القانون والإدارة

المسؤولية التقصيرية عن الأفعال الضارة في التشريع الجزائري

تعرضت لضرر مادي أو معنوي بسبب فعل شخص آخر؟ سواء كان ذلك نتيجة حادث سيارة، خطأ طبي، أو حتى إزعاج من جارك، فإن القانون الجزائري يمنحك الحق في المطالبة بالتعويض. تُعرف هذه الآلية القانونية باسم “المسؤولية التقصيرية”، وهي حجر الزاوية في حماية حقوق الأفراد وضمان جبر الأضرار التي تلحق بهم خارج أي علاقة تعاقدية. في هذا الدليل الشامل، سنفصل كل ما يتعلق بالمسؤولية التقصيرية عن الأفعال الضارة في التشريع الجزائري، بدءاً من أساسها القانوني وصولاً إلى كيفية رفع دعوى قضائية ناجحة للحصول على حقك كاملاً.

فهرس المقال إخفاء

ما هي المسؤولية التقصيرية في القانون الجزائري؟

المسؤولية التقصيرية، التي يشار إليها أحياناً بالمسؤولية عن الفعل الضار، هي التزام قانوني يقع على عاتق كل شخص تسبب بفعله في إلحاق ضرر بالغير، بأن يقوم بإصلاح هذا الضرر وتعويض المتضرر. الأساس الجوهري لهذه المسؤولية هو مبدأ “لا ضرر ولا ضرار”، والذي يعني أن حرية الفرد في التصرف تنتهي عند بداية حقوق الآخرين.

السند القانوني الرئيسي لهذه المسؤولية هو المادة 124 من القانون المدني الجزائري (الأمر رقم 75-58 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975، المعدل والمتمم)، والتي تنص بوضوح: “كل عمل أيا كان، يرتكبه المرء، ويسبب ضررا للغير، يلزم من كان سببا في حدوثه بالتعويض”. هذا النص الموجز والعميق يضع القاعدة العامة التي تنبثق منها كافة تطبيقات المسؤولية التقصيرية.

الأركان الأساسية لقيام المسؤولية التقصيرية

لكي ترفع دعوى تعويض ناجحة، لا يكفي مجرد وقوع ضرر. يجب على القاضي أن يقتنع بتوافر ثلاثة أركان أساسية ومترابطة، وغياب أي منها يؤدي إلى رفض الدعوى. هذه الأركان هي: الخطأ، الضرر، والعلاقة السببية.

الركن الأول: الخطأ (La Faute)

الخطأ هو أي إخلال بالتزام قانوني سابق، أو هو الانحراف عن السلوك المعتاد للشخص العادي الحريص. لا يشترط أن يكون الخطأ متعمداً (عمدي)، بل يمكن أن يكون نتيجة إهمال، أو قلة احتراز، أو عدم تبصر. على سبيل المثال:

  • قيادة السيارة بسرعة مفرطة يعتبر خطأ.
  • ترك مواد بناء أمام المنزل دون تأمينها يعتبر خطأ.
  • نشر معلومات كاذبة تسيء لسمعة شخص ما يعتبر خطأ.

عبء إثبات الخطأ يقع على عاتق المدعي (المتضرر)، وهو ما يعرف بـ “البينة على من ادعى”. يجب عليه أن يقدم للقاضي الدليل على أن المدعى عليه قد ارتكب سلوكاً خاطئاً.

الركن الثاني: الضرر (Le Dommage)

الضرر هو الأذى الذي يلحق بالشخص في حق من حقوقه أو في مصلحة مشروعة له. لا يمكن المطالبة بتعويض دون وجود ضرر حقيقي ومؤكد. ينقسم الضرر إلى عدة أنواع:

  • الضرر المادي: هو ما يصيب الذمة المالية للشخص، مثل تلف سيارة، خسارة بضاعة، أو تكاليف علاج. ويشمل ما لحق المضرور من خسارة (التكاليف الفعلية) وما فاته من كسب (الأرباح التي كان سيجنيها لولا وقوع الضرر).
  • الضرر الجسدي: هو كل مساس بسلامة الجسم، كالجروح، الكسور، أو العجز الدائم.
  • الضرر المعنوي (الأدبي): هو الأذى الذي يصيب الشخص في شعوره أو عاطفته أو كرامته أو شرفه، مثل الحزن على فقدان قريب، أو الألم النفسي الناتج عن تشويه السمعة. وقد أقر المشرع الجزائري صراحة إمكانية التعويض عن هذا النوع من الضرر.

الركن الثالث: العلاقة السببية (Le Lien de Causalité)

هذا هو الركن الجوهري الذي يربط بين الخطأ والضرر. يجب أن يكون الخطأ الذي ارتكبه المسؤول هو السبب المباشر والمنتج للضرر الذي وقع. إذا انقطعت هذه العلاقة، تنتفي المسؤولية حتى لو كان هناك خطأ وضرر. يمكن أن تنقطع العلاقة السببية بأحد الأسباب التالية:

  • القوة القاهرة أو الحادث الفجائي: وهو حدث خارجي لا يمكن توقعه ولا يمكن دفعه، مثل الزلازل أو الفيضانات.
  • خطأ المضرور نفسه: إذا كان الضرر قد حدث بخطأ من المتضرر نفسه أو ساهم في وقوعه.
  • فعل الغير: إذا كان الضرر ناتجاً عن تدخل شخص ثالث لا علاقة له بالمدعى عليه.

أنواع المسؤولية التقصيرية وفقا للقانون المدني

لم يحصر المشرع الجزائري المسؤولية في الفعل الشخصي فقط، بل وسع نطاقها لتشمل حالات يكون فيها الشخص مسؤولاً عن أضرار لم يرتكبها مباشرة. وتنقسم بشكل عام إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

1. المسؤولية عن الفعل الشخصي

وهي الحالة الأساسية والكلاسيكية المبنية على المادة 124 من القانون المدني، حيث يكون الشخص مسؤولاً عن الأضرار التي يسببها مباشرة بخطئه الشخصي.

2. المسؤولية عن فعل الغير

في هذه الحالة، يُسأل شخص عن ضرر أحدثه شخص آخر، لوجود علاقة قانونية بينهما (رقابة أو تبعية). أهم تطبيقاتها:

  • مسؤولية متولي الرقابة (المادة 134): يكون الأب أو الأم (بعد وفاة الأب) أو الوصي مسؤولاً عن الضرر الذي يحدثه ابنه القاصر الذي يعيش معه. هذه المسؤولية مبنية على خطأ مفترض في التربية والرقابة، ولكن يمكن لمتولي الرقابة دفعها إذا أثبت أنه قام بواجبه الرقابي أو أن الضرر كان سيقع حتماً حتى مع المراقبة.
  • مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه (المادة 136): يكون رب العمل (المتبوع) مسؤولاً عن الضرر الذي يحدثه عامله (التابع) أثناء تأدية وظيفته أو بسببها. هذه المسؤولية قوية جداً، وهي مبنية على خطأ مفترض لا يقبل إثبات العكس. لا يستطيع رب العمل التملص منها إلا إذا أثبت انقطاع العلاقة السببية.

3. المسؤولية عن الأشياء (الحيوان والبناء)

هنا، تنشأ المسؤولية ليس عن فعل شخصي، بل عن شيء تحت حراسة الشخص.

  • مسؤولية حارس الحيوان (المادة 138): حارس الحيوان، سواء كان مالكه أو لا، مسؤول عن الضرر الذي يحدثه الحيوان، حتى لو ضل أو تسرب. لا يمكنه دفع المسؤولية إلا بإثبات القوة القاهرة أو خطأ المضرور.
  • مسؤولية مالك البناء (المادة 140 الفقرة 3): مالك العقار مسؤول عن الضرر الذي يحدثه تهدم البناء (الكلي أو الجزئي)، إذا كان هذا التهدم ناتجاً عن إهمال في الصيانة أو قدم في البناء.

كيفية المطالبة بالتعويض: الإجراءات خطوة بخطوة

إذا تعرضت لضرر وترغب في الحصول على تعويض، يجب اتباع مسار إجرائي محدد لضمان حقوقك.

الخطوة الأولى: محاولة التسوية الودية

قبل اللجوء إلى القضاء، من الحكمة دائماً محاولة حل النزاع ودياً مع الشخص المسؤول عن الضرر. يمكن أن يوفر هذا الحل الوقت والجهد وتكاليف التقاضي. إذا تم الاتفاق، يجب توثيق ذلك في اتفاقية صلح مكتوبة وموقعة من الطرفين.

الخطوة الثانية: الإعذار الرسمي عبر محضر قضائي

إذا فشلت المحاولة الودية، فإن الخطوة التالية هي توجيه “إعذار” رسمي للشخص المسؤول. يتم ذلك عبر محضر قضائي، حيث تقوم بتكليفه بتحرير وثيقة قانونية تدعو فيها المسؤول إلى تعويضك عن الأضرار خلال مدة زمنية محددة (مثلاً، 8 أيام)، مع التهديد باللجوء إلى القضاء في حالة عدم الاستجابة. الإعذار يعتبر دليلاً على أنك حاولت حل المشكلة ودياً وله أهمية قانونية في بعض القضايا.

الخطوة الثالثة: رفع دعوى قضائية

في حال عدم الاستجابة للإعذار، يكون الخيار الأخير هو القضاء. يجب عليك توكيل محامٍ ليقوم بتحرير “عريضة افتتاحية للدعوى” وتقديمها إلى القسم المدني بالمحكمة الابتدائية المختصة. المحكمة المختصة تكون إما محكمة موطن المدعى عليه أو محكمة المكان الذي وقع فيه الفعل الضار.

الوثائق المطلوبة لتكوين ملف دعوى التعويض (الملف الإداري)

لضمان قبول دعواك شكلاً وموضوعاً، يجب أن يكون ملفك كاملاً ودقيقاً. إليك قائمة بالوثائق الأساسية المطلوبة:

  • عريضة افتتاحية للدعوى: وثيقة قانونية مفصلة يعدها ويوقعها محاميك، تشرح فيها وقائع القضية وطلباتك.
  • نسخة من بطاقة التعريف الوطنية: للمدعي (المتضرر).
  • نسخة من الإعذار: الذي تم تبليغه للمدعى عليه من طرف المحضر القضائي.
  • محاضر المعاينة: وهي أهم الوثائق. يمكن أن تكون محاضر الشرطة أو الدرك الوطني (في حالة الحوادث) أو محضر “إثبات حالة” يحرره محضر قضائي يصف فيه الأضرار بدقة.
  • الشهادات الطبية: في حالة الضرر الجسدي، يجب تقديم شهادة طبية أولية، شهادات متابعة، وشهادة الشفاء مع تحديد نسبة العجز الدائم (إن وجدت) من طرف طبيب شرعي.
  • الفواتير والتقارير التقديرية: فواتير إصلاح السيارة، تقارير الخبرة لتقييم الأضرار في المنزل، فواتير الأدوية، إلخ.
  • شهادات الشهود: إذا كان هناك شهود على الواقعة، يمكن الاستعانة بشهاداتهم المكتوبة أو طلب سماعهم أمام المحكمة.
  • طابع جبائي: يتم تحديده وفقاً لقانون الطابع.

نصيحة الخبير

لا تستهن بأهمية “محضر إثبات حالة” الذي يحرره المحضر القضائي فور وقوع الضرر. هذه الوثيقة هي أقوى دليل يمكنك تقديمه للقاضي لإثبات حجم الأضرار قبل أن تتغير معالمها، وغالباً ما تكون حاسمة في تحديد قيمة التعويض. بادر بطلبها فوراً، خاصة في أضرار تسرب المياه أو عيوب البناء، فهي توثق الحالة بشكل محايد ورسمي.

مقارنة بين أنواع المسؤولية التقصيرية
نوع المسؤوليةالسند القانونيأساس المسؤوليةكيفية دفعها (الإعفاء منها)
عن الفعل الشخصيالمادة 124 مدنيخطأ واجب الإثبات (يجب على المضرور إثباته)إثبات عدم ارتكاب الخطأ أو انقطاع العلاقة السببية
عن فعل القاصرالمادة 134 مدنيخطأ مفترض (قابل لإثبات العكس)إثبات القيام بواجب الرقابة أو أن الضرر كان سيقع حتماً
عن فعل التابعالمادة 136 مدنيخطأ مفترض (غير قابل لإثبات العكس)لا يمكن للمتبوع دفعها، ويرجع بالتعويض على تابعه
عن حراسة الحيوانالمادة 138 مدنيخطأ مفترض في الحراسةإثبات القوة القاهرة أو خطأ المضرور
تنبيه هام: أجل التقادم

دعوى التعويض عن الفعل الضار تسقط بالتقادم بمرور 15 سنة من يوم وقوع الفعل الضار، وذلك وفقاً لنص المادة 133 من القانون المدني. لكن، إذا كانت الدعوى ناتجة عن جريمة (مثل الضرب والجرح الخطأ)، فإنها لا تسقط إلا بسقوط الدعوى العمومية (الجزائية). لا تماطل في المطالبة بحقك حتى لا يضيع بالتقادم.

الأسئلة الشائعة (FAQ)

هل يمكنني المطالبة بتعويض عن ضرر معنوي (مثل الحزن أو تشويه السمعة)؟

نعم، بكل تأكيد. القانون والقضاء الجزائريان يعترفان بالضرر المعنوي ويحكمان بالتعويض عنه. يشمل ذلك الألم النفسي، الحزن لفقدان قريب في حادث، تشويه السمعة، أو أي مساس بالكرامة والشرف. تقدير قيمة التعويض عن الضرر المعنوي يخضع للسلطة التقديرية للقاضي الذي يأخذ بعين الاعتبار ظروف كل قضية.

جاري تسبب لي بضرر ورفض التعويض ودياً، هل يجب عليّ توكيل محامٍ؟

نعم، توكيل محامٍ إلزامي في القضايا المدنية أمام المحاكم الابتدائية ومختلف جهات القضاء. المحامي هو الشخص المؤهل قانوناً لتحرير العريضة الافتتاحية وتقديمها، والمرافعة عنك، وضمان تقديم الملف بالشكل الصحيح الذي يتوافق مع قانون الإجراءات المدنية والإدارية. محاولة رفع الدعوى بنفسك ستؤدي إلى عدم قبولها شكلاً. لمتابعة آخر المستجدات القانونية التي قد تهمك، يمكنكم زيارة المواقع الإخبارية المتخصصة مثل موقع akhbardz.

سيارتي تضررت بسبب حفرة في الطريق العام، من المسؤول؟

المسؤولية هنا تقع على عاتق الجهة الإدارية المسؤولة عن صيانة الطريق (البلدية، مديرية الأشغال العمومية). هذه الحالة تخرج من نطاق المسؤولية التقصيرية بين الأفراد وتدخل في نطاق المسؤولية الإدارية للدولة. يتم رفع الدعوى في هذه الحالة أمام المحكمة الإدارية، وتكون الدولة أو البلدية هي المدعى عليها، بسبب الخطأ المرفقي المتمثل في إهمال صيانة الطريق.

ما الفرق بين المسؤولية التقصيرية والمسؤولية العقدية؟

الفرق جوهري. المسؤولية العقدية تنشأ عن الإخلال بالتزام منصوص عليه في عقد قائم بين الطرفين (مثل عقد بيع، عقد إيجار، عقد عمل). أما المسؤولية التقصيرية فتنشأ عن الإخلال بواجب قانوني عام يفرضه القانون على الجميع وهو عدم الإضرار بالغير، وذلك في غياب أي علاقة عقدية بين المسؤول والمتضرر. لا يمكن الجمع بينهما؛ فوجود العقد يمنع تطبيق قواعد المسؤولية التقصيرية.

خاتمة

إن نظام المسؤولية التقصيرية في القانون الجزائري هو أداة فعالة لحماية الأفراد وجبر أضرارهم، وإعادة التوازن الذي أخل به الفعل الضار. فهم أركانها وأنواعها وإجراءاتها هو الخطوة الأولى نحو ضمان حقوقك. إذا كنت ضحية لفعل ضار، لا تتردد في جمع الأدلة، والتوجه إلى محامٍ مختص لاتخاذ الإجراءات اللازمة والمطالبة بالتعويض العادل الذي يكفله لك القانون.

تنويه قانوني: المعلومات الواردة في هذا المقال هي لأغراض الاسترشاد وتبسيط المفاهيم القانونية وفقاً للنصوص السارية وقت النشر. هذه المعلومات لا تغني بأي حال عن استشارة محامٍ مختص أو مراجعة الجهات الرسمية.

المصادر والمراجع

  • الأمر رقم 75-58 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975، المتضمن القانون المدني، المعدل والمتمم.
  • قانون رقم 08-09 المؤرخ في 25 فبراير 2008، المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
  • الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
  • الموقع الرسمي لوزارة العدل الجزائرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى