يقدم التاريخ البجائي الحمادي دروساً حضارية بالغة الدقة لصناع القرار والأجيال الصاعدة:

  • أهمية الجمع بين العلم والاقتصاد: لم تكن بجاية قوية عسكرياً فحسب، بل بنت قوتها على التعليم المتين واقتصاد المعرفة واستغلال الموارد الطبيعية الحرفية بذكاء.
  • الانفتاح الواعي والشراكة الإقليمية: استطاعت الدولة الحمادية أن تجعل من البحر جسراً للتواصل والتبادل التجاري الدولي دون التفريط في سيادتها وهويتها الأصيلة.
  • الاستدامة العمرانية: برهن المهندسون الحماديون على عبقرية في استغلال تضاريس الأرض وتطوير نظم المياه الجبلية، وهو ما يعد درساً بيئياً ومعمارياً ملهماً في التخطيط الحضري المعاصر.

9. الواقع الحالي وجهود التثمين والترميم

تحظى معالم بجاية اليوم باهتمام متزايد من قبل قطاع الثقافة والفنون الجزائري والمجتمع المدني المحلي. تم إطلاق عدة مشاريع لترميم قصبة بجاية العتيقة وإعادة تأهيل أسوار باب البحر وباب السادات وفق المعايير الدولية لحفظ الآثار والترميم الحجري.

كما تسعى الهيئات المعنية إلى إدراج القصبة التاريخية والمعالم الحمادية ضمن مسارات السياحة الثقافية والبيئية المستدامة، وربطها بالحظيرة الوطنية لقورايا، لضمان استمرار هذا الإرث كرافد للتنمية الاقتصادية المحلية وحصن للهوية والذاكرة الجماعية الوطنية.


الأسئلة الشائعة حول تراث بجاية والحضارة الحمادية (FAQ)

متى تأسست الدولة الحمادية ومتى أصبحت بجاية عاصمة لها؟

تأسست الدولة الحمادية عام على يد حماد بن بلكين الذي بنى القلعة في المسيلة، ولكن تم نقل العاصمة رسمياً إلى مدينة بجاية (الناصرية) عام على يد السلطان الناصر بن علناس لتصبح مركزاً سياسياً، بحرياً، وعلمياً مشعاً في حوض البحر الأبيض المتوسط.

ما هي أبرز المعالم الأثرية الحمادية المتبقية في بجاية اليوم؟

تضم بجاية معالم بارزة تشهد على العصر الحمادي وما تلاه، أهمها: باب البحر (الباب المحروق)، باب السادات، بقايا قصر اللؤلؤة وقصر الكوكب، قصبة بجاية العتيقة، قمة وجبل يما قورايا، وحصن عبد القادر (قصبة الإسبان لاحقاً).

كيف أثرت بجاية الحمادية في تاريخ الرياضيات والعلوم في أوروبا؟

كانت بجاية منارة علمية كبرى قصدها العالم الإيطالي ليوناردو فيبوناتشي في القرن الثاني عشر الميلادي، حيث تعلم فيها الأرقام العربية ونظام الحساب العشري ونقلها إلى أوروبا عبر كتابه الشهير (Liber Abaci)، مما أحدث ثورة علمية واقتصادية شاملة في القارة الأوروبية.

لماذا سميت بجاية بالناصرية؟

سميت بجاية بالناصرية نسبة إلى مؤسسها وسلطان الدولة الحمادية الناصر بن علناس بن حماد، الذي أمر بتمصيرها وتوسيعها وتحصينها بالأسوار المنيعة والقصور الباذخة لتكون حاضرة دولته وعاصمتها الساحلية.


خاتمة: بجاية شعلة الحضارة التي لا تنطفئ

إن الحديث عن التراث في بجاية ومعالم الحضارة الحمادية ليس مجرد استحضار نوستالجي لماضٍ تليد، بل هو وقفة فخر واعتزاز بإرث أمة جزائرية صنعت التاريخ وساهمت بفعالية في صياغة الفكر الإنساني. لقد كانت الناصرية نموذجاً ساطعاً للحاضرة العربية الإسلامية التي وازنت بين العمران، القوة الدفاعية، والازدهار المعرفي الخالص. وتظل حجارة باب البحر وقمم قورايا وقصبة بجاية شواهد حية تنبض بالحياة، تذكرنا بأن أرض الجزائر كانت ولا تزال مهداً للأمجاد والحضارات.

نعمل في موقع أخبار الجزائر على إبراز هذه الكنوز التاريخية وصونها عبر التوثيق الرصين والموثوق لتبقى حية في أذهان الأجيال القادمة.

اكتشف المزيد من قصص تاريخ الجزائر وتراثها العريق من خلال تصفح قسم التاريخ في أخبار الجزائر.

شاركنا رأيك: ما هو المعلم التاريخي في بجاية الذي لفت انتباهك أكثر وتتمنى زيارته أو التوسع في دراسته في مقالاتنا القادمة؟

إذا أعجبك هذا المقال، لا تتردد في مشاركته مع أصدقائك والمهتمين بالتاريخ والتراث الجزائري لتعميم الفائدة والمعرفة!


المصادر والمراجع التاريخية المعتمدة

  1. عبد الرحمن بن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار الفكر، بيروت.
  2. أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري، المسالك والممالك، دار الغرب الإسلامي، بيروت.
  3. الشريف الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة.
  4. د. رشيد بورويبة، الدولة الحمادية: تاريخها وحضارتها، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر.
  5. د. عبد العزيز فيلالي، تاريخ المغرب العربي الوسيط: الدولة الحمادية، موفم للنشر، الجزائر.
  6. المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ (CNERAH): تقارير الحفريات والمعالم الأثرية لمدينة بجاية والقلعة.
  7. منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو): قائمة التراث الإنساني ومحمية المحيط الحيوي بقورايا.
  8. Leonardo Fibonacci, Liber Abaci (1202), Translated by L. E. Sigler, Springer-Verlag, New York, 2002.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى