البيع عن بعد في الجزائر وفقًا للقانون التجاري الجزائري

هل تفكر في إطلاق مشروعك للبيع عن بعد في الجزائر وتجد نفسك غارقاً في تساؤلات حول الإطار القانوني؟ أنت لست وحدك. مع النمو المتسارع للتجارة الإلكترونية، أصبح فهم الالتزامات والشروط التي يفرضها القانون التجاري الجزائري أمراً حيوياً لضمان نجاح أي متجر إلكتروني وتجنب العقوبات. هذا المقال هو دليلك الشامل والمبسط، حيث سنفصل خطوة بخطوة كل ما تحتاج لمعرفته، بدءاً من السجل التجاري ووصولاً إلى حماية المستهلك، وفقاً لأحدث النصوص التنظيمية.
السند القانوني المنظم للبيع عن بعد في الجزائر
قبل الخوض في التفاصيل الإجرائية، من الضروري تحديد الإطار التشريعي الذي يحكم التجارة الإلكترونية في الجزائر. لا يمكن ممارسة هذا النشاط بشكل عشوائي، بل هو منظم بموجب نصوص قانونية واضحة تهدف إلى حماية كل من التاجر (المورد الإلكتروني) والمشتري (المستهلك الإلكتروني). المرجعية الأساسية هي:
- القانون رقم 18-05 المؤرخ في 24 شعبان عام 1439 الموافق 10 مايو سنة 2018، المتعلق بالتجارة الإلكترونية: هذا هو النص المحوري والخاص الذي وضع القواعد الأساسية لممارسة البيع عن بعد، محدداً التزامات الموردين وحقوق المستهلكين والعقوبات المترتبة على المخالفات.
- الأمر رقم 75-59 المؤرخ في 20 رمضان عام 1395 الموافق 26 سبتمبر سنة 1975، المتضمن القانون التجاري، المعدل والمتمم: باعتبار التجارة الإلكترونية عملاً تجارياً بطبيعته، فإنها تخضع للأحكام العامة الواردة في القانون التجاري، خاصة فيما يتعلق بصفة التاجر والتزاماته العامة.
- القانون رقم 09-03 المؤرخ في 29 صفر عام 1430 الموافق 25 فبراير سنة 2009، المتعلق بحماية المستهلك وقمع الغش، المعدل والمتمم: يتقاطع هذا القانون مع قانون التجارة الإلكترونية ليوفر حماية إضافية للمستهلك في المعاملات عن بعد، خاصة فيما يتعلق بالضمان والإعلام وشروط البيع.
- القانون رقم 04-02 المؤرخ في 5 جمادى الأولى عام 1425 الموافق 23 يونيو سنة 2004، الذي يحدد القواعد المطبقة على الممارسات التجارية، المعدل والمتمم: يضع هذا النص القواعد العامة للممارسات التجارية النزيهة، بما في ذلك شفافية الأسعار والفواتير والبيانات الإلزامية.
هذه القوانين مجتمعة تشكل العمود الفقري لتنظيم البيع عن بعد، وأي ممارسة لهذا النشاط يجب أن تكون متوافقة معها بشكل كامل.
من هو المورد الإلكتروني وما هي التزاماته الأساسية؟
وفقاً للقانون، لا يمكن لأي شخص أن يبيع عبر الإنترنت دون استيفاء شروط معينة. فهم هذه الشروط هو خطوتك الأولى نحو الامتثال القانوني.
تعريف المورد الإلكتروني
حسب نص المادة 5 من القانون 18-05، “المورد الإلكتروني” هو كل شخص طبيعي أو معنوي يمارس التجارة الإلكترونية ويقترح أو يوفر، عن بعد، سلعاً أو خدمات للمستهلك الإلكتروني. هذا يعني أن التعريف يشمل كلاً من الأفراد الذين يمارسون النشاط باسمهم الخاص والشركات (مثل SARL أو EURL).
الشرط الجوهري لاكتساب هذه الصفة هو القيد في السجل التجاري. لا يمكن ممارسة التجارة الإلكترونية بشكل قانوني في الجزائر دون الحصول على سجل تجاري يتضمن رمز النشاط المخصص لذلك.
الالتزامات الجوهرية قبل إبرام العقد (الإعلام المسبق)
يفرض القانون على المورد الإلكتروني التزاماً بالشفافية المطلقة تجاه المستهلك. قبل أن يتمكن الزبون من إجراء أي عملية شراء، يجب أن تكون المعلومات التالية واضحة ومتاحة وسهلة الوصول على الموقع الإلكتروني أو المنصة التجارية، وذلك طبقاً لأحكام المادة 7 و المادة 8 من القانون 18-05:
- بيانات التعريف الكاملة: الاسم واللقب أو تسمية الشركة، العنوان الفعلي، رقم الهاتف، عنوان البريد الإلكتروني.
- بيانات القيد القانوني: رقم القيد في السجل التجاري، ورقم التعريف الجبائي (NIF).
- وصف المنتج أو الخدمة: الخصائص الأساسية للمنتج أو الخدمة بشكل دقيق وكافٍ.
- السعر: يجب أن يكون السعر شاملاً كل الرسوم (TVA)، بالدينار الجزائري (دج)، وبشكل واضح لا لبس فيه.
- تكاليف التوصيل: يجب ذكرها بوضوح إن لم تكن مدرجة في سعر البيع.
- وسائل الدفع المقبولة: القانون يلزم المورد بتوفير وسيلة للدفع الإلكتروني، بالإضافة إلى إمكانية توفير خيارات أخرى كالدفع عند الاستلام.
- شروط وآجال التسليم: تحديد المدة الزمنية المتوقعة لوصول المنتج.
- شروط الضمان: تفاصيل الضمان القانوني والضمان التجاري إن وجد.
- الحق في التراجع: معلومات واضحة حول كيفية ممارسة المستهلك لحقه في التراجع عن الشراء، والمدة المتاحة لذلك، والاستثناءات.
خطوات تأسيس نشاط البيع عن بعد في الجزائر (الإجراءات العملية)
الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ يتطلب اتباع مسار إداري وقانوني دقيق. إليك خارطة الطريق لإنشاء نشاطك التجاري الإلكتروني بشكل قانوني.
الخطوة الأولى: القيد في السجل التجاري (CNRC)
هذه هي الخطوة الإلزامية الأولى. يجب التوجه إلى فرع المركز الوطني للسجل التجاري (CNRC) التابع لولايتك. أهم معلومة هنا هي “رمز النشاط” (Code d’activité). لممارسة التجارة الإلكترونية، يجب أن تطلب قيد الرمز التالي:
- رمز النشاط: 607.211
- تسمية النشاط بالفرنسية: Vente en ligne ou à distance (E-commerce)
- تسمية النشاط بالعربية: ممارسة التجارة الالكترونية (بيع بالتجزئة عن طريق الأنترنت)
لا يمكن استخدام سجل تجاري لبيع المواد الغذائية العامة أو أي نشاط آخر لممارسة البيع عن بعد. يجب أن يكون السجل التجاري مخصصاً لهذا النشاط أو أن تتم إضافة هذا الرمز كنشاط ثانوي.
الخطوة الثانية: إعداد الموقع الإلكتروني وفقًا للقانون
بعد الحصول على السجل التجاري، يجب أن يكون موقعك الإلكتروني أو تطبيقك متوافقاً مع المتطلبات القانونية المذكورة سابقاً. هذا يشمل:
- إنشاء صفحة “الشروط والأحكام العامة للبيع” (CGV): هذه الصفحة بمثابة العقد بينك وبين العميل. يجب أن تتضمن كل التفاصيل المتعلقة بالأسعار، الدفع، التسليم، سياسة الإرجاع، وحق التراجع.
- إنشاء صفحة “إشعارات قانونية” (Mentions Légales): يجب أن تحتوي هذه الصفحة على جميع بيانات التعريف الخاصة بك (الاسم، العنوان، رقم السجل التجاري، NIF، البريد الإلكتروني، الهاتف…).
- تأمين الموقع: يجب أن يكون الموقع مؤمناً ببروتوكول HTTPS لحماية بيانات العملاء، خاصة عند الدفع.
- الامتثال لقانون حماية البيانات الشخصية: يجب إعلام المستخدمين بكيفية جمع واستخدام بياناتهم الشخصية والحصول على موافقتهم، وفقاً للقانون رقم 18-07 المتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.
يتطلب الأمر أيضاً فهماً جيداً لأساسيات التسويق الرقمي وتجربة المستخدم، وهي مواضيع يمكن الاستزادة منها عبر منصات متخصصة مثل akhbardz التي تغطي جوانب مختلفة من الاقتصاد الرقمي في الجزائر.
الخطوة الثالثة: توفير وسائل الدفع الإلكتروني الآمنة
تنص المادة 12 من القانون 18-05 على أنه “يجب على المورد الإلكتروني أن يضع تحت تصرف المستهلك الإلكتروني وسيلة دفع إلكتروني واحدة على الأقل”. هذا التزام قانوني. يمكنك التعاقد مع البنوك أو مع “بريد الجزائر” لتفعيل خدمة الدفع عبر الإنترنت (منصة SATIM) التي تقبل بطاقتي CIB والذهبية.
الملف الإداري: الوثائق المطلوبة للقيد في السجل التجاري
يختلف الملف المطلوب حسب طبيعتك القانونية (شخص طبيعي أو شركة). إليك قائمة دقيقة بالوثائق المطلوبة غالباً.
بالنسبة للشخص الطبيعي (Exercice en nom propre)
- استمارة طلب القيد في السجل التجاري يتم ملؤها وتوقيعها.
- نسخة من بطاقة التعريف الوطنية أو رخصة السياقة.
- شهادة ميلاد.
- عقد إيجار تجاري موثق أو سند ملكية للمحل الذي سيتم التصريح به كعنوان للنشاط.
- وصل تسديد حقوق الطابع الجبائي (حوالي 4.000 دج).
- وصل تسديد حقوق القيد في السجل التجاري (يتم دفعه في عين المكان).
- شهادة الإسم التجاري (إذا كنت ترغب في استخدام اسم تجاري مختلف عن اسمك الشخصي).
بالنسبة للشخص المعنوي (شركة SARL, EURL…)
- نفس وثائق المسير المذكورة أعلاه.
- نسخة من القانون الأساسي للشركة (Statuts).
- نسخة من الإعلان عن تأسيس الشركة في النشرة الرسمية للإعلانات القانونية (BOAL) وجريدة يومية وطنية.
- وصل دفع رأس مال الشركة في البنك.
حقوق المستهلك الإلكتروني: الضمانات التي كفلها القانون
وضع القانون 18-05 ترسانة من الحقوق لحماية المستهلك في البيئة الرقمية، والتي تعتبر أقل شفافية من التجارة التقليدية.
الحق في التراجع (حق العدول)
هذا هو أهم حق للمستهلك. تسمح له المادة 19 من القانون 18-05 بالتراجع عن عملية الشراء دون إبداء أي سبب ودون دفع أي غرامات.
- الأجل الرئيسي: يمكن للمستهلك ممارسة حقه في التراجع في أجل 10 أيام عمل، ابتداءً من تاريخ استلامه للمنتج.
- الأجل الممدد: إذا لم يقم المورد بإعلام المستهلك بحقه في التراجع (عبر الشروط العامة للبيع مثلاً)، يتم تمديد هذا الأجل إلى 30 يوماً.
- آلية الإرجاع: يجب على المستهلك إرجاع المنتج في عبوته الأصلية، ويتعين على المورد رد المبلغ المدفوع في أجل أقصاه 15 يوماً من تاريخ استلام المنتج المرجع.
استثناءات: هناك حالات لا يمكن فيها ممارسة حق التراجع، مثل السلع سريعة التلف، المنتجات المصنوعة حسب طلب الزبون، التسجيلات الصوتية أو البرامج التي تم فتحها، وغيرها مما حددته المادة 20.
| الحق/الإجراء | المدة القانونية | نقطة انطلاق الأجل |
|---|---|---|
| الحق في التراجع | 10 أيام عمل | تاريخ استلام المنتج |
| الحق في التراجع (في حال عدم إعلام المستهلك) | 30 يوماً | تاريخ استلام المنتج |
| أجل تسليم المنتج (ما لم يتم الاتفاق على خلافه) | 30 يوماً | تاريخ تأكيد الطلبية |
| أجل رد المبلغ للمستهلك بعد التراجع | 15 يوماً | تاريخ استلام المورد للمنتج المُرجع |
💡 نصيحة الخبير القانوني
لتفادي أي نزاع مستقبلي حول ممارسة حق التراجع، قم بتضمين صفحة “الشروط والأحكام العامة للبيع” (CGV) على موقعك واشترط على العميل تحديد مربع “قرأت وأوافق على الشروط” قبل إتمام الطلب. هذه الوثيقة تعتبر بمثابة عقد ملزم يحميك ويوضح حقوق والتزامات الطرفين بدقة. تأكد من أن هذه الصفحة تتضمن بنداً واضحاً يشرح سياسة الإرجاع وحق التراجع وفقاً للقانون.
⚠️ تنبيه هام: الفرق بين البيع عبر المواقع والبيع عبر الشبكات الاجتماعية
يخطئ الكثيرون بالاعتقاد أن البيع عبر منصات مثل Facebook أو Instagram لا يخضع لهذه القوانين. هذا غير صحيح. القانون 18-05 يعرف التجارة الإلكترونية بأنها “النشاط الذي يقوم بموجبه مورد إلكتروني باقتراح أو بضمان توفير سلع وخدمات عن بعد لمستهلك إلكتروني، عن طريق الاتصالات الإلكترونية”. هذا التعريف الواسع يشمل البيع عبر أي وسيلة اتصال إلكترونية، بما فيها الشبكات الاجتماعية. ممارسة البيع عبر هذه المنصات دون سجل تجاري يعرضك لنفس العقوبات المطبقة على المواقع الإلكترونية، بالإضافة إلى تهمة ممارسة نشاط تجاري قار دون قيد (ممارسة التجارة غير الشرعية).
العقوبات المترتبة على مخالفة قانون التجارة الإلكترونية
لم يترك المشرع الجزائري هذه الالتزامات دون جزاء. نص القانون 18-05 على عقوبات مالية صارمة لضمان الامتثال.
- عدم ذكر المعلومات الإلزامية: يعاقب كل مورد إلكتروني لا يدرج البيانات الإلزامية (مثل رقم السجل التجاري، السعر، حق التراجع…) بغرامة مالية من 50.000 دج إلى 500.000 دج (المادة 38).
- الإشهار الإلكتروني المضلل: يعاقب على الإشهار الذي يتضمن معلومات أو ادعاءات كاذبة بغرامة من 100.000 دج إلى 1.000.000 دج (المادة 39).
- ممارسة النشاط دون سجل تجاري: بالإضافة إلى العقوبات المنصوص عليها في قانون التجارة، يمكن أن تصل الغرامة إلى 2.000.000 دج مع إمكانية الأمر بغلق الموقع الإلكتروني (المادة 36).
هذه العقوبات يمكن أن تتضاعف في حالة العود، وقد يضاف إليها عقوبات تكميلية كالنشر الإجباري للحكم القضائي.
الأسئلة الشائعة حول البيع عن بعد في الجزائر (FAQ)
هل يمكنني ممارسة التجارة الإلكترونية بسجل تجاري لنشاط آخر؟
لا. يجب أن يكون لديك سجل تجاري يتضمن رمز النشاط المخصص للتجارة الإلكترونية وهو 607.211. ممارسة البيع عن بعد برمز نشاط آخر (مثل بيع الألبسة بالتجزئة في محل) يعتبر مخالفة قانونية، لأن القانون يفرض قيوداً والتزامات خاصة على التجارة الإلكترونية تستوجب التصريح بها.
هل أنا ملزم بتوفير الدفع الإلكتروني أم يمكنني الاكتفاء بالدفع عند الاستلام؟
نعم، أنت ملزم قانوناً. المادة 12 من القانون 18-05 واضحة: “يجب على المورد الإلكتروني أن يضع تحت تصرف المستهلك الإلكتروني وسيلة دفع إلكتروني واحدة على الأقل”. يمكنك بالطبع إضافة الدفع عند الاستلام كخيار إضافي، لكن لا يمكن أن يكون هو الخيار الوحيد.
ما هو أجل التراجع بالضبط وكيف يتم حسابه؟
الأجل هو 10 أيام عمل كاملة (أي لا تحتسب أيام العطل الأسبوعية والرسمية). يبدأ حساب الأجل من اليوم الموالي ليوم استلام المستهلك للمنتج. فإذا استلمت المنتج يوم الأحد، يبدأ حساب العشرة أيام من يوم الاثنين.
بعت منتجاً عبر انستغرام بدون سجل تجاري، ما هي المخاطر؟
المخاطر جدية. أولاً، تعتبر ممارساً لنشاط تجاري غير شرعي، وهي مخالفة يعاقب عليها القانون. ثانياً، أنت تخالف قانون التجارة الإلكترونية، مما يعرضك للغرامات المالية المذكورة أعلاه. ثالثاً، في حالة حدوث نزاع مع زبون، لن يكون لديك أي إطار قانوني لحماية حقوقك. وأخيراً، تخسر ثقة العملاء الذين يفضلون التعامل مع جهات رسمية وموثوقة.
الخاتمة
إن تنظيم المشرع الجزائري للبيع عن بعد من خلال القانون 18-05 لم يأت ليعقد الأمور، بل ليخلق بيئة تجارية رقمية آمنة وموثوقة، تحمي المستهلك من الاحتيال وتضمن للمورد النزيه إطاراً واضحاً لممارسة نشاطه. الالتزام بهذه القواعد ليس مجرد واجب قانوني، بل هو استثمار في سمعة مشروعك واستمراريته على المدى الطويل. بالشفافية والامتثال، يمكنك بناء علامة تجارية قوية ومزدهرة في سوق التجارة الإلكترونية الواعد في الجزائر.
المصادر والمراجع
- القانون رقم 18-05 المؤرخ في 10 مايو 2018، المتعلق بالتجارة الإلكترونية. (الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، العدد 28).
- الأمر رقم 75-59 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975، المتضمن القانون التجاري.
- القانون رقم 09-03 المؤرخ في 25 فبراير 2009، المتعلق بحماية المستهلك وقمع الغش.
- الموقع الرسمي للمركز الوطني للسجل التجاري (CNRC).




