حماية المجتمعات من السحر الضار بضوابط التعامل الشرعي

إن من أعظم الابتلاءات التي قد تواجه المسلم في دينه ونفسه وأهله، هي تلك الشرور الخفية التي تعمل في الظلام، وعلى رأسها السحر الذي يُعد من كبائر الذنوب والموبقات السبع. في عصر طغت فيه المادية، وتلاشت فيه الحدود بين الحقيقة والخرافة، أصبح الحديث عن السحر إما ضربًا من التهويل المبالغ فيه، أو الإنكار الساذج الذي يتجاهل نصوصًا قطعية من الكتاب والسنة. هذا التذبذب بين الإفراط والتفريط ولّد فوضى عقدية وسلوكية، ففتح الباب للمشعوذين والدجالين من جهة، وأغلق باب التحصين والرقية الشرعية من جهة أخرى. لذا، يأتي هذا الدليل المرجعي ليؤسس لفهم شرعي متوازن، ومنهج عملي واضح، مستمد من هدي القرآن والسنة وفهم سلف الأمة، ليكون حصنًا للمسلم، ومنارة للمجتمع، في مواجهة هذا الشر المستطير.
ما هو السحر؟ التعريف الشرعي والمفهومي
قبل الخوض في الأحكام والضوابط، لا بد من تحرير مصطلح “السحر” وبيان حقيقته، لتمييزه عما يشتبه به من خفة اليد أو الكرامة أو غيرها. فالفهم الدقيق هو أساس التعامل الصحيح.
1. المعنى اللغوي
السحر في لغة العرب يطلق على “كل ما خَفِيَ ولَطُفَ سببه”. ومنه سُمّي السَّحَر (آخر الليل) لخفائه، والرئة “سَحْرًا” لموقعها الخفي في الجسد. فمدار المعنى اللغوي على الخفاء والتمويه والصرف عن حقيقة الشيء.
2. المعنى الاصطلاحي (الشرعي)
في الاصطلاح الشرعي، السحر هو “عُقَدٌ ورُقَى وكلامٌ يُتَكلَّم به، أو يُكتب، أو يُعمَل شيءٌ يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له”. ويتم ذلك بالاستعانة بالشياطين والتقرب إليهم بما يحبون من صور الكفر والشرك، ليقوموا بخدمة الساحر في إيذاء الخلق.
وقد فرّق العلماء بينه وبين الكرامة التي يجريها الله على أيدي أوليائه الصالحين، فالكرامة لا تأتي بتعلم أو كسب، وسببها طاعة الله، بينما السحر يُكتسب بالتعلم، وسببه معصية الله والتقرب للشياطين.
الأدلة القاطعة من القرآن والسنة على حقيقة السحر
أهل السنة والجماعة مجمعون على أن للسحر حقيقة وتأثيرًا بإذن الله الكوني القدري، خلافًا لبعض الفرق كالمعتزلة الذين أنكروا حقيقته. وأدلة وجوده وتأثيره قطعية لا مجال لإنكارها.
1. الأدلة من القرآن الكريم
الآية المحورية في هذا الباب هي قول الله تعالى في سورة البقرة:
“وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ”.
– (البقرة: 102) (تفسير السعدي)
هذه الآية الكريمة تؤسس لأصول عقدية هامة: أن تعليم السحر كفر، وأنه من تعليم الشياطين، وأن له تأثيرًا حقيقيًا كالتفريق بين الزوجين، وأن هذا التأثير لا يقع إلا بإذن الله الكوني، لا الشرعي.
2. الأدلة من السنة النبوية المطهرة
الحديث الأبرز هو حديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم، والذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وفيه أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي ﷺ، حتى كان يُخيَّل إليه أنه يأتي الشيء وهو لا يأتيه، فدعا الله ودعا، ثم أتاه ملكان فأخبراه بمكان السحر، فأرسل من استخرجه وأبطله. (متفق عليه).
هذا الحديث الصحيح دليل قاطع على حقيقة السحر وتأثيره، وفيه بيان للمنهج النبوي في العلاج: اللجوء إلى الله بالدعاء، والأخذ بالأسباب المادية كالبحث عن مادة السحر وإتلافها. يمكنك قراءة شرح الحديث وفوائده لمزيد من التفصيل.
حكم السحر وأقوال العلماء فيه
أجمع علماء المسلمين على حرمة تعلم السحر وتعليمه والعمل به، واختلفوا في تكفير فاعله.
- حكم تعلمه وفعله: يعد من كبائر الذنوب والموبقات السبع لقوله ﷺ: “اجتنبوا السبع الموبقات… وذكر منها: الشرك بالله، والسحر”. (متفق عليه).
- حكم الساحر: ذهب جمهور العلماء من المالكية والحنابلة وأبي حنيفة إلى أن الساحر كافر ويُقتل حدًا. وذهب الإمام الشافعي إلى التفصيل، فإن كان في سحره ما يقتضي الكفر (كعبادة الكواكب أو إهانة المصحف) كفر وقُتل ردة، وإلا فيُعزر تعزيرًا بليغًا.
قال الإمام ابن قدامة في “المغني”: “تعلم السحر وتعليمه حرام، لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم”.
المنهج الشرعي المتكامل: وقاية وعلاج
لم يترك الإسلام المسلم عرضة لهذا الشر دون أن يضع له منهجًا متكاملًا يجمع بين الوقاية الاستباقية (التحصين) والعلاج بعد وقوع البلاء.
أولًا: الحصن الوقائي (التحصين الشرعي)
الوقاية خير من العلاج، وأعظم حصن للمسلم هو قوة صلته بالله وتوحيده.
- تحقيق التوحيد: فكلما امتلأ القلب توحيدًا وتعظيمًا لله، كان أبعد عن تأثير الشياطين والسحرة.
- المحافظة على الصلوات الخمس جماعة: فهي صلة بين العبد وربه وحرز من الشيطان.
- أذكار الصباح والمساء: هي الدرع الحصين للمسلم، ومن واظب عليها بصدق ويقين كان في حرز من الله.
- آية الكرسي: قراءتها دبر كل صلاة، وعند النوم، تحفظ العبد من الشيطان حتى يصبح أو يمسي.
- المعوذتان (سورة الفلق والناس): قال عنهما النبي ﷺ: “ما سأل سائل بمثلهما، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما”.
- قول “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير” مائة مرة في اليوم.
نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية
إن أعظم سلاح يمتلكه المؤمن ليس الرقى والأدعية المجردة، بل القلب الممتلئ باليقين والتوكل على الله. فاجعل علاقتك بالله هي خط دفاعك الأول، فالشيطان أضعف من أن يضر عبدًا احتمى بالله حقًا.
ثانيًا: العلاج الشرعي (الرقية الشرعية)
إذا وقع البلاء، فالمنهج الشرعي للعلاج واضح وبعيد كل البعد عن الدجل والشعوذة.
- الرقية الشرعية: وهي التعويذ بكلام الله وأسمائه وصفاته، وبالأدعية النبوية المأثورة. وشروطها ثلاثة: أن تكون بكلام الله أو أسمائه وصفاته، وأن تكون باللسان العربي أو بما يُعرف معناه، وأن يُعتقد أنها لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى.
- الأدعية المأثورة: كدعاء النبي ﷺ: “اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا”.
- استخراج مادة السحر وإتلافها: كما فعل النبي ﷺ، وهذا يتطلب الاستعانة بالله والدعاء لكشف مكانها.
- الأدوية المباحة: كاستخدام السدر والعسل والحبة السوداء وغيرها مما ثبت نفعه في الطب النبوي أو الطب الحديث.
أخطاء شائعة في التطبيق
- الذهاب إلى السحرة والمشعوذين: وهو من أكبر الكبائر، وقد قال ﷺ: “من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد”.
- حل السحر بسحر مثله (النُّشْرَة): وهو محرم شرعًا ويعتبر من عمل الشيطان.
- تعليق التمائم والحجب: إذا كانت من غير القرآن والأدعية المشروعة فهي شرك، وإن كانت من القرآن فالصحيح تركها سدًا للذريعة.
الآثار الإيمانية والسلوكية على الفرد والمجتمع
إن التعامل مع قضية السحر وفق الضوابط الشرعية له آثار عميقة تتجاوز مجرد الشفاء الجسدي.
- على الفرد: يزيد من يقينه بالله وتوكله عليه، ويعلّمه اللجوء إلى الله في الشدائد، ويميز له الخبيث من الطيب، ويقوي صلته بالقرآن والأذكار.
- على الأسرة: يحفظ البيوت من التفكك والنزاعات التي يسببها السحر، ويؤسس لبيئة إيمانية قائمة على التحصين الجماعي.
- على المجتمع: يقطع الطريق على الدجالين والمشعوذين الذين يفسدون عقائد الناس ويستنزفون أموالهم، ويحارب الخرافة والجهل، وينشر الوعي الشرعي الصحيح.
سؤال وجواب (تصحيح مفهوم خاطئ)
السؤال: هل يمكن أن يُصاب المؤمن التقي بالسحر؟
الجواب: نعم، فالسحر وغيره من الأمراض والابتلاءات قد تصيب أي إنسان، تقيًا كان أو فاجرًا، فهي من أقدار الله الكونية التي تجري على الجميع. وقد أُصيب بها النبي ﷺ وهو خير خلق الله. ولكن الفرق أن المؤمن يصبر ويحتسب ويلجأ إلى العلاج الشرعي، فيكون البلاء رفعة لدرجاته وتكفيرًا لسيئاته، بينما غيره يجزع ويتسخط ويلجأ إلى الشرك، فيخسر دنياه وآخرته.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
1. ما الفرق بين السحر والعين والحسد؟
السحر: فعل يقوم به الساحر بالاستعانة بالشياطين لإيذاء شخص معين. العين: تأثير ناتج عن نظرة إعجاب من شخص “عائن” (ليس بالضرورة حاسدًا) دون أن يبارك، فتؤذي المعيون. الحسد: تمني زوال النعمة عن الغير، وهو أعم من العين، فكل عائن حاسد وليس كل حاسد عائنًا.
2. كيف أعرف أني مصاب بالسحر؟
هناك أعراض مشتركة قد تدل على السحر كالصداع الشديد، والنفور المفاجئ من العبادة أو الزوج، والأحلام المزعجة المتكررة، والآلام المتنقلة في الجسد. لكن يجب الحذر من الوسواس، والتشخيص الدقيق يكون بعرض النفس على راقٍ شرعي ثقة، وليس بمجرد الشكوك والأوهام.
3. هل يجوز أخذ أجر على الرقية الشرعية؟
نعم، يجوز أخذ الأجرة على الرقية الشرعية على القول الراجح، ودليل ذلك حديث الصحابة الذين رقوا سيد القوم الذي لُدغ بالفاتحة وأخذوا على ذلك قطيعًا من الغنم، فأقرهم النبي ﷺ.
4. هل ما يسمى “السحر الأبيض” حلال؟
لا يوجد في الإسلام ما يسمى “سحرًا أبيض” أو “سحرًا أسود”. كل أنواع السحر التي تتم بالاستعانة بالجن والشياطين هي محرمة ومن كبائر الذنوب، وتسميتها بالبيضاء هو مجرد تلبيس من الشيطان لتزيين الباطل.
5. هل للجن والشياطين دور حقيقي في السحر؟
نعم، بل هم الركن الأساسي الذي يعتمد عليه الساحر في تنفيذ سحره. فالساحر يتقرب إلى الشياطين بالكفر والفسق، فتقوم الشياطين بخدمته في إيذاء الناس تحقيقًا لأهدافها في إضلال بني آدم وإيقاع العداوة بينهم.
خاتمة: التوحيد هو الحصن المنيع
في نهاية المطاف، قضية السحر ليست مجرد طقوس غامضة، بل هي في جوهرها معركة عقدية بين التوحيد والشرك، بين الاستعانة بالله والاستعانة بالشيطان. إن المنهج الإسلامي في التعامل مع هذا البلاء لا يقتصر على وصفات علاجية، بل هو إعادة بناء لعلاقة العبد بربه، وتعميق للتوكل واليقين، وتحصين للنفس والمجتمع بذكر الله وتوحيده. فمن كان الله معه، فمن ذا الذي يضره؟ ومن كان الله عليه، فمن ذا الذي ينصره؟
إن الفهم العميق لهذه الضوابط الشرعية هو سبيل النجاة وحماية المجتمعات من الفساد العقدي والسلوكي الذي ينشره السحرة والمشعوذون. للمزيد من المقالات الإسلامية الموثوقة التي تبني وعيًا صحيحًا، ندعوكم لتصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد.
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.




