القانون والإدارة

إشكالات الترقيم العقاري في الجزائر وأثرها على السوق العقاري

لطالما كان امتلاك عقار حلماً يراود الكثيرين في الجزائر، فهو يمثل أماناً واستقراراً اجتماعياً وملاذاً استثمارياً. لكن هذا الحلم غالباً ما يصطدم بجدار من التعقيدات والإشكالات القانونية والإدارية، لعل أبرزها ما يتعلق بعمليات الترقيم العقاري في الجزائر. فما يبدو على السطح مجرد إجراء روتيني لتسجيل الملكية، يخفي في طياته تحديات عميقة تؤثر ليس فقط على الأفراد، بل على ديناميكية السوق العقاري برمته، وتعيق التنمية الاقتصادية في البلاد. فكيف يمكن للمواطن الجزائري أن يفهم هذه الإشكالات ويتعامل معها؟ وما هو الأثر الحقيقي لهذه التعقيدات على سوق العقار الواعد؟ هذا المقال سيسلط الضوء على الأبعاد القانونية والعملية لهذه المعضلة.

فهرس المقال إخفاء

الإطار القانوني للترقيم العقاري في الجزائر: أسس وتحديات

يُعد نظام الترقيم العقاري حجر الزاوية في حماية الملكية العقارية وتنظيمها. ففي الجزائر، أولى المشرع أهمية بالغة لهذا الجانب من خلال ترسانة قانونية تهدف إلى ضبط الوضع العقاري، وتوثيق الملكيات، وضمان الشفافية في المعاملات. ومع ذلك، لا تزال هناك فجوات وتحديات تعترض تطبيق هذه النصوص.

لمحة تاريخية عن نظام الترقيم العقاري في الجزائر

تاريخياً، شهدت الجزائر أنظمة عقارية متعددة، بدءاً من الملكية العرفية والتقليدية، مروراً بالتأثيرات العثمانية والفرنسية، وصولاً إلى مرحلة ما بعد الاستقلال. وقد أفرز هذا التراكم حالة من التنوع والتعقيد في طبيعة الملكيات العقارية، حيث تباينت طرق إثباتها وتوثيقها. بعد الاستقلال، سعت الدولة الجزائرية إلى توحيد وتحديث هذا النظام، لتبلغ ذروتها في اعتماد نظام السجل العقاري الشامل.

القوانين الأساسية المنظمة للترقيم العقاري

يعتمد نظام الترقيم العقاري في الجزائر على جملة من النصوص التشريعية والتنظيمية التي تشكل الإطار العام لإدارة الملكية العقارية. أبرز هذه النصوص هي:

  • الأمر رقم 75-74 المؤرخ في 12 نوفمبر 1975 المتضمن إعداد مسح الأراضي العام وتأسيس السجل العقاري: هذا الأمر يُعتبر النص المؤسس لنظام الترقيم العقاري في الجزائر. لقد أرسى مبدأ إعداد مسح الأراضي العام وتأسيس السجل العقاري كوثيقة رسمية وحيدة لإثبات الملكية.
  • المرسوم رقم 76-63 المؤرخ في 25 مارس 1976 المتعلق بتأسيس السجل العقاري: يحدد هذا المرسوم كيفية تطبيق الأمر 75-74، ويُفصل في إجراءات المسح العقاري، وطبيعة السجل العقاري، ودور المحافظات العقارية.
  • القانون رقم 90-25 المؤرخ في 18 نوفمبر 1990 المتضمن التوجيه العقاري: جاء هذا القانون لتعزيز الإطار القانوني للعقار، وتوضيح أنظمة الملكية العقارية، وتحديد الإجراءات المتعلقة بالتعمير والتوجيه العمراني.
  • المرسوم التنفيذي رقم 91-122 المؤرخ في 18 أفريل 1991 المحدد لكيفيات تطبيق القانون 90-25: يُفصل هذا المرسوم في إجراءات التوجيه العقاري، ويُعالج قضايا مثل شهادة الحيازة ودورها.

تشكل هذه النصوص الركيزة الأساسية التي تقوم عليها عملية الترقيم العقاري، وتحدد حقوق وواجبات الملاك، وتوضح الإجراءات المتبعة لتوثيق الملكية.

مفهوم وإجراءات الترقيم العقاري: من المسح إلى الدفتر العقاري

لفهم إشكالات الترقيم العقاري في الجزائر، لا بد من استيعاب المفهوم الصحيح لهذه العملية والإجراءات المتبعة فيها، والتي غالباً ما تكون محط التباس أو جهل لدى المواطن العادي.

ما هو الترقيم العقاري؟

الترقيم العقاري هو عملية قانونية وإدارية تهدف إلى إحصاء وتحديد جميع العقارات الموجودة على التراب الوطني، سواء كانت أراضي أو مباني، وتعيين كل عقار برقم مميز. يتبع ذلك تسجيل جميع الحقوق العينية المتعلقة بهذا العقار (ملكية، انتفاع، ارتفاق، رهن…) في وثيقة رسمية تسمى الدفتر العقاري. الهدف الأسمى من الترقيم هو إنشاء سجل عقاري دقيق وشفاف يضمن حماية الملكية العقارية ويساهم في استقرار المعاملات.

مراحل عملية المسح والترقيم

تتم عملية الترقيم العقاري في الجزائر عبر عدة مراحل متسلسلة ودقيقة، تبدأ بالمسح وتنتهي بتسليم الدفتر العقاري:

  1. عملية المسح العقاري: تبدأ بتحديد المناطق التي سيتم مسحها. يتولى فريق من المهندسين المساحين التابعين للوكالة الوطنية للمسح العقاري (ANPC) عملية تحديد قطعة الأرض بدقة، وجمع البيانات المتعلقة بملاكها وظروف حيازتها.
  2. التحقيق العقاري: خلال هذه المرحلة، يتم جمع الوثائق والمستندات التي تثبت الملكية أو الحيازة (عقود بيع، فرائض، شهادات حيازة، أحكام قضائية). يتم استدعاء الملاك أو الحائزين لتقديم وثائقهم وتصريحاتهم.
  3. الإيداع والإشهار: بعد جمع البيانات، يتم إيداع مشروع وثائق المسح العقاري في مقر البلدية المعنية لمدة شهرين. خلال هذه الفترة، يمكن لأي شخص تقديم اعتراض أو ملاحظة حول المعلومات المضمنة في الوثائق.
  4. تأسيس الدفتر العقاري: بعد الفصل في الاعتراضات، يتم إعداد الدفتر العقاري لكل عقار. يُعتبر الدفتر العقاري الوثيقة الرسمية الوحيدة التي تثبت الملكية العقارية، وله قوة ثبوتية مطلقة لا يمكن الطعن فيها إلا بالتزوير.
  5. التسليم: يُسلم الدفتر العقاري للمالك المسجل بعد استكمال جميع الإجراءات.

دور الوكالة الوطنية للمسح العقاري

تعتبر الوكالة الوطنية للمسح العقاري (ANPC) الجهة المحورية في عملية الترقيم. فهي مؤسسة عمومية ذات طابع إداري، مهمتها الرئيسية إعداد مسح الأراضي العام، وحفظ وثائق المسح، والمساهمة في تحديث أنظمة المعلومات العقارية. تعمل الوكالة بالتنسيق مع المحافظات العقارية التابعة لوزارة المالية التي تتولى تسجيل المعاملات العقارية بعد إتمام عملية المسح.

أهمية الدفتر العقاري وشهادة الحيازة

يجب التمييز بوضوح بين وثيقتين مهمتين في النظام العقاري الجزائري:

  • الدفتر العقاري: هو السند الرسمي الذي يثبت الملكية العقارية بصفة نهائية. عند الحصول عليه، يصبح العقار مرقماً ومسجلاً في السجل العقاري، ولا يمكن لأحد أن يدعي ملكيته إلا إذا كان هو المالك المذكور في الدفتر. يضمن الدفتر العقاري الحماية القانونية الكاملة للملكية.
  • شهادة الحيازة: هي وثيقة إثبات حق الحيازة، لا الملكية بصفة نهائية. تمنح للأشخاص الذين يمارسون حيازة هادئة ومستمرة وغير منقطعة للعقار لمدة معينة (غالباً 15 سنة) دون سند ملكية رسمي. تُعد شهادة الحيازة خطوة أولية نحو تسوية الوضعية القانونية للعقار، ويمكن أن تتحول إلى دفتر عقاري بعد استيفاء شروط معينة (مثل عدم وجود معارض أو تقادم الحيازة). لكن يجب التأكيد أن شهادة الحيازة لا ترقى إلى مستوى الدفتر العقاري في القوة الثبوتية للملكية.

إشكالات وتحديات الترقيم العقاري في الجزائر: معوقات التنمية

على الرغم من الأطر القانونية القوية، تواجه عملية الترقيم العقاري في الجزائر العديد من الإشكالات التي تعيق تقدمها وتؤثر سلباً على استقرار السوق العقاري. هذه الإشكالات تتنوع بين ما هو إداري، اجتماعي، وقانوني.

العقارات غير الممسوحة والفوضى العمرانية

لا يزال جزء كبير من التراب الوطني الجزائري غير ممسوح، خاصة في المناطق الريفية وبعض الأحياء الحضرية العشوائية التي نشأت خارج الأطر القانونية. هذا الوضع يخلق ما يُعرف بـ “الفراغ العقاري”، حيث لا يوجد سجل رسمي يحدد ملاك هذه العقارات. هذا يؤدي إلى:

  • صعوبة تحديد الملكية: تنشأ نزاعات عديدة بين الأفراد حول حدود العقارات وملكية الأراضي.
  • الفوضى العمرانية: تشييد المباني دون تراخيص أو احترام لمعايير التعمير، مما يؤثر على التخطيط العمراني والسلامة العامة.
  • السوق العقاري الموازي: ازدهار المعاملات العقارية غير الرسمية (بالعقود العرفية) التي لا توفر أي حماية قانونية للمشترين.

نزاعات الملكية والعقارات المشاعة

تعد نزاعات الملكية من أكبر العوائق أمام الترقيم العقاري. تتجلى هذه النزاعات في:

  • الملكيات المشاعة: وهي العقارات التي يمتلكها عدة شركاء (غالباً ورثة) دون تحديد حصة كل واحد منهم بشكل دقيق ومفرز. هذا الوضع يُصعب أي عملية بيع أو ترقيم، حيث يتطلب موافقة جميع الشركاء، وهو أمر نادر الحدوث.
  • تعدد السندات: وجود عدة وثائق تدعي الملكية لنفس العقار، أو تداخل في الحدود بين العقارات، مما يستلزم تدخلاً قضائياً لحسم النزاع.
  • الحيازة والملكية: الخلط بين الحيازة (السيطرة الفعلية على العقار) والملكية (الحق القانوني). الكثيرون يعتقدون أن حيازتهم الطويلة الأمد كافية لإثبات الملكية، بينما القانون يتطلب إجراءات معينة لتحويل الحيازة إلى ملكية نهائية.

بطء الإجراءات الإدارية ونقص الموارد البشرية

تعاني الإدارة الجزائرية المكلفة بالترقيم العقاري (الوكالة الوطنية للمسح العقاري والمحافظات العقارية) من بطء شديد في معالجة الملفات، ويعود ذلك لعدة أسباب:

  • الإجراءات المعقدة: كثرة الوثائق المطلوبة وتعدد المراحل الإدارية.
  • نقص الموارد البشرية المؤهلة: عدم كفاية عدد المهندسين المساحين والموظفين الإداريين المتخصصين، ونقص التدريب المستمر.
  • عدم الرقمنة الشاملة: الاعتماد المفرط على الأرشيف الورقي يؤدي إلى ضياع الوثائق وبطء البحث عن المعلومات.

ضعف الوعي القانوني لدى المواطنين

يجهل الكثير من المواطنين الجزائريين أهمية الترقيم العقاري والآثار المترتبة على عدم تسجيل عقاراتهم. هذا الجهل يدفعهم إلى:

  • التعامل بالعقود العرفية: التي لا تحمي حقوقهم وتجعلهم عرضة للنصب والاحتيال.
  • تأخير إجراءات التسوية: عدم المبادرة لتسوية وضعية عقاراتهم حتى بعد توفر الفرص القانونية لذلك.
  • الخلط بين المفاهيم: عدم التمييز بين شهادة الحيازة والدفتر العقاري، أو بين الملكية والانتفاع.

تداخل الصلاحيات بين الإدارات

في بعض الأحيان، يحدث تداخل في الصلاحيات بين مختلف الإدارات المعنية بالعقار (الوكالة الوطنية للمسح العقاري، المحافظة العقارية، مصالح أملاك الدولة، مصالح التعمير بالبلديات والولايات)، مما يخلق بيئة من البيروقراطية وتأخر في اتخاذ القرارات، ويُلقي بظلاله على سرعة وفعالية عملية الترقيم.

الأثر المباشر وغير المباشر لإشكالات الترقيم على السوق العقاري

إن المشكلات المتراكمة في الترقيم العقاري في الجزائر لا تبقى حبيسة الأروقة الإدارية أو نزاعات الأفراد، بل تتعداها لتلقي بظلالها على السوق العقاري برمته، مثبطةً الاستثمار ومعيقةً للتنمية الاقتصادية.

تقويض الشفافية والثقة في المعاملات العقارية

يُعد الترقيم العقاري السليم أساس الشفافية في أي سوق عقاري. فغياب الدفتر العقاري أو وجود نزاعات حول الملكية يُفقد المشترين والمستثمرين الثقة، ويجعلهم يترددون في الدخول في معاملات قد تكون محفوفة بالمخاطر. هذا النقص في الشفافية يؤدي إلى:

  • الخوف من النصب والاحتيال: ازدهار شبكات النصب العقاري التي تبيع عقارات لا تملكها، أو بعقود غير موثقة.
  • صعوبة التحقق من صحة الملكية: يُجبر المشترون على إجراء تحقيقات مطولة ومكلفة للتأكد من وضعية العقار، وغالباً ما لا تكون النتائج حاسمة.
  • تأثر السمعة السوقية: ينظر المستثمرون الأجانب والمؤسسات الكبرى إلى سوق العقار الجزائري كبيئة ذات مخاطر عالية بسبب عدم وضوح الوضع العقاري.

التأثير على أسعار العقارات والاستثمار

تؤثر إشكالات الترقيم بشكل مباشر على أسعار العقارات وقدرتها على جذب الاستثمار:

  • تفاوت الأسعار: غالباً ما تكون أسعار العقارات غير المرقّمة (التي لا تحمل دفتر عقاري) أقل بكثير من أسعار العقارات المرقّمة، لكنها تنطوي على مخاطر أعلى بكثير. هذا التفاوت يخلق سوقين للعقار، أحدهما رسمي وآخر غير رسمي.
  • عزوف الاستثمار: المستثمرون، سواء كانوا محليين أو أجانب، يبحثون عن الأمان القانوني لممتلكاتهم. غياب الترقيم العقاري يثنيهم عن الاستثمار في القطاع العقاري، خاصة في المشاريع الكبرى التي تتطلب ضمانات قوية.
  • عرقلة المشاريع التنموية: قد تتأخر أو تلغى مشاريع الإسكان أو البنى التحتية بسبب صعوبة تحديد مالكي الأراضي أو تسوية وضعيتها.

صعوبة الحصول على التمويل البنكي

تُعد البنوك والمؤسسات المالية شريكاً أساسياً في تمويل المشاريع العقارية وشراء المساكن. لكنها تتشدد في شروط منح القروض العقارية عندما يتعلق الأمر بعقارات غير مرقّمة. فالعقار غير المرقّم لا يمكن أن يُقدم كرهن حقيقي للبنك، مما يعني:

  • رفض القروض: ترفض البنوك في معظم الحالات منح قروض لشراء أو بناء عقارات لا تملك دفتراً عقارياً.
  • تقييد القدرة الشرائية: يُجبر الأفراد على الاعتماد على مدخراتهم الشخصية، أو الدخول في قروض بضمانات شخصية أصعب، مما يحد من قدرتهم على امتلاك السكن.
  • تباطؤ حركة السوق: غياب التمويل البنكي يقلل من حجم المعاملات في السوق العقاري، ويُبقي العديد من العقارات خارج دائرة التداول النشط.

تفشي المضاربة والعقارات الوهمية

الفوضى التي يخلقها نقص الترقيم العقاري تُعد بيئة خصبة للمضاربة غير المشروعة وتداول العقارات الوهمية. ففي غياب سجل عقاري دقيق، يمكن للمحتالين استغلال الوضع لبيع عقارات لا وجود لها، أو بيع نفس العقار لعدة أشخاص، مما يخلق إشكالات قانونية واجتماعية عميقة، ويزيد من تعقيد الوضعية، ويعرض حقوق المواطنين للضياع. إن هذه الممارسات لا تضر بالأفراد فحسب، بل تُشوّه صورة السوق العقاري وتعيق جهود التنمية.

جهود الدولة لمواجهة إشكالات الترقيم العقاري: مساعي الإصلاح

إدراكاً منها لحجم إشكالات الترقيم العقاري في الجزائر وتأثيرها على الأمن العقاري والسوق الاقتصادي، بذلت الدولة الجزائرية وما زالت تبذل جهوداً حثيثة لمعالجة هذه التحديات، من خلال برامج تسوية ومشاريع رقمنة تهدف إلى تبسيط الإجراءات وتحديث النظام العقاري.

برامج التسوية العقارية

لمواجهة ظاهرة العقارات غير الممسوحة وتراكم الوضعيات القانونية غير السليمة، أطلقت الدولة الجزائرية عدة برامج لتسوية الوضعية القانونية للعقارات، كان أبرزها:

  • برنامج تسوية البنايات: والذي سمح بتسوية وضعية آلاف البنايات غير المرخصة أو غير المطابقة للمخططات العمرانية، وفق شروط وإجراءات محددة.
  • تسوية وضعية شهادات الحيازة: من خلال تسهيل تحويل شهادات الحيازة إلى دفاتر عقارية في حالة عدم وجود نزاع أو عارض، وذلك بعد مرور المدة القانونية للحيازة.
  • حملات المسح العقاري الموسعة: تواصل الوكالة الوطنية للمسح العقاري جهودها لتغطية المناطق غير الممسوحة، وإنهاء العمليات المعلقة لتوفير قاعدة بيانات عقارية شاملة.

تهدف هذه البرامج إلى إدماج العقارات في المنظومة القانونية الرسمية، ومنح أصحابها الحماية القانونية اللازمة، وتحريك عجلة التداول العقاري. كما تُشكل هذه المبادرات فرصة للمواطنين لتصحيح أوضاعهم العقارية بما يضمن حقوقهم.

الرقمنة وتبسيط الإجراءات

في إطار مساعيها لتحديث الإدارة وتحسين الخدمات العمومية، تولي الجزائر أهمية كبيرة لرقمنة قطاع العقار. هذا التوجه يهدف إلى:

  • إنشاء قواعد بيانات رقمية: تجميع وحفظ معلومات العقارات في أنظمة معلوماتية حديثة، مما يُسرّع من عملية البحث والتحقق ويُقلل من ضياع الوثائق.
  • تبسيط الإجراءات الإدارية: تقليص عدد الوثائق المطلوبة، واختصار آجال معالجة الملفات، وتسهيل الوصول إلى الخدمات العقارية عبر المنصات الإلكترونية.
  • الشفافية ومكافحة الفساد: تساهم الرقمنة في الحد من الممارسات البيروقراطية وتُقلل من فرص التلاعب، مما يعزز الشفافية في التعاملات العقارية.
  • التكوين المستمر: تُركز الجهود أيضاً على تكوين الموارد البشرية وتأهيلها للتعامل مع الأنظمة الجديدة والتقنيات الحديثة في مجال المسح والترقيم العقاري.

إن الرقمنة الشاملة للعملية العقارية، من المسح إلى التسجيل، ستحدث نقلة نوعية في معالجة إشكالات الترقيم العقاري في الجزائر، وستساهم بشكل كبير في بناء سوق عقاري أكثر فاعلية وجاذبية للاستثمار.

مقارنة بين العقار المرقّم والعقار غير المرقّم

لإبراز أهمية الترقيم العقاري، يمكننا إجراء مقارنة سريعة بين العقار الذي تم ترقيمه وله دفتر عقاري، والعقار الذي لا يزال غير مرقّم ويعتمد على شهادة الحيازة أو وثائق عرفية:

الخاصيةالعقار المرقّم (بالدفتر العقاري)العقار غير المرقّم (بشهادة حيازة أو عرفي)
القوة الثبوتية للملكيةقوية جداً ومطلقة، لا يمكن الطعن فيها إلا بالتزوير.ضعيفة، مجرد قرينة بسيطة على الحيازة، وليست دليلاً قاطعاً على الملكية.
التعاملات العقارية (بيع/شراء)سهلة وآمنة، تتم بعقود موثقة ومسجلة في المحافظة العقارية.صعبة ومحفوفة بالمخاطر، غالباً ما تتم بعقود عرفية غير موثقة.
التمويل البنكي والرهنيمكن رهن العقار والحصول على قروض بنكية بضمانه.لا يمكن رهن العقار، وصعوبة بالغة في الحصول على قروض بضمانه.
النزاعات القضائيةنادرة أو سهلة الحسم بفضل الدفتر العقاري.عرضة للنزاعات المتكررة والطويلة، وصعوبة إثبات الملكية.
قيمة السوقأعلى، أكثر جاذبية للمشترين والمستثمرين.أقل، بسبب المخاطر وعدم اليقين القانوني.
الاستقرار القانونيضمان وحماية كاملة للمالك وحقوقه.انعدام الضمان والحماية، والتعرض الدائم لخطر فقدان الملكية.

نصائح قانونية عملية للمواطن الجزائري

بصفتك مواطناً جزائرياً، من الضروري أن تكون على دراية ببعض النصائح القانونية العملية للتعامل مع الوضع العقاري في البلاد، وتجنب الوقوع في إشكالات الترقيم العقاري:

  • التأكد من الوضعية القانونية للعقار قبل الشراء: قبل الإقدام على أي عملية شراء، اطلب من البائع نسخة من الدفتر العقاري للعقار، وتوجه إلى المحافظة العقارية المختصة للاستعلام عن الوضعية القانونية للعقار (ما إذا كان مرهوناً، عليه حجوزات، أو نزاعات).
  • التعامل بالعقود الموثقة فقط: احرص دائماً على إبرام أي عقد يتعلق بالعقار (بيع، شراء، إيجار طويل الأمد) لدى موثق عمومي. العقد الموثق هو وحده الذي يضمن حقوقك ويمكن تسجيله رسمياً.
  • المبادرة إلى الترقيم: إذا كنت تملك عقاراً بشهادة حيازة أو وثائق عرفية، بادر باستكمال إجراءات تحويلها إلى دفتر عقاري فور توفر الشروط والإمكانية، ولا تنتظر حتى وقوع نزاع.
  • توخي الحذر عند التعامل بالعقارات المشاعة: إذا كنت أحد الورثة لعقار مشاع، حاول مع باقي الورثة تسوية الوضعية عن طريق القسمة الرضائية أو القضائية، لتجنب النزاعات المستقبلية.
  • طلب المساعدة القانونية: في حال وجود أي تعقيدات أو نزاعات حول عقارك، لا تتردد في استشارة محامٍ مختص في القانون العقاري الجزائري، فهو الأقدر على توجيهك وتقديم المشورة القانونية السليمة.

تحذير: مفاهيم خاطئة شائعة

هناك العديد من المفاهيم الخاطئة التي يقع فيها الكثير من الجزائريين وتؤدي إلى تعقيد الوضع العقاري لديهم:

  • “شهادة الحيازة مثل الدفتر العقاري”: هذا خطأ فادح. شهادة الحيازة تثبت الحيازة، بينما الدفتر العقاري يثبت الملكية النهائية. الحيازة يمكن أن تتحول إلى ملكية بالتقادم وبشروط محددة، لكنها ليست ملكية بحد ذاتها.
  • “العقد العرفي يحمي حقوقي”: العقد العرفي المبرم بين الأطراف لا يتمتع بأي حماية قانونية إذا لم يتم توثيقه لدى موثق وتسجيله. هو مجرد اتفاق بين طرفين لا يمكن الاحتجاج به على الغير.
  • “العقار الموروث لا يحتاج إلى ترقيم”: العقار الموروث يحتاج إلى إجراءات الفريضة والقسمة والترقيم، وإلا فإنه يبقى ملكية مشاعة، مما يعقد أي تعامل مستقبلي به.
  • “الوثائق القديمة تكفي”: في بعض الأحيان، تكون الوثائق القديمة غير كافية لإثبات الملكية في ظل القوانين الحالية، وقد تتطلب إجراءات تحقيق أو تسوية إضافية.

الأسئلة الشائعة حول الترقيم العقاري في الجزائر

في هذا القسم، نجيب على بعض الأسئلة الحقيقية التي يبحث عنها المواطنون الجزائريون حول إشكالات الترقيم العقاري.

س1: ما الفرق الجوهري بين الدفتر العقاري وشهادة الحيازة؟

ج1: الدفتر العقاري هو السند النهائي والقطعي للملكية العقارية، ويُعد وثيقة رسمية لا تقبل الطعن إلا بالتزوير. بينما شهادة الحيازة هي وثيقة تثبت مجرد حيازة العقار (أي وضع اليد عليه والتصرف فيه)، وهي لا تثبت الملكية بصفة نهائية بل هي خطوة أولية نحو ذلك، ويمكن الطعن فيها وإثبات خلافها. للمزيد حول الفروقات بين السندات القانونية، يمكنك زيارة قسم القوانين على أخبار دز.

س2: ما هي الإجراءات المتبعة لتسوية عقار غير مرقم؟

ج2: تعتمد الإجراءات على طبيعة العقار ووضعيته. إذا كان لديك شهادة حيازة مستوفية للشروط القانونية (خاصة مدة الحيازة الهادئة والمستمرة دون منازع)، فيمكن التقدم بطلب تحويلها إلى دفتر عقاري لدى المحافظة العقارية. أما إذا كان العقار غير ممسوح تماماً، فيجب انتظار عملية المسح العقاري في المنطقة أو البحث عن برامج التسوية التي تطلقها الدولة للتعامل مع هذه الحالات.

س3: هل يمكن بيع أو شراء عقار غير مرقم؟

ج3: من الناحية القانونية الصرفة، لا يمكن بيع أو شراء عقار غير مرقم بصفة صحيحة ونهائية بواسطة عقد موثق ومسجل في المحافظة العقارية. العقارات غير المرقّمة يتم تداولها غالباً بعقود عرفية لا تُعتبر سنداً للملكية ولا توفر الحماية القانونية، وتزيد من إشكالات الترقيم العقاري في الجزائر. لذلك، ينصح بشدة تجنب هذا النوع من المعاملات.

س4: ما هي المخاطر المترتبة على عدم تسجيل العقار في السجل العقاري؟

ج4: أبرز المخاطر تشمل: عدم وجود حماية قانونية لملكيتك، صعوبة الحصول على قروض بنكية بضمان العقار، عدم القدرة على التصرف في العقار ببيع أو رهن بطريقة قانونية وآمنة، التعرض للاحتيال أو المنازعات القضائية، وقد يؤدي ذلك إلى فقدان العقار في نهاية المطاف.

س5: ما هو دور الوكالة الوطنية للمسح العقاري؟

ج5: الوكالة الوطنية للمسح العقاري (ANPC) هي الجهة المكلفة بإعداد مسح الأراضي العام (Cadastre) الذي يحدد بدقة حدود ومساحة كل عقار، وتجميع وثائق المسح. هي الخطوة الأولى والأساسية في عملية الترقيم العقاري، بينما تتولى المحافظات العقارية مهمة تسجيل الحقوق العينية في السجل العقاري بناءً على وثائق المسح.

الخاتمة: نحو سوق عقاري أكثر أمناً وشفافية

في الختام، يتبين لنا أن إشكالات الترقيم العقاري في الجزائر ليست مجرد عراقيل إدارية بسيطة، بل هي تحديات هيكلية لها تداعيات عميقة على استقرار الملكية العقارية، ديناميكية السوق، وجاذبية الاستثمار. إن عدم وضوح الوضعية القانونية للعقارات يفتح الباب أمام النزاعات، ويُضعف الثقة، ويعيق جهود التنمية الاقتصادية الشاملة. ورغم جهود الدولة المتواصلة لمعالجة هذه الإشكالات من خلال برامج التسوية والرقمنة، إلا أن الطريق لا يزال طويلاً ويتطلب تضافر جهود الجميع.

على المواطن الجزائري أن يدرك أن حماية ملكيته تبدأ من فهم القانون والحرص على تطبيق الإجراءات السليمة، وضرورة التوجه نحو الترقيم الرسمي لعقاره، فـ الدفتر العقاري هو السند الوحيد الذي يضمن حماية حقوقه. كما يجب على الجهات المعنية مواصلة العمل على تبسيط الإجراءات، وتوسيع حملات التوعية، وتحديث الأنظمة العقارية لضمان سوق عقاري شفاف، آمن، ومحفز للاستثمار. لا تترك حقوقك رهينة للجهل أو الإهمال، بادر بتسوية وضعيتك العقارية واستشر أهل الاختصاص.

المصادر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى