التاريخ والتراث

الجزائر في المصادر العربية القديمة: شواهد تاريخية

الجزائر في المصادر العربية القديمة: شواهد تاريخية ودلالات حضارية

تتمتع الجزائر، أو ما عُرف تاريخياً في الأدبيات الإسلامية والكلاسيكية بـ “المغرب الأوسط”، بمكانة جيواستراتيجية وحضارية بالغة الأهمية جعلتها محوراً أساسياً في كتابات المؤرخين والجغرافيين والرحالة العرب والمسلمين. لم تكن هذه الرقعة الجغرافية الشاسعة مجرد أرض عبور للمسالك التجارية وقوافل الحجيج، بل كانت مهداً لدول مستقلة، وحواضر علمية زاهرة، وقلاع عسكرية حصينة أسهمت في صياغة تاريخ حوض البحر الأبيض المتوسط والعمق الإفريقي.

إن تتبع صورة الجزائر في المصادر العربية القديمة ليس مجرد ترف فكري أو نبش في أوراق الماضي، بل هو عملية تفكيك علمي للمغالطات التاريخية الكولونيالية التي حاولت تصوير الجزائر قبل العهد الحديث على أنها فضاء يعيش في فوضى سياسية وفراغ حضاري. من خلال هذا التحقيق المعمق، نستعرض كيف وثقت أقلام كبار الجغرافيين والمؤرخين العرب مثل اليعقوبي، وابن حوقل، والبكري، والإدريسي، وابن خلدون، المعالم الحضارية، السياسية، والاقتصادية للجزائر عبر العصور الإسلامية المختلفة.

فهرس المقال إخفاء

1. الخلفية التاريخية للمغرب الأوسط (الجزائر) في الفكر الجغرافي العربي

قبل الخوض في تفاصيل الحواضر والمدن، من الضروري فهم الاصطلاح الجغرافي الذي أطلقه العرب على هذه المنطقة. فقد قسّم الجغرافيون المسلمون بلاد المغرب (الممتدة من غرب مصر إلى المحيط الأطلسي) إلى ثلاثة أقسام رئيسية بناءً على التوزيع الجغرافي والسياسي:

  • المغرب الأدنى: ويمتد من طرابلس والغرب الليبي إلى القيروان وإفريقية (تونس الحالية).
  • المغرب الأوسط: ويمثل الجزء الأكبر من الجزائر الحالية، ويمتد تقريباً من نهر ملوية غرباً إلى حدود تونس الحالية شرقاً.
  • المغرب الأقصى: ويمثل أراضي المملكة المغربية الحالية وصولاً إلى المحيط الأطلسي.

هذا التقسيم لم يكن تقسيماً إدارياً تعسفياً، بل فرضته الطبيعة الجغرافية والتضاريسية للمنطقة، بالإضافة إلى الخصائص الإثنوغرافية للقبائل البربرية (الأمازيغية) التي استوطنت هذه الأرض، لاسيما قبائل صنهاجة وزناتة وكتامة. وتشير المصادر إلى أن المغرب الأوسط كان يمثل حلقة الوصل الحيوية والعمود الفقري للتجارة عبر الصحراء الكبرى، وحجر الزاوية في التوازن السياسي والعسكري بين المشرق الإسلامي والأندلس.

“إن المغرب الأوسط هو واسطة عقد بلاد المغرب، به تتصل المسالك، وفيه تتلاقى القبائل، ومنه تخرج الجيوش التي حسمت المعارك الكبرى في تاريخ الإسلام في الشمال الإفريقي والأندلس.”

— من كتابات المؤرخين المحدثين استقراءً للمصادر الوسيطة

خلال الحقبة الاستعمارية (Période coloniale)، حاول المؤرخون الفرنسيون طمس هذه الحقائق للادعاء بأن الهوية الوطنية والكيان السياسي الجزائري هما صنيعة حديثة. إلا أن فحص التراث التوثيقي المكتوب باللغة العربية يكشف بوضوح عن وجود دول منظمة، وجهاز إداري متكامل، وعلاقات دبلوماسية واسعة ربطت حواضر المغرب الأوسط بالعالم الخارجي منذ القرون الأولى للهجرة.

2. شواهد الجغرافيين والرحالة العرب على حواضر الجزائر القديمة

لقد زار بلاد المغرب الأوسط عدد كبير من الرحالة والجغرافيين الذين دونوا مشاهداتهم بدقة متناهية، واصفين المدن من حيث تخطيطها العمراني، أسواقها، مساجدها، وقلاعها العسكرية. فيما يلي تفصيل لأهم هذه الحواضر كما وردت في أمهات الكتب التاريخية:

أ. تاهرت (عاصمة الرستميين): “عراق المغرب” في وصف اليعقوبي وابن الصغير

تعتبر مدينة تاهرت (تقع بالقرب من مدينة تيارت الحالية) واحدة من أعظم الحواضر الإسلامية في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي). تأسست كعاصمة للدولة الرستمية ()، وهي أول دولة إسلامية مستقلة ذات طابع شورى أقيمت في المغرب الأوسط.

وصفها المؤرخ والجغرافي اليعقوبي (ت 284 هـ) في كتابه الشهير “البلدان” بأنها مدينة عظيمة الشأن، تُلقب بـ “عراق المغرب” نظراً لازدهارها الاقتصادي وتنوعها الثقافي والعرابي والفكري. كتب اليعقوبي واصفاً تاهرت:

“وهي مدينة جليلة عظمى، يقال لها عراق المغرب، بها عيون جارية، وبساتين كثيرة، ومزارع واسعة، وأهلها أخلاط من العجم والعرب والبربر من كل بلد، ولها سور وثيق وأبواب حديد.”

كما قدم المؤرخ ابن الصغير (وهو مؤرخ عاصر الدولة الرستمية وكتب كتاباً فريداً عن أئمتها) تفاصيل مذهلة عن التعايش الديني والمذهبي في تاهرت، حيث كان يعيش فيها الإباضية، والسنة، والمعتزلة، والمسيحيون، واليهود في وئام تام، مما يعكس الرقي الحضاري والفكري للمجتمع الجزائري في تلك الحقبة المبكرة.

ب. أشير وقلعة بني حماد: قلاع الحضارة الصنهاجية عند البكري

مع سقوط الدولة الرستمية وظهور الدولة الفاطمية، برزت قبيلة صنهاجة بقيادة زيري بن مناد كقوة سياسية وعسكرية كبرى في المغرب الأوسط. قام زيري بتأسيس مدينة أشير () في جبال التيطري (قرب المدية الحالية)، والتي صُممت لتكون حصناً عسكرياً منيعاً وعاصمة سياسية.

أما المحطة المعمارية الأبرز فكانت تأسيس قلعة بني حماد () على يد حماد بن بلكين بن زيري في شمال محافظة المسيلة الحالية. وقد وصف الجغرافي الأندلسي الكبير أبو عبيد البكري (ت 487 هـ) في كتابه المستفيض “المسالك والممالك” القلعة وعمرانها، مشيراً إلى حصانتها الطبيعية وعلو أسوارها واتساع رقعتها التجارية. وقد أُدرجت هذه القلعة لاحقاً ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي كأحد الشواهد الحية على العمارة الإسلامية المتميزة.

تحدث البكري عن اتساع حركة البناء في القلعة، واحتوائها على قصور فخمة مثل “قصر البحر” و”قصر المنار”، ومساجد جامعة ضخمة كانت تنافس مسجد القيروان في جمالياتها المعمارية، مما يثبت عمق الذاكرة الحضارية والـ (Patrimoine) المعماري الجزائري.

معلومة توثيقية: يُذكر أن منبر جامع قلعة بني حماد الذي صُنع في القرن الحادي عشر الميلادي يُعد تحفة فنية نادرة، وقد نُقلت أجزاء منه إلى متاحف الآثار بعد الاستقلال لتوثيق الفن الزخرفي الأمازيغي الإسلامي.

ج. بجاية (الناصرية): قطب العلم والتجارة العالمية في وصف الإدريسي

في منتصف القرن الخامس الهجري، اتخذ الحماديون من مدينة بجاية عاصمة ثانية لهم وأطلقوا عليها اسم “الناصرية” نسبة إلى الناصر بن علناس. تحولت بجاية بسرعة مذهلة من مجرد ميناء صغير إلى واحدة من أهم منارات العلم والتجارة في البحر الأبيض المتوسط.

الرحالة والجغرافي الفذ الشريف الإدريسي (ت 560 هـ) أفرد في كتابه الموسوعي “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” مساحات واسعة لوصف بجاية، حيث كتب عنها:

“بجاية هي مدينة ساحلية عظيمة، وهي حاضرة المغرب الأوسط وبلاد بني حماد، مرساها من أمن الموانئ وأوسعها، وقصورها عجيبة، وأسواقها حافلة بالسلع من المشرق والمغرب، وإليها تقصد السفن التجارية من جنوة وبيزة والبندقية وبلاد الأندلس.”

ولم يقتصر دور بجاية على الجانب التجاري والاقتصادي فحسب، بل كانت قبلة للعلماء والمفكرين من كل حدب وصوب. زارها ودرس فيها عالم الرياضيات الإيطالي الشهير ليوناردو فيبوناتشي، حيث تعلم فيها الأرقام العربية ونظام الحساب الهندي ونقله إلى أوروبا. كما عاش فيها الفيلسوف الصوفي ابن عربي، والمؤرخ عبد الرحمن بن خلدون الذي تولى فيها مناصب سياسية وقضائية رفيعة.

د. تلمسان: لؤلؤة المغرب الأوسط في كتابات ابن حوقل والمقدسي

تقع تلمسان في الغرب الجزائري، وقد حظيت بنصيب الأسد من الوصف والثناء في كتب الرحالة العرب نظراً لموقعها الاستراتيجي على طرق القوافل المتجهة نحو السودان الغربي (إفريقيا جنوب الصحراء)، والخصوبة الفائقة لأراضيها المحيطة بها.

وصفها الجغرافي ابن حوقل (ت 367 هـ) في كتابه “صورة الأرض” بأنها كانت تجمعاً لعدة مدن متجاورة (مثل أغادير وتقرارت)، وتميزت بأسوارها الحجرية المتينة وكثرة مياهها الجارية وبساتينها المثمرة. كما أشاد بها الجغرافي المقدسي البشاري في كتابه “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم”، واصفاً إياها بأنها “معدن العلم والخيرات وباب التجارة الكبرى”. وفي العهد الزياني (بنو عبد الواد)، تحولت تلمسان إلى عاصمة لدولة قوية صمدت لقرون ونافست الحواضر الأندلسية والمغربية في الفن، والعمارة، والتعليم الزيتوني والقرآني بالمدارس والمساجد العتيقة.

هـ. الجزائر العاصمة (جزائر بني مزغنة): البدايات الأولى في مصادر القرون الوسطى

قبل أن تصبح العاصمة السياسية للبلاد في العهد العثماني، كانت جزائر بني مزغنة مدينة ساحلية صغيرة ولكنها مهمة للغاية. أسسها بلكين بن زيري في منتصف القرن العاشر الميلادي على أنقاض المدينة الرومانية القديمة “إيكوسيوم”.

وقد وصفها الجغرافي البكري بأنها مدينة محمية بخليج طبيعي آمن، تحيط بها مزارع القمح والشعير، وتشتهر بجودة عسلها ووفرة مواشيها، وتسكنها قبيلة بني مزغنة الصنهاجية التي اشتهرت بحسن الضيافة وحماية الملاحة البحرية. هذا التأسيس المبكر يدحض بوضوح المزاعم الكولونيالية التي زعمت أن الجزائر العاصمة لم تكن موجودة قبل وصول العثمانيين أو الاحتلال الفرنسي.

3. التحليل السوسيو-اقتصادي للجزائر من خلال النصوص القديمة

لا تقتصر أهمية المصادر العربية القديمة على الوصف الجغرافي الصرف، بل تقدم مادة علمية غزيرة لتحليل البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الجزائري في العصر الوسيط. من خلال استقراء هذه النصوص، يمكننا رسم صورة دقيقة للأنشطة الحيوية التي ميزت المغرب الأوسط:

أ. النشاط التجاري وطرق القوافل العابرة للصحراء

كانت مدن مثل ورجلة (ورقلة الحالية) وتفت (توات) وتلمسان تمثل الموانئ البرية للتجارة عبر الصحراء الكبرى. تذكر المصادر أن قوافل ذهب السودان، والملح، والجلود، والتوابل كانت تمر حتماً بهذه المراكز الجزائرية، حيث فرضت الدول المستقلة في المغرب الأوسط نظاماً جمركياً منظماً وحمت المسالك التجارية بالتعاون مع قبائل الطوارق وزناتة. هذا الترابط الاقتصادي يظهر بوضوح في كتابات ابن خلدون الذي فصّل في آليات انتقال السلع ونظام التبادل التجاري.

ب. النظام الزراعي المبتكر: “الفقارات” والسهول الخصبة

ركز الجغرافيون العرب على وصف النظم المائية المتطورة في الجزائر. ففي الشمال، وُصفت سهول متيجة والشلف بأنها سلال غذاء حقيقية تنتج الحبوب والفاكهة بفضل شبكات الري والقنوات المتطورة. أما في الجنوب الواحاتي، فقد وثقت المصادر نظام الفقارة (الفجارة)، وهو ابتكار هندسي فريد لتقسيم المياه الجوفية وتوزيعها بالعدل بين المزارعين في مناطق أدرار وتوات، مما سمح بنشوء حضارة زراعية مستدامة وسط الصحراء القاحلة.

ج. التنوع الديموغرافي والتعايش الثقافي

تؤكد المصادر العربية أن المغرب الأوسط كان فضاءً مفتوحاً ومرحباً بالهجرات البشرية. فقد استقبلت المدن الجزائرية مثل تلمسان وبجاية وتاهرت آلاف العائلات الأندلسية الفارة من حروب الاسترداد في الأندلس، وجلبت معها فنون العمارة، والموسيقى، وتقنيات الفلاحة المتطورة. كما عاش اليهود والمسيحيون كعناصر فاعلة في التجارة والصناعة التقليدية داخل هذه المدن دون تضييق، وهو ما وثقته وثائق “الجنيزة القاهرية” والرسائل الفقهية لعلماء المغرب الأوسط.

4. التراث والآثار المادية الموثقة في المصادر العربية

تتوافق الشواهد الأثرية المادية الموجودة اليوم في الجزائر بشكل مذهل مع الأوصاف التي خطتها أيدي المؤرخين القدامى. إن زيارة هذه المعالم اليوم تتيح لنا مقارنة النصوص بالواقع الملموس:

  • جامع تلمسان الكبير: بُني في عهد المرابطين ()، ويُعد واحداً من أجمل المعالم الدينية المتبقية، حيث تطابق زخارف محرابه الجصية وثرياه النحاسية الضخمة الأوصاف التاريخية التي ذكرها المؤرخ الأندلسي ابن أبي زرع في كتابه “الروض القرطاس”.
  • القصور والمخازن الجماعية (القصر أو الدشرة): تنتشر في الأوراس وجبال عمور والجنوب الجزائري، وهي حصون جماعية لتخزين الحبوب والممتلكات، وثقت النصوص العربية دورها التنظيمي والاجتماعي كرمز للتكافل القبلي والاستقرار والاستقلال الاقتصادي.
  • الزوايا ومدارس التعليم العتيق: مثل زوايا منطقة القبائل وزوايا الهقار والجنوب، التي لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية وحماية المخطوطات والوثائق التاريخية من التدمير الاستعماري.

5. تصحيح المفاهيم المغلوطة: ردود علمية على الروايات الاستعمارية

من أهم الفوائد المنهجية لدراسة “الجزائر في المصادر العربية القديمة” هي القدرة على نقض الدعاية الاستعمارية التي رافقت الغزو الفرنسي عام . فقد ادعى المستشرقون والجنرالات الفرنسيون أن الجزائر كانت مجرد إقليم خاضع للقرصنة والتبعية العثمانية دون جذور حضارية أقدم.

بالمقابل، نجد أن نصوص ابن خلدون، والبكري، والشريف الإدريسي تقدم أدلة قاطعة على:

  1. وجود كيانات سياسية مستمرة: منذ الدولة الرستمية، مروراً بالحمادية، والزيانية، وصولاً إلى النظام الإداري في العهد العثماني، كانت هناك دائماً سلطة مركزية تمارس السيادة، وتجبي الضرائب، وتصك العملة باسمها.
  2. السيادة والحدود الجغرافية: كانت حدود المغرب الأوسط (الجزائر الحالية) واضحة المعالم في أذهان الجغرافيين، الذين استخدموا تعابير دقيقة لوصف الثغور والحدود الفاصلة مع جيرانها شرعاً وقانوناً.
  3. التطور العلمي والأكاديمي المتصل: لم تكن البلاد تعيش في جهل وتخلف، بل كانت بجاية وتلمسان تضاهيان القيروان وفاس وقرطبة في الحركة الفكرية والتعليمية.

6. جدول زمني لأهم المحطات التاريخية والمصادر التي وثقتها

يوضح الجدول التالي التسلسل الزمني لأبرز الدول الحاكمة في الجزائر (المغرب الأوسط) والمصادر العربية الأساسية التي أرخت لتلك الفترات:

الفترة التاريخيةالدولة الحاكمةأبرز الحواضر والمراكزالمصادر التاريخية والجغرافية المرجعية
الدولة الرستميةتاهرتأخبار الأئمة الرستميين لابن الصغير، البلدان لليعقوبي.
الفاطميون والصنهاجيونأشير، جزائر بني مزغنةصورة الأرض لابن حوقل، المسالك والممالك للبكري.
الدولة الحماديةقلعة بني حماد، بجايةنزهة المشتاق للإدريسي، كتاب العبر لابن خلدون.
الدولة الزيانيةتلمسانبغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد لابن الأحمر.

7. خطوات عملية للباحثين والمهتمين بالتراث والتاريخ الجزائري

لكل من يرغب في التعمق في دراسة هذا الإرث والبحث في المخطوطات والآثار التاريخية للجزائر، نقترح الخطوات العملية التالية:

أ. دليل زيارة المعالم الأثرية التاريخية

  • زيارة قلعة بني حماد: تقع في بلدية المعاضيد بالمسيلة، ويُنصح بالاستعانة بمرشد محلي لفهم طبيعة توزيع القصور وصحن الجامع الكبير.
  • استكشاف المعالم الزيانية في تلمسان: زر صومعة المنصورة، ومسجد سيدي بومدين، وقصر المشور للوقوف على دقة الهندسة المعمارية الموصوفة في ثنايا الكتب الأندلسية.
  • متحف الآثار القديمة والإسلامية بالعاصمة: يضم مجموعة ضخمة من اللقى الأثرية والعملات والنقوش الموثقة للحقبة الوسيطة في المغرب الأوسط.

ب. منهجية البحث في المخطوطات والوثائق الرقمية

  • استعن بـ المكتبة الوطنية الجزائرية (الحامة) التي تتوفر على قسم خاص بالمخطوطات النادرة والكتب الرقمية المتعلقة بالمغرب الأوسط.
  • راجع قواعد البيانات الرقمية والمواقع الأكاديمية مثل بوابة المجلات العلمية الجزائرية (ASJP) للبحث عن الدراسات والتحقيقات الحديثة لمخطوطات الرحالة المسلمين في الجزائر.

ج. حماية التراث من التشويه والاندثار

  • المساهمة في نشر الوعي بالتراث المحلي عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمدونات التاريخية المتخصصة.
  • دعم الجمعيات الثقافية المحلية الناشطة في مجال ترميم البنايات القديمة في القصبات والدشور والقرى التاريخية الأثرية.

8. فقرة تصحيحية: مفاهيم تاريخية مغلوطة حول المغرب الأوسط

تحفل بعض الكتابات التاريخية الحديثة بأخطاء منهجية شائعة نتيجة الاعتماد على مصادر أحادية الجانب أو غير دقيقة. نوضح هنا حقيقة بعض هذه المفاهيم:

المفهوم المغلوط: “أن اسم الجزائر لم يطلق على البلاد إلا في القرن السادس عشر بعد الوجود العثماني.”
الحقيقة التاريخية: إن اسم “الجزائر” مستمد مباشرة من اسم الحاضرة الساحلية “جزائر بني مزغنة” التي وثق البكري وجودها منذ القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وقد توسعت دلالة هذا الاسم جغرافياً وسياسياً بمرور الوقت ليشمل القطر الجزائري بكامله مع تبلور الكيان السياسي الموحد للبلاد.

المفهوم المغلوط: “أن المغرب الأوسط كان يتبع دائماً وبشكل مطلق لسلطة القيروان (المغرب الأدنى) أو مراكش (المغرب الأقصى).”
الحقيقة التاريخية: أثبتت المصادر التاريخية مثل *تاريخ ابن خلدون* استقلالية المغرب الأوسط في معظم فترات التاريخ الإسلامي بفضل دوله القوية (الرستمية، الحمادية، الزيانية) التي دافعت عن استقلالها الإقليمي وصاغت سياساتها المستقلة بعيداً عن الهيمنة المشرقية أو المغربية.

9. الأسئلة الشائعة حول الجزائر في المصادر العربية القديمة

س1: ما هو الاسم القديم للجزائر في كتب الجغرافيين العرب؟

ج1: عُرفت أراضي الجزائر الحالية في معظم المصادر العربية والمسلمة باسم “المغرب الأوسط”، بينما كانت تُسمى عاصمتها الحالية بـ “جزائر بني مزغنة”.

س2: من هو الجغرافي العربي الذي وصف بجاية بأدق التفاصيل؟

ج2: هو الشريف الإدريسي في كتابه الشهير “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”، حيث وصف موانئها، وقلاعها، ونشاطها التجاري والصناعي المميز في عصره.

س3: كيف ساهم ابن خلدون في توثيق تاريخ الجزائر؟

ج3: عاش ابن خلدون فترات طويلة من حياته في حواضر الجزائر مثل بجاية، وتلمسان، وبسكرة، وكتب جزءاً كبيراً من مقدمته الشهيرة وتاريخه “كتاب العبر” في قلعة بني سلامة (بمحافظة تيارت الحالية)، موثقاً الأنساب البربرية، والتحولات الاجتماعية والسياسية لقبائل المغرب الأوسط.

س4: هل تطرقت المصادر القديمة إلى الأوضاع الاقتصادية للصحراء الجزائرية؟

ج4: نعم، وصفت مصادر مثل كتابات ابن حوقل والبكري بالتفصيل واحات ورقلة، وتوات، ووادي ريغ كشرايين حيوية لتجارة الذهب والملح والقوافل العابرة للصحراء الكبرى، ونظم الري المتطورة فيها.

خاتمة ودعوة للتأمل

في الختام، يظهر جلياً أن الجزائر لم تكن يوماً على هامش التاريخ، بل كانت دائماً في قلبه ومركزه. إن ما دونته أقلام المؤرخين والجغرافيين العرب والمسلمين يمثل شهادة براءة أبدية للهوية الوطنية والسياسية للجزائر ضد محاولات الطمس والتشويه التاريخي. إن قراءة هذه الشواهد بعين فاحصة ومقارنتها بالآثار المادية المتبقية تمنح الأجيال الحالية والباحثين سنداً متيناً للفخر بعبقرية المكان والإنسان الجزائري عبر مختلف العصور.

اكتشف المزيد من قصص تاريخ الجزائر وتراثها العريق من خلال تصفح قسم التاريخ في أخبار الجزائر.

شاركنا رأيك: ما هو المعلم التاريخي أو الشخصية الجزائرية التي تود أن نغطيها بالبحث والتحليل في مقالاتنا القادمة؟

إذا أعجبك هذا المقال الموثق، لا تتردد في مشاركته مع أصدقائك وزملائك المهتمين بالتاريخ والتراث الجزائري لتعميم الفائدة.

المصادر والمراجع

  1. اليعقوبي، أحمد بن إسحاق. كتاب البلدان. دار الكتب العلمية، بيروت.
  2. البكري، أبو عبيد الله بن عبد العزيز. المسالك والممالك. دار الغرب الإسلامي، بيروت.
  3. الإدريسي، الشريف. نزهة المشتاق في اختراق الآفاق. مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة.
  4. ابن خلدون، عبد الرحمن. ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر (كتاب العبر). دار الفكر، بيروت.
  5. ابن حوقل، أبو القاسم محمد. كورة الأرض (صورة الأرض). مطبعة بريل، ليدن.
  6. ابن الصغير. أخبار الأئمة الرستميين. تحقيق وتوثيق محمد ناصر وإبراهيم بحاز، دار الغرب الإسلامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى