حماية حقوق المرأة من العنف في التشريع الجزائري

تواجه العديد من النساء في الجزائر تحديات قانونية ونفسية معقدة عند التعرض للعنف، وغالباً ما يقف حاجز الجهل بالقانون عائقاً أمام حصولهن على حقوقهن. إن فهم كيفية حماية القانون الجزائري للمرأة من العنف ليس مجرد معرفة، بل هو أداة تمكين أساسية. سواء تعلق الأمر بعنف جسدي، لفظي، أو حتى نفسي من الزوج أو أي شخص آخر، فإن المشرع الجزائري وضع ترسانة قانونية لحماية الضحية ومعاقبة الجاني، لكن الطريق لإنفاذ هذا القانون يبدأ بمعرفة الخطوات الصحيحة والمحددة.
هذا الدليل الشامل والمبني على نصوص قانونية دقيقة، يشرح بالتفصيل كل ما يجب أن تعرفه المرأة ضحية العنف في الجزائر، بدءاً من السند القانوني لحمايتها، مروراً بالإجراءات العملية لتقديم شكوى، وصولاً إلى الوثائق اللازمة والعقوبات المقررة.
الإطار القانوني لحماية المرأة من العنف في التشريع الجزائري
تعتبر حماية المرأة من كل أشكال العنف من المبادئ الأساسية التي كرسها المشرع الجزائري، وتجد هذه الحماية سندها الأساسي في قانون العقوبات، الذي تم تعديله وتتميمه عدة مرات ليتلاءم مع تطور المجتمع ويوفر حماية أكثر فعالية. يعتبر القانون رقم 15-19 المؤرخ في 30 ديسمبر 2015، المعدل والمتمم للأمر رقم 66-156 المتضمن قانون العقوبات، هو حجر الزاوية في هذا المجال.
قانون العقوبات: التعديلات الجوهرية
أحدث القانون 15-19 ثورة في مجال التجريم والعقاب فيما يخص العنف ضد المرأة، حيث استحدث جرائم جديدة وشدد العقوبات على جرائم كانت موجودة أصلاً، خاصة عندما تقع داخل الإطار الأسري. من أهم ما جاء به:
- تجريم العنف النفسي واللفظي: لم تعد الحماية مقتصرة على العنف الجسدي فقط. أصبح أي شكل من أشكال الضغط النفسي أو الإهانة المتكررة التي تمس بكرامة المرأة جريمة يعاقب عليها القانون.
- تشديد العقوبة إذا كان الفاعل زوجاً: أقر المشرع ظروف التشديد في جرائم الضرب والجرح العمدي إذا كان الضحية هي الزوجة، اعترافاً بخصوصية العلاقة الزوجية وما يجب أن يسودها من احترام.
- تجريم العنف الاقتصادي: يعتبر حرمان المرأة من مواردها المالية أو التحكم فيها بشكل تعسفي كوسيلة للضغط والإيذاء شكلاً من أشكال العنف المعاقب عليه.
- الحماية من التحرش: وضع القانون تعريفاً دقيقاً لجريمة التحرش الجنسي في الأماكن العمومية أو في بيئة العمل، مع تخصيص عقوبات رادعة لمرتكبيها.
أشكال العنف التي يجرمها القانون وعقوباتها
يفصّل قانون العقوبات الجزائري في صور العنف الموجه ضد المرأة، ويضع لكل صورة عقوبة تتناسب مع خطورتها. من المهم معرفة هذه الأنواع لتمكين الضحية من تكييف شكواها بشكل صحيح.
العنف الجسدي والاعتداءات
هو الشكل الأكثر شيوعاً ووضوحاً. يتعلق الأمر بكل اعتداء يمس بالسلامة الجسدية للمرأة. تنص المادة 266 مكرر من قانون العقوبات على أنه “يعاقب بالحبس من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات كل من أحدث عمدا جرحا أو ضربا بزوجته”. وتتدرج العقوبة حسب خطورة الإصابة والمدة التي يستغرقها الشفاء (العجز عن العمل)، ويمكن أن تصل إلى السجن المؤبد إذا أدى الضرب إلى الوفاة دون نية إحداثها.
العنف النفسي واللفظي
أدرك المشرع أن الضرر النفسي قد يكون أشد وطأة من الضرر الجسدي. تنص المادة 333 مكرر 2 من قانون العقوبات على المعاقبة بالحبس والغرامة لكل “فعل أو قول يمس بكرامة الغير أو يخدش حياءه”. كما أن الاعتداء اللفظي المتكرر من الزوج على زوجته يمكن أن يدخل ضمن جريمة “كل أشكال الضغط أو التخويف” التي تهدف إلى التحكم في المرأة، وهي جريمة معاقب عليها.
التحرش الجنسي
تصدى القانون لهذه الآفة بشكل حازم. تعاقب المادة 333 مكرر كل من ضايق الغير في مكان عمومي “بكل فعل أو قول أو إشارة تخدش حياءه”. وتشدد العقوبة إذا كان الفاعل من له سلطة على الضحية (مثل مدير في العمل)، أو إذا كانت الضحية قاصراً.
الإهمال العائلي والعنف الاقتصادي
يعد ترك مقر الأسرة من قبل أحد الزوجين لأكثر من شهرين دون سبب جدي، والتملص من الالتزامات المادية والأدبية، جريمة يعاقب عليها القانون بموجب المادة 330 من قانون العقوبات، وتعرف بـ”ترك الأسرة”. هذا يشمل الزوج الذي يمتنع عن دفع النفقة المحكوم بها قضائياً، مما يضع الزوجة والأبناء في وضعية هشة.
الإجراءات العملية لتقديم شكوى: دليل خطوة بخطوة
معرفة القانون شيء، وتطبيقه شيء آخر. الطريق إلى العدالة يتطلب اتباع إجراءات دقيقة. إليك الدليل العملي المفصل لما يجب على المرأة ضحية العنف القيام به.
الخطوة الأولى (الأهم): المعاينة الطبية الفورية
قبل أي شيء آخر، وقبل التوجه إلى الشرطة، يجب على الضحية التوجه فوراً إلى أقرب مستشفى (مصلحة الاستعجالات) أو إلى الطبيب الشرعي. الهدف هو الحصول على “شهادة طبية تثبت العجز”. هذه الوثيقة هي حجر الزاوية في الملف وأقوى دليل إثبات.
- يجب أن تتم المعاينة في أقرب وقت ممكن بعد الاعتداء حتى تكون الآثار واضحة.
- سيقوم الطبيب بوصف الإصابات بدقة وتحديد مدة العجز عن العمل (مثلاً: عجز لمدة 10 أيام). هذه المدة لها تأثير مباشر على تكييف الجريمة وشدة العقوبة.
- احتفظي بالنسخة الأصلية من الشهادة جيداً، فهي سلاحك القانوني الأول.
الخطوة الثانية: تقديم الشكوى الرسمية
بعد الحصول على الشهادة الطبية، أمام الضحية ثلاثة خيارات لتقديم شكواها:
- مركز الشرطة أو فرقة الدرك الوطني: هو الخيار الأكثر شيوعاً. تتوجه الضحية إلى المصلحة المختصة إقليمياً (مكان وقوع الاعتداء) وتقوم بالإدلاء بأقوالها. سيقوم ضابط الشرطة القضائية بتحرير محضر سماع أقوال يتم تضمينه كل تفاصيل الواقعة.
- وكيل الجمهورية لدى المحكمة: يمكن للضحية أو محاميها تحرير “عريضة شكوى” وتقديمها مباشرة إلى وكيل الجمهورية بالمحكمة المختصة. هذا الخيار قد يكون أسرع في بعض الأحيان، خاصة في القضايا المعقدة.
- التكليف المباشر بالحضور: في بعض الجنح البسيطة، يمكن للمحامي رفع دعوى مباشرة ضد المعتدي عبر إجراء يسمى “التكليف المباشر بالحضور”، مما يسرع من وتيرة المحاكمة.
عند تحرير الشكوى، يجب ذكر كل التفاصيل بدقة: تاريخ وساعة ومكان الاعتداء، وصف دقيق للأفعال والأقوال، هوية المعتدي، وذكر وجود شهود إن وجدوا.
الخطوة الثالثة: التحقيق والمتابعة
بمجرد تسجيل الشكوى، تبدأ مرحلة التحقيق. ستقوم مصالح الضبطية القضائية (الشرطة/الدرك) باستدعاء المشتبه به لسماع أقواله، وقد تستدعي الشهود. بعد اكتمال التحقيق الأولي، يتم إرسال الملف كاملاً إلى وكيل الجمهورية الذي يقرر إما:
- حفظ الملف: إذا كانت الأدلة غير كافية.
- إحالة الملف على المحاكمة: وهو المسار الغالب في حال وجود أدلة قوية كالشهادة الطبية.
- فتح تحقيق قضائي: في الجرائم الخطيرة، يتم تعيين قاضي تحقيق لإجراء تحقيقات أوسع.
الوثائق المطلوبة لتكوين ملف الشكوى (الملف الإداري)
لضمان قبول الشكوى ومباشرة الإجراءات بسرعة، يجب تحضير ملف كامل يحتوي على الوثائق التالية:
- شكوى مكتوبة: يمكن تحريرها لدى كاتب عمومي أو بمساعدة محامٍ، أو يتم تحريرها مباشرة من قبل ضابط الشرطة عند سماع الأقوال.
- نسخة من بطاقة التعريف الوطنية للضحية.
- الشهادة الطبية الأصلية: التي تثبت الاعتداء وتحدد مدة العجز.
- عقد الزواج: إذا كان المعتدي هو الزوج، لإثبات صفته التي تعتبر ظرف تشديد.
- شهادة ميلاد أو شهادة عائلية: لإثبات هوية الأطراف.
- أي دليل آخر: صور، تسجيلات صوتية (مع مراعاة شروط قبولها قانوناً)، شهادة الشهود (يجب ذكر هوياتهم الكاملة في الشكوى).
نصيحة الخبير القانوني
لا تترددي أبداً في ذكر كل تفصيل، حتى لو بدا لك تافهاً، أثناء الإدلاء بأقوالك أمام ضابط الشرطة أو وكيل الجمهورية. العنف النفسي واللفظي الذي يسبق الضرب، التهديدات، أو حتى الإهانات المتكررة، كلها عناصر يمكن أن تدعم قضيتك وتساعد القاضي على فهم السياق الكامل للاعتداء. كما أن الإسراع في الحصول على الشهادة الطبية خلال الساعات الأولى بعد الاعتداء يقطع الطريق على أي محاولة من المعتدي للتشكيك في صحة أقوالك.
جدول ملخص للعقوبات المقررة قانوناً
لتوضيح العقوبات التي يواجهها المعتدي، نقدم هذا الجدول التلخيصي المبني على نصوص قانون العقوبات الجزائري:
| الجريمة | السند القانوني (من قانون العقوبات) | العقوبة الأساسية |
|---|---|---|
| الضرب والجرح العمدي من الزوج (عجز أقل من 15 يوم) | المادة 266 مكرر | الحبس من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات. |
| الضرب والجرح العمدي من الزوج (عجز أكثر من 15 يوم) | المادة 266 مكرر | الحبس من سنتين (2) إلى خمس (5) سنوات. |
| التحرش الجنسي في مكان عمومي | المادة 333 مكرر | الحبس من شهرين (2) إلى ستة (6) أشهر وغرامة مالية. (تضاعف العقوبة إذا كان الفاعل له سلطة على الضحية). |
| جريمة ترك الأسرة (الإهمال العائلي) | المادة 330 | الحبس من ستة (6) أشهر إلى سنتين (2) وغرامة مالية. |
تنبيه هام: صفـح الضحية لا يوقف الدعوى دائماً
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن سحب الشكوى أو “الصفح” عن المعتدي يوقف المتابعة القضائية تلقائياً. صحيح أن صفح الضحية يضع حداً للمتابعة في بعض الجرائم البسيطة (مثل السب)، لكن في جرائم الضرب والجرح، خاصة التي ينتج عنها عجز، فإن النيابة العامة (ممثل المجتمع) يمكنها مواصلة الدعوى العمومية حتى لو سامحت الضحية. يُعتبر الصفح مجرد ظرف تخفيف يأخذه القاضي بعين الاعتبار عند النطق بالحكم.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
1. زوجي يعنفني باستمرار ولكني أخشى تقديم شكوى خوفاً من الطلاق وتشتيت الأسرة، ما الحل؟
القانون يوفر حلولاً لحمايتك دون الوصول مباشرة إلى حلول جذرية. يمكنك طلب “أمر بالحماية” من قاضي شؤون الأسرة، وهو أمر قضائي يمنع الزوج من الاقتراب منك أو من منزلك لمدة معينة. كما أن القانون يتيح إمكانية الوساطة الأسرية والاجتماعية. الهدف الأول للقانون هو حمايتك ووقف العنف، والشكوى هي الوسيلة لتفعيل هذه الحماية. يمكنك أيضاً الاستعانة بجمعيات المجتمع المدني التي تقدم الدعم النفسي والقانوني للنساء ضحايا العنف، وكذلك الأرقام الخضراء التي وضعتها الدولة لهذا الغرض.
2. هل تقديم شكوى يتطلب توكيل محامٍ وهل هناك تكاليف؟
تقديم الشكوى بحد ذاته لدى مصالح الشرطة أو النيابة العامة هو إجراء مجاني تماماً ولا يتطلب بالضرورة وجود محامٍ في المرحلة الأولى. لكن، عند إحالة القضية إلى المحكمة، يصبح توكيل محامٍ أمراً ضرورياً للدفاع عن حقوقك والمطالبة بالتعويض عن الضرر. إذا كانت حالتك المادية لا تسمح بتوكيل محامٍ، يمكنك طلب “المساعدة القضائية” من المحكمة، حيث تقوم الدولة بتعيين محامٍ لك وتتكفل بأتعابه.
3. تعرضت لتحرش لفظي في الشارع، لكن ليس لدي أي دليل مادي. هل يمكنني تقديم شكوى؟
نعم، يمكنكِ ويجب عليكِ تقديم شكوى. عدم وجود دليل مادي لا يمنع من تقديم الشكوى. أقوالك في محضر رسمي تعتبر بداية الإثبات. يمكن للشرطة إجراء تحريات، مثل البحث عن كاميرات مراقبة في المكان أو البحث عن شهود محتملين. حتى لو لم يتم التوصل إلى الجاني، فإن تسجيل الشكوى يساهم في توثيق هذه الظواهر ويساعد الجهات الأمنية في تحديد المناطق التي يكثر فيها التحرش لتكثيف الدوريات. قد تكون شكواك هي القطرة التي تفيض الكأس وتدفع السلطات للتحرك.
4. ما هي المدة القانونية لتقادم الحق في الشكوى؟
تخضع الشكوى لآجال تقادم، أي مدة زمنية يسقط بعدها الحق في المتابعة. في مواد الجنح (وهو الوصف الغالب لجرائم العنف ضد المرأة كالضرب والتحرش)، فإن مدة تقادم الدعوى العمومية هي ثلاث (3) سنوات كاملة تبدأ من يوم وقوع الفعل. لكن من الضروري عدم الانتظار، لأن عنصر الإثبات (خاصة الشهادة الطبية والشهود) يضعف بمرور الوقت.
للاطلاع على آخر المستجدات القانونية والتشريعية في الجزائر، يمكنكم متابعة منصات إخبارية موثوقة مثل موقع أخبار الجزائر الذي يغطي هذه الجوانب. فريق akhbardz يعمل على تبسيط المعلومة للمواطن.
خاتمة: القانون في صفكِ، والخطوة الأولى بيدكِ
لقد وضع المشرع الجزائري إطاراً قانونياً قوياً ومتكاملاً لحماية المرأة من جميع أشكال العنف. النصوص موجودة، والعقوبات رادعة، والإجراءات واضحة. لكن القانون يبقى حبراً على ورق ما لم يتم تفعيله بشجاعة الضحية في كسر جدار الصمت والإبلاغ. إن التوجه إلى الجهات المختصة ليس مجرد حق، بل هو واجب تجاه النفس لحمايتها، وواجب تجاه المجتمع للمساهمة في بناء بيئة آمنة للجميع. تذكري دائماً أن طلب الحماية القانونية هو خطوة نحو استعادة الكرامة والأمان، وليس سبباً للخجل أو الخوف.
المصادر والمراجع
- الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم، لا سيما بالقانون رقم 15-19 المؤرخ في 30 ديسمبر 2015.
- الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
- الموقع الرسمي لوزارة العدل الجزائرية.




