كيفية التعامل مع التحرش الجنسي في أماكن العمل بالجزائر وحقوق الضحايا

التعرض للتحرش الجنسي في مكان العمل ليس مجرد تجربة مؤلمة ومُهينة، بل هو جريمة يعاقب عليها القانون الجزائري بصرامة، وانتهاك خطير لحقوق العامل وكرامته. الكثير من الضحايا يترددون في اتخاذ أي إجراء خوفاً من فقدان وظائفهم أو بسبب عدم معرفتهم بحقوقهم والإجراءات الواجب اتباعها. هذا المقال هو دليلك الشامل والمفصل، المبني على نصوص القانون الجزائري، لفهم كيفية التعامل مع التحرش الجنسي في بيئة العمل، وحماية حقوقك خطوة بخطوة.
السند القانوني: كيف يعرّف المشرّع الجزائري التحرش الجنسي في العمل؟
قبل الخوض في الإجراءات، من الضروري فهم الأساس القانوني الذي تجرّم به الدولة الجزائرية هذا الفعل. الحماية القانونية للضحية تستمد قوتها من قانون العقوبات وقانون العمل بشكل أساسي.
1. تعريف التحرش الجنسي في قانون العقوبات الجزائري
النص المرجعي الأساسي هو الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، وتحديداً تعديلاته الأخيرة التي شددت العقوبات. تعرّف المادة 341 مكرر من قانون العقوبات التحرش الجنسي بأنه:
“كل فعل أو قول أو إشارة تخدش الحياء أو ذات طبيعة جنسية، يصدر من شخص يستغل سلطته الوظيفية أو نفوذه، أو في مكان العمل أو أي مكان آخر، بهدف إجبار الضحية على الاستجابة لرغباته الجنسية.”
هذا التعريف واسع ويشمل الأفعال اللفظية (كلام فاحش، تعليقات جنسية)، الأفعال غير اللفظية (إشارات، نظرات)، والأفعال الجسدية (ملامسة غير مرغوب فيها). المهم هو نية الجاني المتمثلة في إجبار الضحية على الخضوع لرغباته.
2. التزامات صاحب العمل في قانون العمل
لا تقع المسؤولية على المتحرش وحده. القانون رقم 90-11 المؤرخ في 21 أبريل 1990، والمتعلق بعلاقات العمل، يفرض على صاحب العمل التزامات واضحة لحماية العمال. من أهم هذه الالتزامات:
- توفير بيئة عمل آمنة: يلتزم صاحب العمل باتخاذ جميع التدابير اللازمة للحفاظ على صحة العمال وسلامتهم الجسدية والنفسية، وهذا يشمل حمايتهم من التحرش.
- فرض الانضباط: يعتبر التحرش الجنسي خطأ مهنياً جسيماً (Faute grave)، يبرر فصل مرتكبه دون تعويض أو إشعار مسبق، وفقاً للإجراءات التأديبية المنصوص عليها في النظام الداخلي للمؤسسة.
- حماية الضحية: يمنع القانون على صاحب العمل فصل العامل أو معاقبته لأنه قام بالإبلاغ عن واقعة تحرش جنسي. أي إجراء من هذا القبيل يعتبر فصلاً تعسفياً.
الخطوات العملية لمواجهة التحرش الجنسي: دليل الضحية الكامل
إذا كنت ضحية للتحرش، فإن التزام الهدوء والتصرف بشكل منهجي هو أفضل سلاح لك. اتبع هذه الخطوات بدقة لضمان بناء ملف قوي.
المرحلة الأولى: التوثيق وجمع الأدلة (قبل تقديم أي شكوى)
هذه هي أهم مرحلة على الإطلاق. بدون دليل، يصعب إثبات الواقعة. قم بجمع كل ما يمكن أن يدعم أقوالك:
- الأدلة المكتوبة: احتفظ بنسخ من أي رسائل نصية (SMS)، رسائل عبر تطبيقات المراسلة (واتساب، ماسنجر)، أو رسائل بريد إلكتروني تحتوي على عبارات أو صور غير لائقة. قم بأخذ لقطات شاشة (Screenshots) واحتفظ بها في مكان آمن.
- تسجيل الوقائع: قم بإنشاء سجل زمني سري. دوّن فيه تاريخ ووقت ومكان كل واقعة تحرش، مع وصف دقيق لما حدث ومن كان حاضراً (الشهود المحتملون).
- الشهود: حاول تحديد الزملاء الذين قد يكونون شهدوا الواقعة أو الذين تثق بهم ويمكن أن يشهدوا لصالحك. حتى لو كانوا يخشون التحدث الآن، فإن وجود أسمائهم في ملفك قد يكون مفيداً لاحقاً.
- الأدلة الطبية: إذا تسبب التحرش في أذى نفسي أو جسدي، لا تتردد في زيارة طبيب أو أخصائي نفسي والحصول على شهادة طبية توثق حالتك.
المرحلة الثانية: الإبلاغ الداخلي (داخل المؤسسة)
قبل اللجوء للقضاء، قد يكون من المفيد استنفاد المسار الداخلي، خاصة في المؤسسات الكبيرة التي لديها أقسام موارد بشرية منظمة. يمكنك إبلاغ:
- مسؤول الموارد البشرية (HR).
- رئيسك المباشر (إذا لم يكن هو المتحرش).
- المدير العام للمؤسسة.
يجب أن يكون الإبلاغ كتابياً ورسمياً لترك أثر. استخدم رسالة مسجلة مع إشعار بالاستلام (lettre recommandée avec accusé de réception) لضمان وجود دليل على أنك أبلغت الإدارة.
المرحلة الثالثة: الخيارات القانونية الخارجية
إذا فشل المسار الداخلي أو إذا كنت تفضل التوجه للقانون مباشرة، لديك مساران رئيسيان:
- المسار الجزائي: الهدف منه هو معاقبة المتحرش بالسجن والغرامة. يتم ذلك عن طريق تقديم شكوى جزائية.
- المسار الاجتماعي/الإداري: الهدف منه هو حماية حقوقك كعامل (مثل إيقاف التحرش، إلغاء عقوبة تأديبية، أو الطعن في فصل تعسفي). يتم ذلك عبر مفتشية العمل.
يمكن سلوك المسارين في نفس الوقت، فهما لا يتعارضان.
كيفية تقديم شكوى جزائية بالتحرش الجنسي: الملف والإجراءات
لتحريك الدعوى العمومية ضد المتحرش، يجب تقديم شكوى رسمية لدى الجهات المختصة.
الجهات المختصة بتلقي الشكوى
يمكنك تقديم شكواك مباشرة إلى:
- مصالح الشرطة القضائية: أي مركز شرطة أو فرقة للدرك الوطني في دائرة الاختصاص التي وقع فيها الفعل.
- وكيل الجمهورية: لدى المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان العمل أو مكان إقامة المشتبه به. تقديم الشكوى مباشرة لوكيل الجمهورية قد يسرّع الإجراءات.
الوثائق المطلوبة (ملف الشكوى)
عند التوجه لتقديم الشكوى، جهّز ملفاً كاملاً يحتوي على الوثائق التالية:
- عريضة الشكوى: وثيقة مكتوبة بخط اليد أو مطبوعة، توضح فيها هويتك الكاملة، وهوية المشتكى منه (المتحرش) قدر الإمكان، وتفاصيل دقيقة عن وقائع التحرش (الزمان، المكان، كيفية حدوث الفعل).
- نسخة من بطاقة التعريف الوطنية.
- جميع الأدلة المادية التي جمعتها: نسخ من الرسائل، لقطات الشاشة، تسجيلات (مع مراعاة شروط قبولها قانوناً)، شهادات طبية… إلخ.
- قائمة الشهود: أسماء وأرقام هواتف الزملاء أو أي شخص آخر شهد الوقائع.
- وثيقة تثبت علاقة العمل: مثل شهادة عمل، عقد عمل، أو حتى بطاقة مهنية.
عقوبات جريمة التحرش الجنسي في القانون الجزائري
قام المشرع الجزائري، خاصة عبر القانون رقم 20-05 المؤرخ في 28 أبريل 2020، بتشديد العقوبات بشكل ملحوظ لردع هذه الجريمة.
العقوبات الأصلية
وفقاً للمادة 341 مكرر من قانون العقوبات، يعاقب مرتكب جريمة التحرش الجنسي بـ:
- الحبس من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات.
- وغرامة مالية من 100.000 دينار جزائري إلى 300.000 دينار جزائري.
الظروف المشددة للعقوبة
تصبح العقوبة أشد إذا توفرت ظروف معينة نصت عليها المادة 341 مكرر 1، حيث ترفع العقوبة إلى:
- الحبس من سنتين (2) إلى خمس (5) سنوات.
- وغرامة مالية من 200.000 دينار جزائري إلى 500.000 دينار جزائري.
وتشمل هذه الظروف المشددة الحالات التالية:
- إذا كان الفاعل من أصول الضحية أو من له سلطة عليها (مثل المدير أو الرئيس المباشر في العمل).
- إذا كانت الضحية قاصراً.
- إذا ارتكبت الجريمة من طرف شخصين أو أكثر.
- إذا سهلت وظيفة الفاعل ارتكاب الجريمة.
| الحالة | العقوبة (الحبس) | الغرامة المالية (دينار جزائري) |
|---|---|---|
| الحالة العادية (المادة 341 مكرر) | من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات | من 100.000 دج إلى 300.000 دج |
| الظروف المشددة (المادة 341 مكرر 1) | من سنتين (2) إلى خمس (5) سنوات | من 200.000 دج إلى 500.000 دج |
نصيحة الخبير القانوني
قبل التوجه إلى الشرطة، قد يكون من الحكمة تقديم شكوى مكتوبة مع إشعار بالاستلام (lettre avec accusé de réception) إلى إدارة الموارد البشرية أو المدير العام. هذا الإجراء يخلق دليلاً كتابياً رسمياً يثبت أنك أبلغت المؤسسة بالمشكلة. في حال تم فصلك لاحقاً، يصبح هذا الإشعار دليلاً قوياً أمام مفتشية العمل أو المحكمة على أن الفصل كان رد فعل انتقامي على شكواك، مما يعزز موقفك في قضية الفصل التعسفي.
حقوق الضحية والحماية القانونية من الانتقام
الخوف الأكبر لدى الضحية هو التعرض لإجراءات انتقامية، خاصة الفصل من العمل. القانون الجزائري يوفر حماية واضحة في هذا الشأن.
1. الحماية من الفصل التعسفي
أي قرار بفصل العامل بسبب تقديمه شكوى تحرش هو قرار باطل قانوناً ويعتبر فصلاً تعسفياً. إذا تعرضت للفصل بعد شكواك، يجب عليك فوراً التوجه إلى مفتشية العمل لتقديم شكوى، ومن ثم رفع دعوى أمام القسم الاجتماعي بالمحكمة للمطالبة بـ:
- إلغاء قرار الفصل وإعادة إدماجك في منصب عملك.
- الحصول على تعويض عن الضرر الذي لحق بك.
في هذه الحالة، يقع عبء إثبات وجود سبب حقيقي ومشروع للفصل على عاتق صاحب العمل.
2. الحق في التعويض المدني
بالإضافة إلى العقوبة الجزائية للمتحرش، للضحية الحق في المطالبة بتعويض مالي عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بها. يمكن المطالبة بهذا التعويض عن طريق:
- الادعاء المدني أمام المحكمة الجزائية: أثناء محاكمة المتهم، يمكنك أن تتأسس كطرف مدني وتطالب القاضي بالحكم لك بتعويض.
- رفع دعوى مدنية مستقلة: أمام القسم المدني للمحكمة للمطالبة بالتعويض.
لمعرفة المزيد حول الإجراءات القانونية العامة، يمكنك متابعة منصة akhbardz للحصول على تحليلات مبسطة.
تنبيه هام: عبء الإثبات
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن مجرد تقديم شكوى يكفي للإدانة. في القضايا الجزائية، عبء الإثبات يقع على عاتق النيابة العامة، لكن على الضحية تقديم بداية بينة وأدلة قوية لدعم أقوالها. لا تتردد في توثيق كل شيء. شهادة الشهود حاسمة، حتى لو كانوا زملاء عمل يخشون التحدث. أقوالك المتماسكة والمدعومة بقرائن مادية (رسائل، توقيتات) هي مفتاح نجاح قضيتك.
أسئلة شائعة (FAQ)
1. ماذا لو كان المتحرش هو مديري المباشر أو صاحب العمل نفسه؟
هذا يعتبر ظرفاً مشدداً للعقوبة وفقاً للمادة 341 مكرر 1 من قانون العقوبات، لأن الفاعل استغل سلطته. في هذه الحالة، تكون العقوبة أشد، ويمكنك تقديم شكواك مباشرة إلى وكيل الجمهورية أو الشرطة القضائية، بالإضافة إلى مفتشية العمل.
2. هل يمكنني استخدام تسجيل صوتي كدليل ضد المتحرش؟
قانوناً، التسجيل الصوتي لشخص دون علمه أو إذن من السلطة القضائية يعتبر تعدياً على الحياة الخاصة. لكن، في الممارسة القضائية، قد يقبل القاضي الجزائي التسجيل الصوتي كـ “بداية ثبوت بالكتابة” أو كقرينة بسيطة تدعم الأدلة الأخرى، لكن لا يمكن الاعتماد عليه كدليل قاطع وحيد. من الأفضل استشارة محامٍ بخصوص هذه النقطة.
3. أخشى فقدان وظيفتي إذا تقدمت بشكوى. ما هي ضماناتي؟
القانون رقم 90-11 يحميك صراحة من الفصل الانتقامي. أي إجراء فصل يتخذه صاحب العمل بعد علمك بشكواك يعتبر تعسفياً ما لم يثبت سبباً آخر مشروعاً. يمكنك فوراً اللجوء لمفتشية العمل ثم القضاء الاجتماعي لإلغاء القرار والحصول على تعويض. توثيقك لشكواك الداخلية (برسالة مسجلة) هو أفضل حماية لك.
4. ما الفرق بين تقديم شكوى لمفتشية العمل وشكوى للشرطة؟
الشكوى لدى الشرطة (المسار الجزائي) تهدف إلى معاقبة الجاني جنائياً (حبس وغرامة) لأن التحرش جريمة. أما الشكوى لدى مفتشية العمل (المسار الاجتماعي) فتهدف لحماية حقوقك كعامل ضمن علاقة العمل، مثل وقف التحرش، إلزام صاحب العمل باتخاذ إجراءات، أو الطعن في الفصل. المساران متكاملان ويمكن اتباعهما معاً.
5. كم هي المدة القانونية لتقديم شكوى تحرش جنسي؟
جريمة التحرش الجنسي هي “جنحة” في القانون الجزائري. تتقادم الدعوى العمومية بخصوص الجنح بمضي ثلاث (3) سنوات كاملة تبدأ من يوم وقوع آخر فعل من أفعال التحرش. لذلك، من المهم عدم التأخر في تقديم الشكوى لضمان عدم سقوط حقك بالتقادم.
الخاتمة
إن مواجهة التحرش الجنسي في مكان العمل تتطلب شجاعة ومعرفة دقيقة بالقانون. المشرع الجزائري وضع ترسانة قانونية قوية لحماية الضحايا ومعاقبة المعتدين. تذكر دائماً: القانون في صفك، وتوثيق الأدلة هو مفتاحك، والاستعانة بمحامٍ مختص هي أفضل خطوة لضمان الدفاع عن حقوقك بشكل فعال. لا تسمح للخوف بأن يسلبك كرامتك وحقك في بيئة عمل آمنة ومحترمة.
المصادر والمراجع
- الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم (لا سيما بالقانون رقم 20-05).
- القانون رقم 90-11 المؤرخ في 21 أبريل 1990، المتعلق بعلاقات العمل، المعدل والمتمم.
- الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 يوليو 2006، المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية.
- الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
- البوابة الإلكترونية لوزارة العدل الجزائرية.




