بناء مشروع دعوي شبابي فعال في الجامعة الجزائرية خطوة بخطوة

إن الجامعة، بكل ما تمثله من صرح علمي ومعرفي، هي ميدان حيوي وحساس تتشكل فيه عقول الشباب وتُصقل فيه هوياتهم. في خضم التيارات الفكرية المتلاطمة والتحديات السلوكية المتزايدة، يبرز فراغ كبير قد لا تملؤه المقررات الدراسية وحدها؛ إنه فراغ الروح والغاية. ومن هنا، يصبح الحديث عن “مشروع دعوي شبابي فعال” ليس ترفاً فكرياً أو عملاً موسمياً، بل ضرورة شرعية وواقعية لحفظ هوية الطالب المسلم، وتحصين فكره، وإيقاد جذوة الإيمان في قلبه. إن إهمال هذا الميدان هو تفريط في أهم قلاع الأمة المستقبلية، فالطالب الذي يتخرج اليوم بعلم دنيوي دون زاد إيماني متين، قد يصبح أداة هدم بدلاً من أن يكون لبنة بناء.
أولاً: المفهوم الشرعي للمشروع الدعوي الجامعي
قبل الانطلاق في أي عمل، لا بد من تأصيله وتوضيح مفهومه ليكون مبنياً على أساس متين من العلم والبصيرة، لا على الحماس العاطفي المجرد.
1. المعنى اللغوي والاصطلاحي
- لغةً: الدعوة من الفعل “دعا يدعو”، وهي النداء والطلب والحث على الشيء.
- اصطلاحاً: المشروع الدعوي الجامعي هو “جهد منظم ومخطط له، يقوم به مجموعة من الطلاب المسلمين، بهدف تبليغ رسالة الإسلام الصافية بالحكمة والموعظة الحسنة، وتربية أنفسهم وغيرهم على مبادئه وأخلاقه، وتحصين البيئة الجامعية من الأفكار والسلوكيات المنحرفة، ابتغاء مرضاة الله تعالى”.
2. الفرق بين المفهوم الصحيح والتصور الشائع
التصور الشائع قد يحصر الدعوة في إلقاء خطبة رنانة أو توزيع مطوية. أما المفهوم الصحيح فهو أشمل وأعمق؛ إنه مشروع متكامل يبدأ من بناء الذات (الداعية القدوة)، ويمر بفهم الواقع (فقه البيئة الجامعية)، وينتهي بتقديم برامج وأنشطة متنوعة ومؤثرة تلبي احتياجات الطلاب وتجيب عن تساؤلاتهم العصرية.
ثانياً: التأصيل الشرعي من القرآن والسنة
العمل الدعوي ليس اجتهاداً بشرياً محضاً، بل هو مهمة الأنبياء والرسل وأتباعهم، وأصله ثابت في نصوص الوحيين.
1. من القرآن الكريم
قوله تعالى هو المنهج والدستور لكل داعية:
{ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}
– سورة النحل، الآية 125. (التفسير)
هذه الآية ترسم خارطة الطريق: فالدعوة تكون بـالحكمة (وضع الشيء في موضعه المناسب)، والموعظة الحسنة (التذكير اللين الذي يرقق القلوب)، والجدال بالتي هي أحسن (الحوار العلمي الهادئ مع المخالف).
2. من السنة النبوية المطهرة
الأحاديث في فضل الدعوة كثيرة، ومنها ما يلامس واقع الشباب بشكل مباشر:
عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ”.
– رواه مسلم. (شرح الحديث)
فكل طالب يهتدي على يديك، وكل سلوك حسن يتعلمه زميلك منك، وكل شبهة تزيلها عن عقل حائر، لك مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء، وهذا من أعظم الاستثمارات الأخروية.
ثالثاً: الخطوات العملية لبناء مشروع دعوي جامعي فعال
الانتقال من التنظير إلى التطبيق يتطلب منهجية واضحة وخطوات عملية مدروسة.
- إخلاص النية وتكوين الفريق المؤسس:
الأساس هو أن يكون العمل خالصاً لوجه الله، لا لسمعة أو رياسة. ابدأ بمجموعة صغيرة (شخصين أو ثلاثة) تشترك معك في الهم والهدف، فالقوة في الجماعة المترابطة لا في الكثرة المتنافرة. - فقه الواقع: تشخيص البيئة الجامعية:
قبل وضع أي خطة، يجب فهم الميدان. ما هي أبرز الشبهات الفكرية المنتشرة (إلحاد، ليبرالية،…إلخ)؟ ما هي أهم المشاكل السلوكية (علاقات محرمة، غش،…إلخ)؟ ما هي اهتمامات الطلاب ونقاط القوة التي يمكن استغلالها؟ - تحديد الأهداف الذكية (SMART Goals):
لا تكتفِ بهدف عام مثل “نشر الإسلام”. حدد أهدافاً دقيقة، قابلة للقياس، قابلة للتحقيق، ذات صلة، ومؤطرة زمنياً. مثال: “تنظيم 3 حلقات نقاشية حول شبهات الإلحاد خلال الفصل الدراسي الأول”، أو “إطلاق حملة توعوية بأخلاقيات المهنة في كلية الهندسة”. - اختيار الوسائل والبرامج الدعوية المناسبة:
التنوع في الوسائل مفتاح الوصول لشرائح مختلفة من الطلاب. من أهمها:- الحلقات العلمية المصغرة: لقراءة كتاب في العقيدة أو السيرة أو تزكية النفس.
- المبادرات الخدمية والخيرية: مثل حملات التبرع بالدم، تنظيف الكلية، مساعدة الطلاب الجدد. هذه تبني جسوراً من الثقة والمحبة.
- استغلال الإعلام الرقمي: إنشاء صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي تقدم محتوى إسلامياً راقياً وموجهاً للشباب (تصاميم، فيديوهات قصيرة، إجابة على الأسئلة).
- المسابقات الثقافية الهادفة: في السيرة النبوية أو القرآن الكريم.
- الدعوة الفردية والقدوة الحسنة: وهي أقوى وسيلة على الإطلاق. كن أنت الطالب المتفوق، الخلوق، الأمين، المتعاون؛ فأخلاقك هي أكبر دعوة.
- التنفيذ والمتابعة والتقويم المستمر:
بعد التخطيط يأتي التنفيذ. من الضروري عقد اجتماعات دورية لتقييم العمل: ما الذي نجح؟ ما الذي فشل؟ لماذا؟ وكيف يمكننا التطوير في المرة القادمة؟
أفضل دعوة هي أن تكون أنت بنفسك “قرآناً يمشي على الأرض”. تفوقك الدراسي، صدقك في التعامل، أمانتك، وحسن خلقك مع الجميع (مسلمين وغير مسلمين)، هي رسالة الإسلام العملية التي يقرؤها الناس فيك قبل أن يسمعوها منك.
رابعاً: الآثار الإيمانية والسلوكية للمشاركة في الدعوة
المشاركة في العمل الدعوي ليست مجرد عطاء للآخرين، بل هي قبل ذلك بناء للذات وصقل للنفس.
- على الفرد: تزيد منسوب الإيمان، وتجبر الطالب على التعلم المستمر للدفاع عن دينه، وتنمي مهاراته الشخصية (القيادة، التواصل، التخطيط)، وتحفظ وقته من الضياع.
- على المجتمع الجامعي: تساهم في خلق بيئة إيجابية نظيفة، وتقلل من مظاهر الانحراف، وتبرز نموذج الطالب المسلم الفاعل والمنضبط، وتكون حصناً منيعاً ضد الأفكار الهدامة.
سؤال وجواب (تصحيح مفهوم)
السؤال: هل العمل الدعوي في الجامعة مقتصر على طلاب العلوم الشرعية أو “الملتزمين” فقط؟
الجواب: هذا فهم خاطئ ومن مداخل الشيطان للتثبيط. الدعوة إلى الله واجب على كل مسلم ومسلمة بحسب علمه وقدرته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً”. طالب الطب يدعو بأخلاقه المهنية، وطالب الهندسة يدعو بإتقانه وأمانته، وكل فرد يمكنه أن يكون داعية بسلوكه الحسن وبكلمة طيبة يشاركها. الباب مفتوح للجميع، والميدان يتسع لكل صادق.
خامساً: انحرافات ومفاهيم خاطئة يجب الحذر منها
كما أن للعمل الدعوي فضائل، فإن له آفات قد تضره وتذهب ببركته إن لم يتنبه لها العاملون.
- الغلو والتشدد: استخدام أسلوب عنيف ومنفر، والانشغال بتكفير وتفسيق الناس، والتركيز على القشور وترك الأصول.
- التفريط والتمييع: التساهل في الثوابت الشرعية من أجل “كسب” قلوب الناس، ومجاملة أهل الباطل على حساب الحق.
- التحزب المقيت والعصبية: الولاء والبراء على أساس الجماعة أو التنظيم لا على أساس الإسلام. هذا يفرق ولا يجمع، ويهدم ولا يبني.
- إهمال الدراسة: يظن البعض أن العمل للدين يعني إهمال التفوق العلمي الدنيوي، وهذا خطأ فادح. الأمة تحتاج إلى الطبيب المسلم الماهر والمهندس المسلم المتقن تماماً كما تحتاج للداعية.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
المفتاح هو تنظيم الوقت. العمل الدعوي المنظم لا يسرق الوقت بل يباركه. اجعل للدراسة وقتها المقدس، وللدعوة وقتاً محدداً (ساعتان في الأسبوع مثلاً). التفوق الدراسي بحد ذاته جزء من دعوتك.
ابدأ بما تعلم. يمكنك أن تبدأ بتنظيم حملة عن قيمة “الصدق” أو “الأمانة”، أو مشاركة مقطع فيديو موثوق لعالم كبير. ليس شرطاً أن تكون عالماً، بل كن ناقلاً أميناً للعلم، وتعلم وأنت في الميدان.
تذكر أن هذا طريق الأنبياء. قابل الإساءة بالإحسان، والجهل بالحلم، والسخرية بالصبر الجميل. لا تدخل في جدالات عقيمة، وركز على من يريد الخير. أخلاقك هي أفضل رد.
احترام قوانين الجامعة أمر أساسي. العديد من الأنشطة مثل حلقات النقاش الصغيرة أو المبادرات الخيرية يمكن أن تتم في إطار النوادي الطلابية المعتمدة. العمل المنظم والقانوني يضمن الاستمرارية ويبعد الشبهات.
نعم وبكل تأكيد. النبي صلى الله عليه وسلم بدأ وحده، ثم بشخص، ثم بثلاثة. العبرة ليست بالعدد بل بالإخلاص والبركة والتخطيط السليم. أصحاب الأخدود كانوا قلة، وأصحاب الكهف كانوا فتية قلة، لكن أثرهم باقٍ إلى اليوم.
الخاتمة: شرف الأمانة وثقل المسؤولية
إن العمل لدين الله في أوساط الشباب الجامعي ليس مجرد نشاط إضافي، بل هو استثمار في مستقبل الأمة، وحراسة لثغورها الفكرية، وأداء لأمانة البلاغ التي في أعناقنا. إنه طريق محفوف بالتحديات، ولكنه يوصل إلى أعلى الدرجات عند الله. فلتكن طالباً جامعياً ورجلاً ربانياً في آن واحد، تجمع بين نور العلم الدنيوي ونور الوحي، وتترك أثراً صالحاً في أقدس ميادين بناء العقول.
ولمعرفة المزيد من القضايا التي تهم المسلم المعاصر، ندعوكم لتصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد باستمرار.
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.




