الدين

بر الوالدين في الحياة وبعد الممات للمسلم الجزائري

في خضم تسارع إيقاع الحياة المعاصرة وتعاظم الانشغالات المادية، يجد المسلم نفسه أمام تحدٍّ إيماني كبير: كيف يحافظ على جوهر علاقته بأصله ومنبع وجوده بعد الله تعالى، والديه؟ لقد أصبحت قضية “بر الوالدين” في أذهان الكثيرين مجرد واجبات اجتماعية موسمية أو دعم مالي متقطع، بينما هي في حقيقتها عبادة قلبية وسلوكية متكاملة، وباب من أوسع أبواب الجنة، لا يُغلق حتى بعد رحيلهما عن هذه الدنيا. هذا الدليل المرجعي لا يهدف إلى التذكير العاطفي بقدر ما يسعى إلى تأصيل المفهوم الشرعي، وبيان مراتبه الدقيقة، وتصحيح التصورات المغلوطة، ليكون نبراساً للمسلم الجزائري الذي يطمح إلى تحقيق هذا الركن العظيم من أركان الدين القويم في حياته وبعد ممات والديه.

فهرس المقال إخفاء

الفصل الأول: ما هو بر الوالدين؟ التعريف الشرعي والمفهوم العميق

لفهم قضية بر الوالدين فهماً صحيحاً، لا بد من تجاوز النظرة السطحية والانطلاق من التأصيل اللغوي والشرعي الذي يوضح أبعاد هذا الواجب العظيم.

1. المعنى اللغوي: أصل “البِرّ”

كلمة “البِرّ” في اللغة العربية تدور حول معاني السعة والخير والصلاح. يقال: “فلان بَرَّ ربه” أي أطاعه، و”البَرّ” هو فاعل الخير والمُحسن. ومن هذا الأصل، جاء مصطلح “بر الوالدين” ليدل على التوسع في الإحسان إليهما بكل أنواع الخير، قولاً وعملاً، شعوراً وسلوكاً.

2. المعنى الاصطلاحي في الشريعة

أما في الاصطلاح الشرعي، فبر الوالدين هو: “إيصال كل خير ممكن إليهما، ودفع كل شر ممكن عنهما، مع الطاعة لهما في غير معصية الله، والتواضع والخضوع لهما قولاً وفعلاً”. هذا التعريف يتجاوز مجرد تقديم المال أو الزيارة، ليشمل جوانب نفسية وأدبية دقيقة مثل:

  • خفض الجناح: أي التذلل لهما تواضعاً ورحمة، لا عن ضعف أو مهانة.
  • لين القول: استخدام أرقى العبارات وألطفها عند مخاطبتهما.
  • الدعاء لهما: وهو من أعظم صور البر، في حياتهما وبعد مماتهما.
  • إيثارهما على النفس: تقديم راحتهما وحاجاتهما على راحة النفس وحاجاتها.

3. الفرق بين المفهوم الصحيح والتصور الشائع

يقع الخلط كثيراً بين البر والمكافأة. فالتصور الشائع يرى أن البر هو رد الجميل، بينما المفهوم الشرعي الصحيح يرى أن البر هو عبادة مستقلة يؤديها الابن طاعةً لله أولاً، وتقديراً لحق الوالدين الذي لا يمكن مكافأته أبداً، كما جاء في الحديث الصحيح: “لا يجزي ولدٌ والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه”.

الفصل الثاني: منزلة بر الوالدين في القرآن والسنة

لم تترك نصوص الوحي مجالاً للشك في مكانة بر الوالدين، حيث قُرن هذا الواجب بأعظم الأصول: توحيد الله تعالى. وهذا الاقتران يحمل دلالة عقدية عميقة على عظم هذا الحق.

1. أدلة من القرآن الكريم

  • الاقتران بالتوحيد: قال تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} (سورة الإسراء: 23). هذا “القضاء” الإلهي يضع الإحسان للوالدين في المرتبة الثانية مباشرة بعد عبادة الله وحده، مما يجعله أصلاً من أصول الدين.
  • الشكر المقترن: قال سبحانه: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (سورة لقمان: 14). قرن الله شكره بشكرهما، فكما أن شكر الله واجب على نعمة الإيجاد، فشكر الوالدين واجب على نعمة التربية والرعاية.

2. أدلة من السنة النبوية المطهرة

أكدت السنة النبوية هذه المنزلة العظيمة في أحاديث كثيرة، منها:

  • من أحب الأعمال إلى الله: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قال: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين»، قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» (متفق عليه).
  • من أكبر الكبائر: عدّ النبي صلى الله عليه وسلم عقوق الوالدين من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله مباشرة. ففي الحديث: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» ثلاثاً، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين…» (متفق عليه).

الفصل الثالث: بر الوالدين في حياة المسلم: التطبيق العملي

البر ليس شعوراً يُكنّ في القلب فحسب، بل هو سلوك يومي وممارسة عملية تتجلى في صور متعددة، سواء في حياتهما أو بعد انتقالهما إلى الدار الآخرة.

1. برّهما في حياتهما

  • الطاعة في المعروف: طاعتهما واجبة في كل ما يأمران به ما لم يكن فيه معصية لله. القاعدة الشرعية هي: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”.
  • الإنفاق عليهما: النفقة على الوالدين المحتاجين واجبة على الابن القادر، وهي من أعظم القربات.
  • خدمتهما والتواضع لهما: قضاء حوائجهما، وتفقد أحوالهما، والجلوس معهما بأدب، وعدم رفع الصوت فوق صوتهما.
  • إدخال السرور على قلبيهما: بالهدية، والكلمة الطيبة، والزيارة، والسؤال الدائم عنهما.
  • احترام رأيهما ومشاورتهما: حتى وإن لم يؤخذ برأيهما، فإن مجرد المشورة تشعرهما بمكانتهما وأهميتهما.

نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية

لا تنتظر حتى تصبح غنياً لتبرّ والديك، فكوب شاي تعدّه لوالدك، أو جلسة تستمع فيها لحديث والدتك، قد تكون عند الله أعظم من كنوز الدنيا. البِرّ فرصة، والأعمار قصيرة، فبادر قبل أن تفوتك.

2. برّهما بعد مماتهما

لا ينقطع بر الوالدين بموتهما، بل يستمر بأعمال صالحة يصل ثوابها إليهما، وهو من وفاء الابن الصالح. وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حين سأله رجل: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم، الصلاة عليهما (الدعاء لهما)، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما» (رواه أبو داود).

ويمكن تلخيص ذلك في النقاط التالية:

  • الدعاء والاستغفار لهما: وهو أعظم ما يقدمه الولد لوالديه بعد موتهما.
  • الصدقة الجارية عنهما: كحفر بئر، أو بناء مسجد، أو المساهمة في علم نافع.
  • قضاء ديونهما وتنفيذ وصاياهما الشرعية.
  • صلة أرحامهما وأصدقائهما: زيارة أعمامك وأخوالك وأصدقاء والديك هو من تمام البر بهما.

الفصل الرابع: الآثار الإيمانية والسلوكية لبر الوالدين

إن بر الوالدين ليس مجرد واجب اجتماعي، بل هو عبادة يترتب عليها آثار عظيمة في الدنيا والآخرة.

  • على الفرد: هو سبب مباشر لسعة الرزق، والبركة في العمر، وإجابة الدعاء. كما أنه يورث الطمأنينة في القلب والرضا عن النفس.
  • على الأسرة: الأسرة التي يقوم فيها الأبناء ببر آبائهم تكون أكثر استقراراً وتماسكاً، وتسودها المحبة والرحمة. كما أن من يبر والديه، يبره أبناؤه جزاءً وفاقاً.
  • على المجتمع: مجتمع قائم على بر الوالدين هو مجتمع متراحم، يحترم كباره، ويرحم صغاره، وتقل فيه مظاهر التفكك الأسري ودور العجزة. للمزيد من المقالات الإسلامية التي تناقش قضايا الأسرة والمجتمع، يمكنكم متابعة قسم الإسلام في أخبار دي زاد.

سؤال وجواب: تصحيح مفهوم خاطئ

السؤال الشائع: “والدي صعب المراس ويأمرني بما لا أطيق، فهل تسقط طاعته؟”

الجواب: الطاعة تسقط فقط في الأمر بالمعصية. أما المشقة أو صعوبة الطباع فلا تسقط واجب البر والإحسان. بل إن الصبر على أذاهما والإحسان إليهما مع ذلك هو من أعظم درجات البر وأرفعها منزلة عند الله. تذكر قوله تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} (لقمان: 15). أمر بالمصاحبة بالمعروف حتى مع الأمر بالشرك، فكيف بما هو دونه؟

الفصل الخامس: الانحرافات والمفاهيم الخاطئة في باب البر

كما هو الحال في كثير من العبادات، قد يدخل على مفهوم البر بعض الانحرافات غلواً أو تفريطاً.

  • الغلو في البر: ويتمثل في طاعتهما في معصية الله، كقطيعة الرحم، أو ظلم الزوجة، أو أكل الحرام. هذا ليس من البر، بل هو مشاركة في الإثم.
  • التفريط والعقوق: وهو التقصير في حقهما، ويشمل العقوق القولي (كالتأفف ورفع الصوت) والعقوق الفعلي (كالإهمال والتقصير في الخدمة والنفقة). وهو من أكبر الكبائر كما مرّ.
  • البر المشروط: وهو مفهوم معاصر خاطئ، حيث يجعل الابن بره بوالديه مشروطاً ببرهما به في صغره. حق الوالدين واجب مطلق أوجبه الله، بغض النظر عن مدى قيامهما بواجبهما.

أسئلة شائعة حول بر الوالدين (FAQ)

ما حكم طاعة الوالدين إذا أمرا بطلاق الزوجة؟

هذه مسألة دقيقة يرجع فيها إلى أهل العلم. القاعدة العامة أن الطلاق لا يُلجأ إليه إلا لسبب شرعي معتبر. فإن كان أمر الوالدين مبنياً على سبب شرعي (كسوء دين الزوجة أو خلقها)، فتستحب طاعتهما. أما إن كان لأسباب شخصية أو هوى، فلا تجب طاعتهما في خراب البيوت، وينصح الابن بالتلطف معهما والإحسان إليهما مع الحفاظ على زوجته وأسرته. يمكن الاطلاع على فتاوى تفصيلية في هذا الباب على مواقع موثوقة مثل شبكة إسلام ويب.

هل يجب على الزوجة خدمة والدي زوجها؟

خدمة والدي الزوج ليست واجبة شرعاً على الزوجة، بل هي من باب الإحسان وحسن العشرة، وتؤجر عليها أجراً عظيماً. وعلى الزوج ألا يلزمها بما لم يوجبه الشرع عليها، وأن يتلطف في طلب ذلك منها إن احتاج والداه للخدمة.

كيف أبر بوالدي وهو غير مسلم؟

بر الوالدين غير المسلمين واجب شرعي، بالإحسان إليهما، والنفقة عليهما، والصحبة بالمعروف، ولكن لا طاعة لهما في الكفر أو المعصية. مع الدعاء لهما بالهداية.

أيهما يقدم: بر الأم أم بر الأب؟

كلاهما واجب، ولكن حق الأم أعظم وأوكد. لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك» (متفق عليه).

هل يكفي إرسال المال للوالدين كصورة من صور البر؟

إرسال المال من البر، خاصة إذا كانا محتاجين، ولكنه لا يغني أبداً عن البر العاطفي والنفسي، كالزيارة، والاتصال، والمؤانسة، والدعاء، فهذه جوانب لا يمكن للمال أن يعوضها.

والدي كان ظالماً لي في صغري، هل يلزمني بره؟

نعم، يلزمك بره والإحسان إليه. ظلم الوالد لا يسقط حقه في البر، وحساب ظلمه على الله. والابن مأمور شرعاً بالإحسان إليه والصبر عليه، وهذا من أعظم الابتلاءات التي يرفع الله بها الدرجات.

الخاتمة: بر الوالدين.. استثمار لا يخسر

إن بر الوالدين ليس تكليفاً شاقاً، بل هو باب رحمة فتحه الله لنا في الدنيا والآخرة. هو مفتاح التوفيق والبركة في الرزق والعمر، وهو طريق مختصر إلى رضوان الله وجنته. وهو عبادة مستمرة لا تنقطع بموتهما، بل تمتد لتكون نوراً لهما في قبريهما ورفعة لدرجات الابن البار. فليحرص كل مسلم على هذا الكنز العظيم، وليستثمر في هذا الباب قبل أن يُغلق، فإنه والله من أعظم ما نلقى به الله يوم القيامة.

ولمن أراد التوسع في القضايا الإيمانية والسلوكية التي تهم المسلم في حياته اليومية، ندعوه لتصفح المزيد من المقالات الموثوقة على موقعنا. تابع الشؤون الدينية في الجزائر واقرأ المزيد من التحليلات الشرعية العميقة.

تنويه من “akhbardz”:
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى