استفد من البرامج الدينية في التلفزيون والراديو لتحسين وعيك الديني والروحاني

في خضم تسارع وتيرة الحياة المعاصرة وكثرة المشاغل، يجد المسلم نفسه غارقًا في بحر من المدخلات الإعلامية التي تتنازع اهتمامه ووقته. وبينما أصبحت الشاشات والهواتف جزءًا لا يتجزأ من واقعنا، برزت البرامج الدينية في التلفزيون والراديو كوسيلة متاحة وسهلة للوصول إلى المعرفة الشرعية والتوجيه الإيماني. لكن هذا اليسر في الوصول للمعرفة تحول عند البعض إلى حالة من التلقي السلبي أو السطحي، وأصبح يُنظر إليه كبديل كامل عن طلب العلم المنهجي، مما أفرز مفاهيم مغلوطة وأحيانًا خطيرة. إن الاستفادة الحقيقية من هذا الإعلام الديني ليست مجرد استماع عابر، بل هي عملية واعية تتطلب فقهًا وبصيرة، لتحويل هذه الوسائل من مجرد أداة للتسلية إلى منبر علمي ونافذة روحانية تعين المسلم على فهم دينه وتزكية نفسه.
مفهوم التلقي الإعلامي للعلم الشرعي: بين الحقيقة والتصور الشائع
إن فهمنا لكيفية الاستفادة من البرامج الدينية يبدأ من تصحيح المفهوم نفسه. فهو ليس مجرد مشاهدة أو استماع، بل هو عملية معرفية وتربوية لها أبعادها الشرعية والمنهجية.
1. المعنى اللغوي والاصطلاحي
لغويًا، “التلقي” هو الأخذ والقبول، و”الإعلامي” نسبة إلى الإعلام وهو نشر الأخبار والمعلومات. أما اصطلاحًا في سياقنا هذا، فيُقصد به: “عملية اكتساب المسلم للمعرفة الشرعية، والقيم الإيمانية، والتوجيهات السلوكية عبر متابعة محتوى ديني متخصص يُقدَّم من خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة (التلفزيون والراديو)”. هذا التعريف يخرج المتابعة العابرة ويُدخل قصد التعلّم والانتفاع.
2. الفرق بين المفهوم الصحيح والتصور الشائع
التصور الشائع لدى الكثيرين هو أن مشاهدة برنامج ديني هي غاية في حد ذاتها، وأنها تغني عن القراءة والبحث وحضور مجالس العلم. أما المفهوم الصحيح، فهو أن هذه البرامج هي وسيلة معينة ومساعدة على طلب العلم، وليست مصدره الوحيد أو النهائي. هي بمثابة مفاتيح للعلوم، ومحفزات على البحث، وتذكير بالأساسيات، ولكنها لا تبني طالب علم متأصلًا بمفردها.
الأصل الشرعي لمتابعة العلم والتذكير عبر الوسائل المتاحة
لم تكن وسائل الإعلام الحديثة موجودة في زمن النبوة، ولكن الشريعة الإسلامية جاءت بقواعد ومبادئ عامة يمكن من خلالها تأصيل هذه الممارسة وبيان مشروعيتها وضوابطها.
1. الأدلة من القرآن الكريم
حث القرآن الكريم على طلب العلم وسؤال أهله، وهذه البرامج هي إحدى صور سؤال أهل الذكر المتاحة في عصرنا. قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النحل: 43). كما أمر بالاستماع للخير والإنصات له، فقال سبحانه: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: 204)، ويُقاس على ذلك الاستماع للعلم النافع الذي هو شرح للقرآن والسنة.
2. الأدلة من السنة النبوية المطهرة
جاءت السنة النبوية بالحث على تبليغ العلم بكل وسيلة ممكنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً” (رواه البخاري). والإعلام الديني اليوم هو من أقوى وسائل التبليغ. كما بين النبي فضل مجالس العلم والذكر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ” (رواه مسلم). والبرامج الدينية الموثوقة يمكن أن تكون بمثابة مجالس علم وذكر افتراضية تصل إلى بيوت ملايين المسلمين، فيُنال بها أجر وثواب عظيم إن صلحت النية وحسن العمل. للاطلاع على تخريج الحديث وشرحه، يمكنكم زيارة موقع الدرر السنية.
فهم العلماء المعاصرين وضوابط التلقي عبر الإعلام
نظر العلماء المعاصرون إلى وسائل الإعلام كسلاح ذي حدين، فأكدوا على أهمية الاستفادة منها مع وضع ضوابط صارمة تضمن سلامة المنهج وصحة المعلومة.
أكدت فتاوى كبار العلماء، مثل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، على جواز، بل واستحباب، الاستفادة من البرامج الدينية النافعة، ولكنها شددت على وجوب التثبت من علم وعدالة وموثوقية مقدمي هذه البرامج. فليس كل من ظهر على الشاشة أو تحدث في الإذاعة مؤهلاً للتعليم والفتوى. المصدر الرئيسي للعلم يجب أن يكون العلماء الربانيين المعروفين بسلامة العقيدة ورسوخ العلم والالتزام بمنهج السلف الصالح.
ومن أهم الضوابط التي ذكرها أهل العلم:
- التثبت من هوية المتحدث: يجب التأكد من أن مقدم البرنامج عالم معتبر أو طالب علم موثوق، وليس مجرد قاصٍّ أو إعلامي.
- سلامة المنهج والعقيدة: الحرص على متابعة البرامج التي تعرض العقيدة الصحيحة ومنهج أهل السنة والجماعة.
- عدم الاكتفاء بها كمصدر وحيد: يجب أن تكون هذه البرامج مكملة لطلب العلم المنهجي، لا بديلاً عنه.
- الحذر من برامج الجدل والمراء: تجنب البرامج التي تثير الشبهات والخلافات العقدية أو الفقهية الشاذة دون تقديم أساس علمي متين.
للاطلاع على المزيد من المحتوى الإسلامي الموثوق، ندعوكم لتصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد.
التطبيق العملي: كيف تحوّل المشاهدة إلى عبادة ومنفعة؟
لتحقيق أقصى استفادة من هذه البرامج، يجب على المسلم أن ينتقل من دور المتلقي السلبي إلى دور المتعلم النشط.
1. خطوات لمتابعة فعالة ومثمرة
- حدد هدفك: لا تشاهد بشكل عشوائي. اختر برنامجًا في مجال تحتاج إلى تقوية نفسك فيه (عقيدة، فقه، سيرة، تزكية).
- اختر البرنامج بعناية: ابحث عن البرامج التي يقدمها علماء موثوقون، والتي تتميز بالعمق العلمي والبعد عن الإثارة.
- هيئ جوًا تعليميًا: اجلس جلسة المتعلم، جهّز دفترًا وقلمًا لتدوين الفوائد والنقاط المهمة.
- تفاعل مع المحتوى: لا تستمع فقط، بل فكّر فيما يُقال. اربط المعلومات بواقعك وحاول تطبيقها.
- راجع ما تعلمته: خصص وقتًا لمراجعة ما دونته. يمكنك مناقشة الفوائد مع أفراد أسرتك لترسيخها.
نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية
اجعل نيتك عند مشاهدة برنامج ديني هي “طلب العلم” و”حضور مجلس ذكر”. بهذه النية، يتحول وقتك أمام الشاشة من مجرد عادة إلى عبادة تؤجر عليها، وتُفتح لك أبواب الفهم والبركة. استشعر أنك في حلقة علم، وأن الملائكة تحفّك، وأن الله يذكرك فيمن عنده.
2. أخطاء شائعة يجب تجنبها
- أخذ الفتاوى مباشرة من برامج الاتصالات: هذه الفتاوى غالبًا ما تكون مبنية على سماع طرف واحد وقد لا تكون دقيقة. الأمور المصيرية تحتاج إلى استشارة مباشرة من عالم.
- التعصب لمقدم برنامج معين: الحق لا يُعرف بالرجال، بل الرجال يُعرفون بالحق. لا تقدس شخصًا، بل اتبع الدليل.
- الاغترار بالأسلوب والخطابة: قد يكون المتحدث بليغًا ومؤثرًا، ولكن العبرة بصحة المعلومة وموافقتها للكتاب والسنة، لا بجمال العبارة.
– الإهمال التام لمصادر العلم الأخرى: كقراءة كتب أهل العلم الموثوقين، وسؤال العلماء مباشرة.
الآثار الإيمانية والسلوكية للمتابعة الواعية
عندما تُحسن الاستفادة من الإعلام الديني، فإن آثاره الإيجابية تتجاوز مجرد اكتساب المعلومات لتنعكس على حياة الفرد والأسرة والمجتمع.
- على مستوى الفرد: زيادة الإيمان والخشية من الله، تصحيح العبادات والمعاملات، الشعور بالسكينة والطمأنينة، واكتساب بصيرة في مواجهة فتن وشبهات العصر.
- على مستوى الأسرة: توفير بيئة إيمانية في المنزل، فتح قنوات للحوار الديني البنّاء بين أفرادها، وغرس القيم الإسلامية في نفوس الأبناء بطريقة محببة.
- على مستوى المجتمع: الإسهام في نشر الوعي الشرعي الصحيح، محاربة البدع والخرافات، وتعزيز الأخلاق الإسلامية العامة.
الانحرافات والمفاهيم الخاطئة في التلقي الإعلامي
كما أن لهذه الوسائل فوائد، فإن سوء استخدامها يفتح بابًا للعديد من الانحرافات التي يجب على المسلم أن يكون واعيًا بها.
- الغلو والتقديس: ينشأ لدى البعض تعلق مفرط ببعض الدعاة أو مقدمي البرامج، لدرجة قبول كل ما يقولونه دون تمحيص أو تفكير، وهذا مدخل خطير للتعصب المذموم.
- التفريط والتسطيح: التعامل مع المادة الدينية كمادة استهلاكية ترفيهية، والبحث عن البرامج الخفيفة والمسلية فقط، وتجنب المواضيع العلمية العميقة، مما ينتج عنه تدين سطحي هش.
- التلقي من غير المتخصصين: ظهور شخصيات إعلامية أو “دعاة جدد” يقدمون تفسيرات للدين مبنية على أهوائهم أو على رؤى حداثية تتصادم مع ثوابت الشريعة، مما يسبب بلبلة وتشكيكًا.
سؤال وجواب: تصحيح مفهوم خاطئ
السؤال: هل مشاهدة برنامج فقهي على التلفاز تغنيني عن قراءة كتب الفقه وسؤال العلماء؟
الجواب: لا، قطعًا لا تغني. البرنامج التلفزيوني هو مدخل ممتاز ومبسط للفقه، لكنه لا يقدم الصورة الكاملة ولا يعالج التفصيلات الدقيقة والاستثناءات التي تذكر في كتب العلم. هو بمثابة الخطوة الأولى التي تحفزك على القراءة والبحث. الاعتماد الكلي عليه يجعلك “مُقلِّدًا” لمقدم البرنامج، وليس طالب علم يبني فهمه على أسس متينة. يمكنك الاستفادة من مواقع مثل مركز الفتوى بإسلام ويب لطرح أسئلتك الدقيقة على متخصصين.
أسئلة شائعة (FAQ)
ما حكم مشاهدة البرامج الدينية في التلفزيون؟
مشاهدتها للاستفادة والعلم أمر مشروع ومستحب، وهو من أشكال طلب العلم ونشر الخير، بشرط أن يكون المحتوى صحيحًا ومقدمه موثوقًا، وأن لا تلهي عن واجب شرعي آخر.
كيف أفرق بين العالم الموثوق وغيره في وسائل الإعلام؟
العالم الموثوق يُعرف بعلمه الراسخ المشهود له به من قبل أهل العلم الآخرين، وسلامة عقيدته، وورعه، واستدلاله بالكتاب والسنة بفهم السلف، وابتعاده عن الإثارة والآراء الشاذة.
هل الاستماع لبرنامج ديني يعادل أجر حضور مجلس علم في المسجد؟
الأصل أن حضور مجالس العلم في المساجد أعظم أجرًا لما فيه من السعي والمشاركة والتفاعل المباشر. ولكن، من صلحت نيته في المتابعة عبر الإعلام ولم يتمكن من الحضور، يُرجى له أجر عظيم على نيته وحرصه، وقد يدرك أجرًا مشابهًا بفضل الله وسعة رحمته.
ما خطورة أخذ الفتاوى المتعلقة بالطلاق أو الميراث من البرامج التفاعلية؟
هذه المسائل دقيقة ومصيرية وتترتب عليها حقوق وآثار عظيمة. أخذ الفتوى فيها عبر الهاتف أو الرسائل القصيرة دون أن يفهم المفتي تفاصيل القضية كاملة هو أمر خطير جدًا وقد يؤدي إلى نتائج كارثية. هذه القضايا يجب أن تُعرض مباشرة على أهل العلم أو المحاكم الشرعية.
هل يمكن للمرأة، خاصة ربة المنزل، أن تتعلم دينها من هذه البرامج؟
نعم، تعتبر هذه البرامج نافذة علمية عظيمة للمرأة التي قد يصعب عليها الخروج لحضور مجالس العلم بانتظام. يمكنها من خلال المتابعة المنهجية للبرامج الموثوقة أن تتعلم الكثير من أمور دينها الضرورية في العقيدة والعبادات والمعاملات.
ماذا أفعل إذا سمعت معلومة في برنامج ديني تخالف ما أعرفه أو تبدو غريبة؟
الواجب هو التثبت. لا تقبلها مباشرة ولا ترفضها مباشرة. ارجع إلى مصادر العلم الموثوقة الأخرى، ككتب أهل العلم أو المواقع الإسلامية المرجعية، أو اسأل عالمًا تثق في دينه وعلمه للتأكد من صحة المعلومة.
خاتمة: نعمة تستوجب الشكر والفقه
إن وجود البرامج الدينية الموثوقة في متناول أيدينا اليوم هو نعمة عظيمة من الله وتيسير لسبل طلب العلم. ولكن هذه النعمة، كغيرها من النعم، تحتاج إلى شكر، وشكرها لا يكون إلا بحسن استغلالها وفق الضوابط الشرعية. لنحول تعاملنا مع الإعلام الديني من مجرد عادة إلى عبادة، ومن متابعة سلبية إلى تعلم إيجابي، ليكون حجة لنا لا علينا يوم القيامة. فكل ساعة نقضيها في تعلم ديننا هي استثمار في أغلى ما نملك: علاقتنا بالله عز وجل. لمواصلة رحلتكم في طلب العلم والمعرفة، يمكنكم دائمًا متابعة الشؤون الدينية في الجزائر والعالم الإسلامي عبر موقعنا.
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.




