فهم أحكام الميراث وتقسيم التركة في الجزائر خطوة بخطوة

إن من أعظم ما ابتُلي به المسلمون في واقعهم المعاصر هو التفريط في شرائع الله المالية، وعلى رأسها أحكام الميراث وتقسيم التركة. لقد تحولت هذه الفريضة الربانية، التي تولى الله سبحانه قسمتها بنفسه في محكم كتابه، إلى ساحة للنزاع وقطيعة الأرحام وأكل أموال الناس بالباطل. إن الجهل بهذه الأحكام، أو تجاهلها تحت ضغط الأعراف والتقاليد البالية، ليس مجرد مخالفة شرعية، بل هو تعدٍّ صريح على حدود الله، وباب واسع للظلم، خاصة تجاه الفئات التي أوصى الإسلام برعايتها كالنساء واليتامى. هذا الدليل الشامل ليس مجرد سرد للقواعد، بل هو دعوة لإحياء فريضة غابت عن واقع الكثيرين، وإعادة الحقوق إلى أهلها، طاعةً لله وحفظًا لكيان الأسرة والمجتمع في الجزائر وفي كل بلاد المسلمين.
ما هو الميراث؟ التعريف الشرعي والمفهوم العميق
قبل الخوض في تفاصيل القسمة والأنصبة، لا بد من تأصيل المفهوم وتصحيح التصورات الشائعة حوله. فالميراث في الإسلام ليس مجرد عملية مادية لنقل الثروة، بل هو نظام متكامل له أبعاد عقدية وتعبدية واجتماعية.
- المعنى اللغوي: كلمة “الميراث” أو “الإرث” في اللغة تأتي من (و-ر-ث)، وتدل على البقاء والانتقال. يقال: ورث فلانٌ أباه، أي انتقل إليه ماله بعد فنائه وبقي هو بعده.
- المعنى الاصطلاحي: في اصطلاح الفقهاء، هو “انتقال ملكية الميت وحقوقه المالية إلى ورثته الأحياء، على وجه إجباري بحكم الشرع”. وهذا التعريف يكشف عن خصائص جوهرية؛ فالانتقال إجباري لا خيار فيه للوارث أو المورّث، وهو يتم بحكم الشرع لا بحكم العادات أو الأهواء.
- الفرق بين المفهوم الصحيح والتصور الشائع: يظن الكثيرون أن التركة هي ملك للمورّث يتصرف فيه كيف يشاء بعد موته عبر وصية جائرة، أو أنها غنيمة يتسابق إليها الورثة. أما المفهوم الصحيح، فهو أن مال الميت ينتقل من ملكيته إلى ملكية الله مجازًا، ثم يُقسم بأمر الله على من سماهم الله. فالوارث يأخذ حقه من الله مباشرة، لا منّة لأحد عليه فيه.
–
الأصل التشريعي: أدلة الميراث من القرآن الكريم والسنة النبوية
يستمد علم المواريث، أو “علم الفرائض”، مكانته من كونه مستندًا بشكل مباشر إلى نصوص قطعية الثبوت والدلالة في القرآن والسنة، مما أغلق الباب أمام الاجتهاد البشري في أصوله وقواعده الكبرى.
1. من القرآن الكريم:
تولى القرآن الكريم بيان الأنصبة بتفصيل دقيق لا نجده في كثير من العبادات الأخرى كالصلاة والزكاة، مما يدل على خطورة هذا الأمر. وأهم الآيات في هذا الباب هي آيات سورة النساء:
“يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ…” (النساء: 11).
هذه الآيات وغيرها (الآية 12 و 176 من سورة النساء) تُعرف بـ”آيات المواريث”، وقد وضعت الأسس الكاملة لمن يرث ومن لا يرث، ومقدار نصيب كل وارث.
2. من السنة النبوية الشريفة:
جاءت السنة النبوية مؤكدة ومفصلة لما جاء في القرآن، وحثّ النبي صلى الله عليه وسلم على تعلم هذا العلم وتعليمه. قال عليه الصلاة والسلام:
“أَلْحِقُوا الفَرائِضَ بأَهْلِها، فَما بَقِيَ فَهو لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ.” (متفق عليه)
هذا الحديث، كما شرحه العلماء في مصادر شروح الحديث المعتبرة، يعتبر قاعدة أساسية في التوريث، حيث يقدم أصحاب الفروض (الذين حدد القرآن نصيبهم) ثم يأتي العصبات (الأقارب من جهة الذكور) ليأخذوا ما تبقى.
فهم العلماء للموضوع وأقوالهم
أجمع علماء الأمة سلفًا وخلفًا على وجوب العمل بأحكام الميراث كما وردت في الكتاب والسنة، واعتبروا أي تحايل عليها أو تعطيل لها من كبائر الذنوب. وقد اهتموا بهذا العلم اهتمامًا بالغًا، حتى قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “تعلموا الفرائض فإنها من دينكم”.
وتتفق المذاهب الفقهية الأربعة (الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي) على القواعد العامة للميراث وأصحاب الفروض والعصبات، وإنما تقع اختلافات يسيرة في مسائل فرعية دقيقة (مثل ميراث الجد مع الإخوة، ومسائل العول والرد) لا تؤثر على جوهر النظام. ويجدر بالذكر أن القانون الجزائري في مسائل الأحوال الشخصية، ومنها الميراث، يتبنى في مجمله أحكام المذهب المالكي، وهو ما يتوافق مع الإرث الفقهي للبلاد.
سؤال وجواب: تصحيح مفهوم خاطئ
السؤال الشائع: لماذا يرث الرجل ضعف المرأة في بعض الحالات؟ هل هذا ظلم للمرأة؟
الجواب: هذا فهم قاصر للنظام المالي الإسلامي المتكامل. فالرجل في الإسلام مُكلف بالنفقة الكاملة على زوجته وأولاده وأحيانًا والديه وأخواته، بينما المرأة غير مكلفة بالنفقة على أحد، ومالها هو ملك خالص لها. فنصيبها من الميراث هو دعم إضافي لها، بينما نصيب الرجل يُستهلك في نفقات واجبة عليه. فالعدل هنا ليس في المساواة الحسابية، بل في التوازن بين الحقوق والواجبات، وهو ما يحقق العدل الحقيقي والرحمة لكلا الطرفين.
التطبيق العملي في الجزائر: خطوات تقسيم التركة
لتطبيق أحكام الميراث بشكل صحيح في الواقع الجزائري، يجب اتباع خطوات شرعية وقانونية واضحة تضمن وصول الحقوق لأصحابها.
- الحقوق المتعلقة بالتركة (قبل التقسيم): قبل توزيع الميراث، يجب إخراج أربعة حقوق بالترتيب:
- تجهيز الميت وتكفينه ودفنه بالمعروف.
- قضاء ديون الميت، سواء كانت لله (كزكاة لم تدفع) أو للعباد.
- تنفيذ وصية الميت في حدود ثلث (1/3) المتبقي من المال، وبشرط ألا تكون لوارث.
- ما تبقى بعد كل هذا هو التركة الصافية التي توزع على الورثة.
- حصر الورثة (إعداد الفريضة): وهي وثيقة رسمية يتم استخراجها من الموثق (Notaire) أو المحكمة، تحدد فيها قائمة الورثة الشرعيين للمتوفى وصلة قرابتهم به. هذه الخطوة ضرورية لضمان عدم إغفال أي وارث أو إدخال من ليس بوارث.
- حصر التركة وتقييمها: يتم جرد جميع ممتلكات المتوفى من عقارات وأموال سائلة وأسهم وغيرها، وتقييمها بقيمتها السوقية العادلة وقت التقسيم.
- توزيع الأنصبة: بناءً على “الفريضة”، يقوم أهل العلم أو الموثق بحساب نصيب كل وارث وفقًا للقواعد الشرعية (أصحاب الفروض ثم العصبات).
أخطاء شائعة في التطبيق بالجزائر:
- حرمان البنات: من أخطر الأخطاء وأكثرها انتشارًا حرمان الإناث من نصيبهن في العقارات (الأرض أو المنزل) تحت دعوى “عدم خروج الملك من العائلة”، وتعويضهن بمبلغ مالي زهيد لا يساوي قيمة حقهن الشرعي. هذا الفعل هو أكلٌ للمال بالباطل وظلم عظيم.
- التأخير في القسمة: المماطلة في تقسيم التركة لسنوات طويلة مما يؤدي إلى موت بعض الورثة قبل أخذ حقهم، فتتعقد المسألة أكثر وتتداخل الأنصبة وتكثر النزاعات.
- استيلاء أحد الورثة: سيطرة الأخ الأكبر أو أحد الورثة المتنفذين على التركة والتصرف فيها كأنها ملكه الخاص، وتوزيعها بمزاجه لا بشرع الله.
–
–
الآثار الإيمانية والسلوكية لتطبيق شرع الله في الميراث
إن الالتزام بأحكام الميراث ليس مجرد معاملة مالية، بل هو عبادة يترتب عليها آثار عظيمة على الفرد والأسرة والمجتمع.
- على الفرد: يربي في المسلم خصلة التسليم والرضا بحكم الله، ويطهره من الشح والبخل والطمع، ويعلمه أن الرزق بيد الله يؤتيه من يشاء.
- على الأسرة: يحقق العدل ويمنع الشقاق والنزاع، ويحافظ على صلة الرحم التي أمر الله بها أن توصل. فتوزيع التركة بالشرع يقطع أسباب الحسد والبغضاء بين الإخوة والأقارب.
- على المجتمع: يضمن تفتيت الثروة وعدم تكدسها في يد فئة قليلة، مما يحقق تداولًا صحيًا للمال ويساهم في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
يمكنك استكشاف المزيد من المواضيع التي تعزز الفهم الإسلامي الصحيح من خلال تصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد.
نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية
تذكر دائمًا أن تنفيذ وصية الله في تركة والديك هو من أعظم صور البر بهما بعد وفاتهما. فبإعطائك كل ذي حق حقه، تبرئ ذمتهما أمام الله وتكون سببًا في رفع درجاتهما. لا تجعل الشيطان يزين لك حرمان أخيك أو أختك من مليم واحد، فإن ما تأخذه بالحرام في الدنيا حسرة وندامة عليك وعليهما في الآخرة.
الانحرافات والمفاهيم الخاطئة
يواجه نظام الميراث الإسلامي تحديات نابعة من انحرافات في الفهم والتطبيق، أبرزها:
- التفريط والتحايل: وهو الغالب، حيث يتم تعطيل أحكام الشرع وتقديم الأعراف القبلية أو العائلية عليها، كما في مسألة حرمان الإناث. ومن صور التحايل كتابة الأملاك باسم الذكور في حياة الأب بقصد حرمان البنات.
- التفسيرات المعاصرة الخاطئة: بعض التيارات الحداثية تدعو إلى “إعادة قراءة” نصوص الميراث بدعوى أنها لم تعد تناسب العصر، وتطالب بالمساواة المطلقة بين الذكر والأنثى، متجاهلين حكمة التشريع وتكامله مع منظومة الحقوق والواجبات في الإسلام. هذا الطرح يمثل هدمًا لأصل قطعي من أصول الدين.
أسئلة شائعة حول الميراث
هذه بعض الأسئلة التي يكثر طرحها حول أحكام التركة وتقسيمها:
- هل يجوز للأب أن يكتب كل أملاكه لأحد أبنائه في حياته؟
إذا كان على سبيل الهبة في حال صحته، وقام الابن بحيازة هذه الممتلكات والتصرف فيها، فذلك جائز مع الكراهة إن لم يعدل بين أولاده. أما إن كانت الكتابة صورية (وصية مقنّعة) بقصد حرمان بقية الورثة، فهو حرام شرعًا وباطل قانونًا. - توفي زوجي وتركني وأطفالًا في بيته، فهل لأهله الحق في إخراجي منه؟
البيت ملك لجميع الورثة بمن فيهم أنتِ وأطفالك. لا يحق لأحد إخراجك منه، ولكِ نصيبك الشرعي فيه (الثمن لوجود الأبناء)، ولأبنائك نصيبهم. ويجب أن يتم التقسيم بالعدل أو بالتراضي. - ما حكم من مات وعليه ديون كثيرة تستغرق كل تركته؟
يجب سداد ديونه أولًا من كل ما ترك، ولا شيء للورثة في هذه الحالة، لقوله تعالى بعد ذكر الأنصبة: “مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ”. - هل الوصية واجبة؟ وهل يمكن أن أوصي لأحد أبنائي بشيء زائد؟
الوصية مستحبة وليست واجبة إلا إن كان على الإنسان حقوق يريد توثيقها. ولا تجوز الوصية لوارث (مثل أحد الأبناء) بشيء زائد عن نصيبه الشرعي، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث”. - توفي شخص ولم يترك إلا بنات، فمن يرث معه؟
إذا كن بنتين فأكثر فلهما الثلثان، وإذا كانت واحدة فلها النصف. والباقي يذهب إلى أقرب عاصب (أقرب ذكر من الأقارب) كالأخ أو العم، لحديث “فما بقي فلأولى رجل ذكر”.
–
–
–
خاتمة: الميراث أمانة وعدل ورحمة
في الختام، إن نظام الميراث في الإسلام ليس مجرد أرقام وحصص، بل هو تجسيد لعدل الله ورحمته وحكمته. إنه صمام أمان يحفظ الأسرة من التفكك والمجتمع من الظلم الاقتصادي. والقيام به على وجهه الصحيح هو شهادة صدق على إيمان العبد وتسليمه لشرع ربه، وتحقيق للأمانة التي حمّله الله إياها. فلنتقِ الله في هذه الحقوق، ولنكن ممن يقيمون حدوده، فنفوز برضاه في الدنيا والآخرة.
للاطلاع على المزيد من الأحكام الشرعية والمواضيع الإيمانية، ندعوكم لمتابعة الشؤون الدينية في الجزائر عبر منصتنا.
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.




