تعرف على مخاطر القذف والسب في مواقع التواصل الاجتماعي بالجزائر وكيفية التعامل معها قانونيًا

هل وجدت نفسك يوماً ضحية لمنشور مسيء على فيسبوك؟ هل تعرضت للتشهير في مجموعة على واتساب وشعرت بالعجز؟ أنت لست وحدك. مع تزايد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت جرائم القذف والسب الإلكتروني ظاهرة مقلقة في الجزائر. الكثيرون يجهلون أن القانون الجزائري يتعامل مع هذه الأفعال بصرامة، وأن لديهم حقوقاً وآليات واضحة للدفاع عن سمعتهم. في هذا الدليل الشامل والمفصل، سنشرح لك كل ما تحتاج لمعرفته حول مخاطر القذف والسب في مواقع التواصل الاجتماعي بالجزائر، وكيفية التعامل معها قانونيًا خطوة بخطوة، بدءاً من فهم الجريمة ووصولاً إلى تقديم الشكوى وتحصيل حقك.
الإطار القانوني لجريمتي القذف والسب في الجزائر
لفهم كيفية التعامل مع الإساءة الإلكترونية، يجب أولاً التمييز بين المصطلحات القانونية الدقيقة التي يستخدمها المشرع الجزائري. الأساس القانوني لهذه الجرائم موجود في الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، وتحديداً في نصوصه المعدلة والمتممة.
1. تعريف القذف (La diffamation): ما هو وما هي أركانه؟
يعرف القانون الجزائري القذف في نص المادة 296 من قانون العقوبات على أنه: “كل ادعاء بواقعة من شأنها المساس بشرف واعتبار الأشخاص أو الهيئة المدعى عليها به أو إسنادها إليهم”.
لتبسيط الأمر، تتحقق جريمة القذف بتوفر ثلاثة أركان أساسية:
- إسناد واقعة محددة: يجب أن يكون الادعاء حول واقعة معينة ودقيقة (مثال: اتهام شخص بالسرقة أو الرشوة)، وليس مجرد رأي عام.
- المساس بالشرف والاعتبار: يجب أن تكون هذه الواقعة، لو صحت، ماسة بسمعة الشخص ومكانته في المجتمع.
- ركن العلانية: وهو الركن الأهم في سياقنا، ويعني أن يتم الادعاء بشكل علني. وتعتبر المحاكم الجزائرية النشر على حساب فيسبوك عام، أو في مجموعة مفتوحة، أو حتى على تطبيقات التراسل الفوري في مجموعات كبيرة، وسيلة من وسائل العلانية.
2. تعريف السب (L’injure): الفرق الجوهري بينه وبين القذف
أما السب، فقد عرفته المادة 297 من قانون العقوبات بأنه: “كل تعبير شائن أو عبارة تتضمن تحقيرا أو قدحا لا ينطوي على إسناد أي واقعة معينة”.
الفارق الأساسي هنا هو أن السب لا يتضمن اتهاماً بواقعة محددة، بل هو عبارة عن شتائم وألفاظ مهينة تهدف إلى تحقير الضحية (مثال: وصف شخص بألفاظ نابية أو مهينة لذاته دون ربطها بفعل معين).
3. خصوصية الجرائم الإلكترونية والعلانية الرقمية
النقطة الحاسمة التي يجب فهمها هي أن القانون لم يفرق بين القذف التقليدي (في جريدة مثلاً) والقذف الإلكتروني. فالعبرة بـ “العلانية”. المادة 298 من قانون العقوبات تحدد وسائل العلانية، وقد استقر القضاء الجزائري على أن النشر عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي يندرج ضمن هذه الوسائل، مما يجعل مرتكب الفعل خاضعاً لنفس العقوبات، بل وأحياناً لعقوبات مشددة نظراً لسرعة انتشار الإساءة والضرر الواسع الذي تسببه.
العقوبات المقررة قانوناً: ماذا ينتظر مرتكب الجريمة؟
يتعامل القانون الجزائري بحزم مع هذه الجرائم، وتختلف العقوبة بحسب طبيعة الفعل (قذف أم سب) والظروف المحيطة به.
عقوبة القذف والسب العلني عبر الوسائل الإلكترونية
وفقاً لنص المادة 298 من قانون العقوبات، يعاقب على القذف المرتكب بإحدى الوسائل العلنية المذكورة (والتي تشمل مواقع التواصل الاجتماعي) بالحبس من شهرين (2) إلى ستة (6) أشهر وبغرامة من 25.000 دج إلى 50.000 دج، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.
أما بالنسبة للسب العلني، فالعقوبة وفقاً لـ المادة 299 هي غرامة من 25.000 دج إلى 50.000 دج. وقد تصل إلى الحبس من شهر إلى شهرين وغرامة بنفس القيمة إذا وقع السب على فئة معينة من الأشخاص بسبب أصلهم أو انتمائهم العرقي أو الديني.
ظروف التشديد: متى تتضاعف العقوبة؟
هناك حالات تصبح فيها العقوبة أشد بكثير، ويجب الانتباه إليها جيداً:
- المساس بالحياة الخاصة: إذا تضمن القذف أو السب نشر صور أو معلومات من الحياة الخاصة للضحية، فإننا ندخل في نطاق جريمة أخرى يعاقب عليها القانون بشدة تصل إلى الحبس والغرامات المرتفعة.
- خطاب الكراهية والتمييز: إذا كان القذف أو السب مبنياً على أساس العرق، الجنس، الدين، أو أي شكل من أشكال التمييز، فإنه يقع تحت طائلة القانون رقم 20-05 المؤرخ في 28 أبريل 2020، المتعلق بالوقاية من التمييز وخطاب الكراهية ومكافحتهما، والذي ينص على عقوبات صارمة جداً قد تصل إلى سنوات من الحبس.
- القذف في حق هيئات الدولة أو الموظفين: يعاقب القانون بعقوبات أشد إذا كان القذف موجهاً ضد المحاكم، الجيش الوطني الشعبي، الهيئات النظامية، أو موظف عمومي أثناء تأدية مهامه.
كيفية المتابعة القضائية: دليلك خطوة بخطوة لرفع شكوى
إذا كنت ضحية قذف أو سب إلكتروني، لا تقف مكتوف الأيدي. القانون يمنحك الأدوات اللازمة للدفاع عن حقك. اتبع هذه الخطوات بدقة.
المرحلة الأولى: جمع وتوثيق الأدلة (الإثبات)
هذه هي أهم مرحلة على الإطلاق، فبدون دليل قوي، ستكون شكواك ضعيفة. الدليل في العالم الرقمي سريع الزوال (يمكن للمسيء حذف المنشور)، لذا يجب التصرف بسرعة.
- التقاط صور للشاشة (Screenshots): قم فوراً بالتقاط صور واضحة للمنشور أو التعليق أو الرسالة المسيئة. تأكد من أن الصورة تظهر بوضوح اسم الحساب، صورته، تاريخ وتوقيت النشر، والمحتوى المسيء كاملاً.
- نسخ رابط المنشور (URL): قم بنسخ الرابط المباشر للمنشور أو الحساب الشخصي للمسيء. هذا دليل تقني مهم.
- توثيق الأدلة عبر محضر قضائي (خطوة حاسمة): الخطوة الأقوى والأكثر فعالية هي اللجوء إلى محضر قضائي (Huissier de Justice). سيقوم المحضر القضائي بالدخول إلى الإنترنت من مكتبه، ومعاينة المنشور المسيء بنفسه، وتحرير “محضر إثبات حالة” (Procès-verbal de constat). هذا المحضر يعتبر حجة رسمية قوية جداً أمام القضاء ولا يمكن دحضها بسهولة، حتى لو قام المسيء بحذف المنشور لاحقاً.
المرحلة الثانية: تقديم الشكوى الرسمية
بعد تجهيز دليلك، لديك طريقان رئيسيان لتقديم الشكوى:
- الطريق الأول: شكوى مباشرة أمام وكيل الجمهورية: يمكنك، بمفردك أو بمساعدة محامٍ، تحرير عريضة شكوى مفصلة تروي فيها الوقائع، وتذكر فيها هوية المشتكى منه (إذا كانت معروفة) أو تصف حسابه (إذا كان مجهولاً)، وترفق بها كل الأدلة التي جمعتها (خاصة محضر إثبات الحالة). تودع هذه الشكوى لدى أمانة ضبط وكيل الجمهورية بالمحكمة المختصة إقليمياً (مكان إقامتك أو مكان وقوع الفعل).
- الطريق الثاني: شكوى لدى مصالح الأمن (الشرطة أو الدرك الوطني): يمكنك التوجه إلى أقرب مركز للشرطة أو فرقة للدرك الوطني، وتحديداً إلى المصالح المختصة في مكافحة الجرائم السيبرانية. ستقوم هذه المصالح بسماع أقوالك في محضر رسمي، وتتولى بنفسها التحري وجمع الأدلة التقنية (مثل تحديد هوية صاحب الحساب الوهمي عبر عنوان IP) ثم إرسال الملف كاملاً إلى وكيل الجمهورية.
الملف الإداري: الوثائق المطلوبة لتأسيس شكواك
لجعل شكواك رسمية ومقبولة، قم بتجهيز الملف التالي:
- نسخة من بطاقة التعريف الوطنية أو رخصة السياقة الخاصة بك.
- عريضة الشكوى محررة وموقعة من طرفك (إذا اخترت طريق وكيل الجمهورية).
- النسخة الأصلية من محضر إثبات الحالة المنجز من طرف المحضر القضائي.
- نسخ مطبوعة (ملونة وواضحة) لصور الشاشة (Screenshots) التي التقطتها.
- طابع جبائي بقيمة معينة قد يطلب منك عند إيداع الشكوى لدى المحكمة.
- أي دليل آخر يمكن أن يدعم قضيتك (مثل شهادة شهود رأوا المنشور، رسائل تهديد، إلخ).
نصيحة الخبير القانوني
لا تتردد أبداً في الاستعانة بمحضر قضائي. قد تكلفك هذه الخطوة مبلغاً بسيطاً، لكنها “تُجمّد” الدليل وتجعله غير قابل للإنكار. الكثير من القضايا تُرفض لضعف الإثبات، خاصة عندما يعتمد الضحية على صور شاشة فقط يمكن التشكيك في صحتها. محضر إثبات الحالة هو استثمارك الأفضل لضمان حقك في المتابعة القضائية.
جدول مقارن: ملخص الفروقات والعقوبات
| المعيار | جريمة القذف | جريمة السب |
|---|---|---|
| التعريف القانوني | إسناد واقعة محددة تمس بالشرف والاعتبار. | تعبير شائن أو عبارة تحقير لا تتضمن واقعة. |
| المثال | “فلان سرق أموال الشركة.” | “فلان شخص حقير.” |
| السند القانوني (ق.ع) | المادة 296 | المادة 297 |
| العقوبة الأساسية (إذا كان علنياً) | حبس من 2 إلى 6 أشهر وغرامة من 25.000 إلى 50.000 دج (أو إحداهما). | غرامة من 25.000 إلى 50.000 دج. |
تنبيه هام: لا ترد على الإساءة بإساءة!
من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الضحايا هو الرد على المنشور المسيء بمنشور مسيء آخر. هذا التصرف قد يعرضك لمتابعة قضائية مضادة بتهمة القذف أو السب بدورك! حافظ على هدوئك، لا تتفاعل مع المسيء، وركز على جمع الأدلة واتباع المسار القانوني الصحيح. القانون هو سلاحك الأقوى، وليس الرد بالمثل على منصات التواصل الاجتماعي.
أسئلة شائعة (FAQ)
1. هل يمكنني مقاضاة شخص يستخدم حساباً وهمياً (Fake Account)؟
نعم، بكل تأكيد. عند تقديمك للشكوى لدى المصالح الأمنية المختصة، فإنها تملك الإمكانيات التقنية اللازمة لمخاطبة إدارة منصة التواصل الاجتماعي (مثل فيسبوك) لتحديد عنوان بروتوكول الإنترنت (IP Address) الذي استخدم لإنشاء الحساب أو النشر منه. ومن خلال هذا العنوان، يمكن الوصول إلى هوية الشخص الحقيقية ومتابعته قضائياً. قد تستغرق العملية بعض الوقت ولكنها ممكنة جداً.
2. ما هو أجل تقادم شكوى القذف والسب؟
تعتبر جريمة القذف والسب من الجنح في القانون الجزائري. ووفقاً لقانون الإجراءات الجزائية، فإن الدعوى العمومية في مواد الجنح تسقط بالتقادم بمرور ثلاث (3) سنوات كاملة تبدأ من يوم ارتكاب الجريمة. لذا، من المهم عدم التماطل في تقديم الشكوى بعد توثيق الأدلة.
3. هل صورة الشاشة (Screenshot) وحدها دليل كافٍ في المحكمة؟
صورة الشاشة هي بداية الدليل ويمكن أن تقبلها المحكمة كقرينة، لكنها ليست الحجة الأقوى. يمكن للطرف الآخر أن يدعي أنها مفبركة أو معدلة. لهذا السبب، يظل “محضر إثبات الحالة” الذي ينجزه المحضر القضائي هو الدليل الرسمي الأقوى الذي يصعب الطعن فيه، لأنه يثبت وجود المحتوى المسيء في وقت وتاريخ محددين وبشكل رسمي.
4. ماذا لو وقع القذف أو السب في مجموعة خاصة على واتساب أو فيسبوك؟
تخضع هذه المسألة للسلطة التقديرية للقاضي. إذا كانت المجموعة صغيرة جداً ومغلقة (مثل مجموعة عائلية)، قد لا يتوفر ركن “العلانية”. لكن، إذا كانت المجموعة تضم عدداً كبيراً من الأعضاء، أو كان من السهل على أعضائها مشاركة محتواها مع آخرين، فإن القضاء يميل إلى اعتبار ركن العلانية متوفراً، وبالتالي قيام الجريمة. كل قضية تدرس على حدة.
الخاتمة
إن حرية التعبير على مواقع التواصل الاجتماعي تقف عند حدود سمعة وشرف الآخرين. لقد وضع المشرع الجزائري ترسانة قانونية واضحة لحمايتك من التشهير والقذف والسب الإلكتروني. المعرفة بهذه القوانين والإجراءات هي خطوتك الأولى للدفاع عن حقوقك. لا تتردد في اللجوء إلى القضاء، فهو السبيل الوحيد لردع المعتدين وضمان عدم إفلاتهم من العقاب. ولمواكبة آخر المستجدات القانونية، يمكنكم متابعة منصات إخبارية موثوقة مثل akhbardz.
المصادر والمراجع
- الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم.
- القانون رقم 20-05 المؤرخ في 28 أبريل 2020، المتعلق بالوقاية من التمييز وخطاب الكراهية ومكافحتهما.
- الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
- البوابة الإلكترونية لوزارة العدل الجزائرية.




