الإضراب عن العمل في الجزائر حقوق وواجبات قانونية

يُعدّ الإضراب عن العمل أحد أبرز الحقوق الدستورية والضمانات التي أقرّها المشرّع الجزائري للعامل، فهو آلية مشروعة للدفاع عن المصالح المهنية والاجتماعية والاقتصادية، وعادة ما يُلجأ إليه كحل أخير بعد استنفاد كل طرق التسوية الودية للنزاعات. ومع ذلك، فإن هذا الحق، كغيره من الحقوق، ليس مطلقاً بل تحكمه مجموعة من الشروط والإجراءات القانونية الدقيقة. فكثير من العمال في الجزائر، وربما حتى بعض أصحاب العمل، يجدون أنفسهم أمام تساؤلات حول ماهية الإضراب القانوني، وما يترتب عليه من حقوق وواجبات لكلا الطرفين. هل يكفي مجرد التوقف عن العمل لاعتباره إضراباً شرعياً؟ وما هي الحدود الفاصلة بين الإضراب المشروع وتجاوزاته التي قد تؤدي إلى عواقب وخيمة؟ هذا المقال سيسلط الضوء على الإطار القانوني لـ الإضراب عن العمل في الجزائر، موضحاً أهم التفاصيل التي تهم كل عامل ومؤسسة، بهدف تعزيز الوعي القانوني وتجنب الوقوع في المحظور.
الإطار القانوني لحق الإضراب عن العمل في الجزائر
لقد حرص المشرّع الجزائري على تكريس حق الإضراب كضمانة أساسية ضمن منظومة الحقوق والحريات، بدءاً من الوثيقة الدستورية وصولاً إلى القوانين التنظيمية التي تحدد كيفيات ممارسته. هذا التكريس يعكس فهم الدولة لأهمية هذا الحق في التوازن بين مصالح العمال ومصالح المؤسسات.
المبادئ الدستورية والقوانين الأساسية
يُعتبر الدستور الجزائري المرجعية العليا لجميع القوانين، وقد نص صراحة على حق الإضراب. فالمادة 53 من الدستور تنص على أن: “الحق في الإضراب معترف به. يمارس في إطار القانون.” هذا النص الدستوري يؤكد على أمرين أساسيين: الأول هو الاعتراف المطلق بالحق في الإضراب، والثاني هو تقييد هذا الحق بضرورة ممارسته في إطار القانون، مما يعني أن الإضراب ليس فعلاً عفوياً أو فوضوياً، بل هو عملية منظمة تخضع لقواعد وإجراءات محددة.
لتجسيد هذا المبدأ الدستوري، صدرت عدة قوانين من أهمها:
- القانون رقم 90-02 المؤرخ في 6 فبراير 1990 المتعلق بالوقاية من النزاعات الجماعية في العمل وتسويتها وممارسة حق الإضراب. يعتبر هذا القانون هو النص المرجعي الأساسي الذي يحدد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب في القطاع الاقتصادي والقطاع الإداري (غير الوظيفة العمومية بالمعنى الضيق).
- القانون رقم 90-11 المؤرخ في 21 أبريل 1990 المتعلق بعلاقات العمل. على الرغم من تركيزه على العلاقات الفردية والجماعية في العمل، إلا أنه يحدد أيضاً أطراف العلاقة الشغلية ومن يمثل العمال، مما يؤثر بشكل مباشر على كيفية اتخاذ قرار الإضراب.
- المرسوم التنفيذي رقم 90-276 المؤرخ في 10 سبتمبر 1990 الذي يحدد الكيفيات التطبيقية للقانون رقم 90-02. هذا المرسوم يقدم تفاصيل إجرائية هامة حول مراحل تسوية النزاعات الجماعية وكيفية الإخطار بالإضراب وغيرها.
أهمية حق الإضراب وقيوده
يُعدّ حق الإضراب آلية ديمقراطية تتيح للعمال التعبير عن مطالبهم وتحقيق التوازن في العلاقة مع أصحاب العمل، خاصة في ظل وجود اختلالات محتملة في القوة التفاوضية. فهو ليس مجرد توقف عن العمل، بل هو وسيلة ضغط مشروعة تهدف إلى دفع الطرف الآخر (المستخدم) للاستجابة للمطالب المعقولة أو على الأقل التفاوض بجدية أكبر. يمثل هذا الحق صمام أمان اجتماعي يمنع تراكم الاحتقانات العمالية.
ومع ذلك، فإن ممارسة هذا الحق تخضع لقيود ضرورية تهدف إلى حماية المصلحة العامة، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، والحفاظ على استقرار الاقتصاد الوطني. هذه القيود لا تنقص من قيمة الحق، بل تضمن ممارسته بطريقة مسؤولة لا تؤدي إلى الإضرار بمصالح المجتمع ككل. من هذه القيود، ضرورة احترام الإجراءات الشكلية والموضوعية التي سنفصلها لاحقاً، وكذلك مراعاة طبيعة بعض القطاعات الحيوية التي قد يحظر فيها الإضراب كلياً أو جزئياً لضمان الأمن العام أو استمرارية الحياة.
تعريف الإضراب القانوني وشروطه
لكي يُعتبر الإضراب مشروعاً أو قانونياً في الجزائر، يجب أن يستوفي مجموعة من الشروط الجوهرية التي حددها القانون. أي إضراب لا يلتزم بهذه الشروط يُعتبر إضراباً غير قانوني، وتترتب عليه عواقب وخيمة على العمال والممثلين النقابيين.
تعريف الإضراب وفق القانون الجزائري
لا يقدم القانون 90-02 تعريفاً صريحاً وواضحاً للإضراب، لكن من خلال قراءته واستقراء أحكامه، يمكن تعريفه بأنه: “توقف جماعي ومقصود عن العمل من طرف جميع أو جزء من العمال في مؤسسة أو قطاع معين، بهدف تحقيق مطالب مهنية أو اجتماعية أو اقتصادية، وذلك بعد استنفاد كل طرق التسوية الودية للنزاعات الجماعية، ووفقاً للإجراءات والشروط المنصوص عليها في التشريع والتنظيم المعمول بهما.” هذا التعريف يشمل أبعاداً رئيسية: الجماعية، القصدية، الهدف (المطالب)، والالتزام بالإجراءات القانونية.
الشروط الشكلية والموضوعية لممارسة حق الإضراب
تُعدّ هذه الشروط بمثابة صمام الأمان الذي يضمن أن يكون الإضراب ملاذاً أخيراً وليس الخيار الأول. تجاوز أي من هذه الشروط قد يجعل الإضراب غير قانوني.
1. فشل المفاوضات الجماعية وتسوية النزاعات:
يؤكد القانون الجزائري على أن الإضراب يجب أن يكون الملاذ الأخير. فقبل اللجوء إليه، يجب استنفاد جميع مراحل تسوية النزاعات الجماعية المنصوص عليها في القانون 90-02، وهي:
- المصالحة الودية: وهي المرحلة الأولى حيث يحاول أطراف النزاع (المستخدم وممثلو العمال) التوصل إلى حل ودي بأنفسهم أو بمساعدة مفتشية العمل المختصة.
- الوساطة: إذا فشلت المصالحة، يمكن للأطراف اللجوء إلى وسيط (شخص طبيعي أو اعتباري) يختاره الأطراف، أو يعيّن من قبل السلطة الإدارية. مهمة الوسيط هي تقريب وجهات النظر ومحاولة التوصل إلى اتفاق.
- التحكيم: في حال فشل الوساطة، يمكن للأطراف الاتفاق على اللجوء إلى التحكيم، حيث يصدر الحكم التحكيمي قراراً ملزماً للأطراف.
لا يمكن الإعلان عن الإضراب إلا بعد إثبات فشل كل هذه المراحل، أو رفض أحد الطرفين الاستجابة لها بحسن نية. المادة 16 من القانون 90-02 تنص صراحة على أنه “لا يمكن الشروع في الإضراب إلا إذا تم استنفاد إجراءات الوقاية وتسوية النزاعات الجماعية المنصوص عليها في هذا القانون.“
2. قرار الإضراب من قبل ممثلي العمال:
لا يمكن لعدد قليل من العمال أو لفرد واحد اتخاذ قرار الإضراب. يجب أن يصدر القرار من الهيئات المخولة قانوناً بتمثيل العمال، وهي:
- الهيئات النقابية المعتمدة: إذا كانت هناك منظمة نقابية ممثلة للعمال في المؤسسة، فإن قرار الإضراب يجب أن يصدر عن هياكلها الداخلية المختصة (مثلاً: مجلس نقابي، جمعية عامة للنقابيين). يجب أن يكون القرار معبراً عن إرادة أغلبية العمال المنخرطين في النقابة.
- الجمعية العامة للعمال: في المؤسسات التي لا توجد بها تمثيلات نقابية، يمكن للعمال أن يجتمعوا في جمعية عامة تتخذ قرار الإضراب بالأغلبية المطلقة (نصف +1) للأعضاء الحاضرين في الجمعية، بشرط أن يكون العدد يمثل أغلبية عمال المؤسسة (وفقاً للمادة 23 من القانون 90-02).
يجب أن يكون قرار الإضراب واضحاً ومدوناً ومحدد الأسباب والمطالب.
3. الإخطار المسبق (الإنذار بالإضراب):
يُعتبر الإنذار المسبق بالإضراب شرطاً شكلياً جوهرياً. يجب على ممثلي العمال إعلام المستخدم والسلطات الإدارية المختصة (مفتشية العمل) بقرار الإضراب قبل الشروع فيه بمدة كافية. المادة 24 من القانون 90-02 تحدد هذه المدة بـ “ثمانية (8) أيام عمل على الأقل” قبل التاريخ المحدد لبدء الإضراب. يهدف هذا الإنذار إلى:
- منح المستخدم فرصة أخيرة للتفاوض: ومحاولة التوصل إلى حل قبل بدء الإضراب الفعلي.
- تمكين المستخدم من اتخاذ التدابير الوقائية: اللازمة لتقليل الأضرار المحتملة (مثل إعادة جدولة الإنتاج، أو تأمين المنشآت).
- إعلام السلطات: لضمان متابعة الوضع واتخاذ ما يلزم من إجراءات.
يجب أن يتضمن الإخطار بالإضراب بيانات واضحة مثل: تاريخ بدء الإضراب، مدته (إذا كانت محددة)، الأسباب الدافعة للإضراب، والمطالب الأساسية للعمال.
4. احترام الحد الأدنى من الخدمة (المرفق العمومي والمصالح الحيوية):
في بعض القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، مثل الصحة، النقل، الأمن، أو إنتاج وتوزيع الطاقة والمياه، يفرض القانون التزاماً بضمان الحد الأدنى من الخدمة (Service Minimum) حتى أثناء الإضراب. هذا الشرط يهدف إلى الموازنة بين حق العمال في الإضراب وحق المجتمع في الحصول على الخدمات الأساسية. المادة 25 من القانون 90-02 تشير إلى أن “لا يمكن في كل الحالات أن يمس الإضراب بحق المواطن في الأمن والصحة، وتوزيع الماء والطاقة، والوقاية من أخطار الكوارث الطبيعية والصناعية، والمحافظة على البيئة.“
- الاتفاق على الخدمات الدنيا: يجب على ممثلي العمال والمستخدم التفاوض والاتفاق على قائمة الخدمات التي يجب ضمانها وتحديد عدد العمال الضروريين لأدائها خلال فترة الإضراب.
- تدخل السلطات: في حال عدم التوصل إلى اتفاق، يمكن للوالي أو السلطة الإدارية المختصة تحديد هذه الخدمات الدنيا بقرار إداري، وقد يصل الأمر إلى تسخير العمال (إجبارهم على العمل) في بعض الحالات القصوى والضرورية جداً، وهو إجراء استثنائي ومقيد بشروط صارمة.
الالتزام بهذه الشروط يُعدّ حاسماً لضمان مشروعية الإضراب وحماية العمال المضربين من أي تبعات قانونية سلبية.
حقوق وواجبات الأطراف خلال فترة الإضراب
بمجرد الشروع في الإضراب القانوني، تنشأ مجموعة من الحقوق والواجبات على كل من العمال المضربين والمستخدم، تهدف إلى تنظيم هذه الفترة وضمان عدم تجاوز أي طرف لصلاحياته.
حقوق العمال المضربين
إذا كان الإضراب قانونياً (استوفى جميع الشروط والإجراءات)، فإن العمال المضربين يتمتعون بحماية قانونية واسعة:
- الحق في عدم التعرض لإجراءات تأديبية: لا يجوز للمستخدم فصل العمال أو توقيع أي عقوبة تأديبية عليهم لمجرد مشاركتهم في إضراب قانوني. أي إجراء من هذا القبيل يعتبر تعسفياً وقد يؤدي إلى إبطاله قضائياً مع تعويض العامل.
- الحق في العودة إلى العمل: بعد انتهاء الإضراب، سواء بالتوصل إلى اتفاق أو بقرار من العمال، يحق لجميع العمال المضربين العودة إلى مناصب عملهم بنفس الشروط والحقوق التي كانوا يتمتعون بها قبل الإضراب.
- حماية ممثلي العمال: يتمتع الممثلون النقابيون الذين دعوا إلى الإضراب بحماية خاصة تمنع المستخدم من اتخاذ إجراءات انتقامية ضدهم، إلا في حالة ارتكابهم أخطاء جسيمة لا علاقة لها بالإضراب.
مع ذلك، هناك نقطة مهمة يجب فهمها جيداً تتعلق بالأجر خلال فترة الإضراب. المبدأ العام في قانون العمل الجزائري، كما هو الحال في معظم التشريعات، هو “لا عمل لا أجر“. أي أن فترة توقف العمل بسبب الإضراب لا تُحتسب ضمن الأيام المدفوعة الأجر. هذا ليس عقوبة، بل هو نتيجة طبيعية لغياب الأداء الفعلي للعمل. إلا أنه يمكن الاتفاق في نهاية النزاع على دفع جزء أو كل الأجور المتوقفة كجزء من التسوية، وهذا الأمر يخضع للمفاوضات.
واجبات العمال المضربين
على الرغم من تمتعهم بالحق في الإضراب، فإن العمال المضربين عليهم واجبات يجب الالتزام بها لضمان بقاء الإضراب في إطاره القانوني:
- الحفاظ على المنشآت والممتلكات: يجب على العمال المضربين الامتناع عن أي عمل تخريبي أو إتلاف لممتلكات المؤسسة أو تعطيل أدوات الإنتاج.
- عدم عرقلة عمل غير المضربين: لا يجوز للعمال المضربين منع العمال غير المضربين من الوصول إلى أماكن عملهم أو أداء مهامهم، أو الضغط عليهم للانضمام إلى الإضراب.
- احترام الحد الأدنى للخدمة: كما ذكرنا سابقاً، في القطاعات الحيوية، يجب على العمال الالتزام بتوفير الخدمات الدنيا المتفق عليها أو التي تحددها السلطات.
- الامتناع عن ارتكاب أفعال عنف أو تهديد: يجب أن تكون ممارسة الإضراب سلمية وخالية من أي أعمال عنف أو تهديد ضد الأشخاص أو الممتلكات.
حقوق وواجبات المستخدم (صاحب العمل)
للمستخدم أيضاً حقوق وواجبات خلال فترة الإضراب، يجب عليه الالتزام بها لضمان شرعية الإجراءات المتخذة:
- الحق في الدفاع عن ممتلكاته وحماية غير المضربين: يحق للمستخدم اتخاذ جميع الإجراءات القانونية لحماية منشآته ومعداته، وضمان أمن العمال غير المضربين.
- الحق في طلب تعويض عن الأضرار: إذا كان الإضراب غير قانوني وأدى إلى أضرار مادية للمؤسسة، يحق للمستخدم المطالبة بتعويض من العمال أو النقابة المسؤولة عن الدعوة للإضراب.
- واجب التفاوض بحسن نية: على المستخدم أن يظل مستعداً للتفاوض مع ممثلي العمال لحل النزاع، حتى أثناء فترة الإضراب.
- واجب عدم فصل العمال بسبب إضراب قانوني: لا يجوز للمستخدم استغلال الإضراب القانوني كذريعة لإنهاء علاقة العمل أو اتخاذ إجراءات تعسفية ضد العمال.
- واجب احترام حرية العمل: لا يجوز للمستخدم الضغط على العمال المضربين لإنهاء إضرابهم أو منعهم من ممارسة حقهم المشروع، طالما ظل الإضراب في إطاره القانوني.
مقارنة بين الإضراب القانوني والإضراب غير القانوني
يُعدّ فهم الفروقات الجوهرية بين الإضراب القانوني وغير القانوني أمراً بالغ الأهمية لتجنب العواقب السلبية. يوضح الجدول التالي أبرز هذه الفروقات:
| المعيار | الإضراب القانوني (المشروع) | الإضراب غير القانوني (غير المشروع) |
|---|---|---|
| استيفاء الشروط القانونية | يستوفي جميع الشروط الشكلية والموضوعية (فشل التسوية، قرار شرعي، إنذار مسبق، حد أدنى للخدمة). | لا يستوفي شرطاً واحداً أو أكثر من الشروط القانونية. |
| الإخطار المسبق | تم تبليغ المستخدم ومفتشية العمل قبل 8 أيام عمل على الأقل. | لم يتم التبليغ أو تم بمدة أقل من المدة القانونية. |
| أثر على علاقة العمل | تعليق لعقد العمل، لا يؤدي إلى إنهائه. | يعتبر خطأ مهنياً جسيماً، وقد يؤدي إلى إنهاء عقد العمل. |
| صرف الأجر | مبدأ “لا عمل لا أجر” هو الأصل، وقد يتم الاتفاق على تعويض لاحقاً. | لا يتم صرف الأجر، ولا يوجد أي حق في تعويض لاحق. |
| المسؤولية عن الأضرار | لا تترتب مسؤولية تعويض على العمال أو النقابة، ما لم يتم إثبات تخريب. | يمكن للمستخدم المطالبة بتعويض عن الأضرار التي لحقت به من العمال أو النقابة. |
| الإجراءات التأديبية | لا يجوز اتخاذ إجراءات تأديبية ضد العمال المشاركين. | يمكن اتخاذ إجراءات تأديبية تصل إلى حد الفصل دون تعويض أو إشعار. |
| حماية ممثلي العمال | يتمتعون بحماية قانونية ولا يجوز ملاحقتهم بسبب الإضراب. | يمكن ملاحقتهم (إدارياً وقضائياً) وقد يتعرضون لعقوبات. |
عواقب الإضراب غير القانوني
إن عدم احترام الشروط والإجراءات القانونية لممارسة حق الإضراب يجعل منه عملاً غير مشروع، وتترتب عليه عواقب وخيمة قد تؤثر سلباً على العمال المضربين، ممثليهم، وعلى علاقة العمل برمتها.
على العمال
إن المشاركة في إضراب غير قانوني تعرض العمال مباشرة لإجراءات عقابية صارمة:
- الفصل التأديبي: يعتبر التوقف عن العمل في إضراب غير مشروع خطأً مهنياً جسيماً، يمنح المستخدم الحق في فصل العمال المشاركين دون إشعار ودون تعويض، وقد يؤيد القضاء هذا الفصل إذا ثبت عدم مشروعية الإضراب.
- عدم دفع الأجر: بالإضافة إلى عدم دفع الأجر عن فترة التوقف، قد يُلزم العمال بإرجاع أي مبالغ تم دفعها لهم عن طريق الخطأ أو عن أيام لم يعملوا فيها.
- إمكانية المتابعة القضائية: في بعض الحالات، خاصة إذا تضمن الإضراب غير القانوني أعمال تخريب للممتلكات، أو عرقلة حرية العمل، أو عنف، يمكن متابعة العمال قضائياً بتهم مثل الاعتداء على الممتلكات أو الإخلال بالنظام العام، وتُطبّق عليهم العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات الجزائري.
على النقابة/ممثلي العمال
الممثلون النقابيون الذين يدعون إلى إضراب غير قانوني يتحملون أيضاً مسؤولية كبيرة:
- إمكانية سحب الاعتماد النقابي: إذا ثبت أن النقابة أو ممثليها قد دعوا إلى إضراب غير قانوني، يمكن للسلطات الإدارية المختصة (وزارة العمل) سحب الاعتماد النقابي منهم، مما يعني فقدانهم للصفة التمثيلية وحقهم في ممارسة النشاط النقابي.
- المسؤولية عن الأضرار: يمكن للمستخدم المطالبة بتعويضات عن الأضرار المادية التي لحقت بالمؤسسة جراء الإضراب غير القانوني، وتكون النقابة أو ممثلو العمال مسؤولين عن هذه التعويضات.
- المتابعة الجزائية: في الحالات التي تتضمن تجاوزات خطيرة (مثل التحريض على العنف أو التخريب)، يمكن متابعة ممثلي العمال جزائياً.
الإضراب في قطاع الوظيفة العمومية: خصوصية وتحديات
يتميز حق الإضراب في قطاع الوظيفة العمومية ببعض الخصوصية مقارنة بالقطاع الاقتصادي، نظراً لطبيعة الخدمات التي يقدمها المرفق العام والتي غالباً ما تكون أساسية للمواطن والمجتمع. يخضع هذا القطاع لأحكام الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 يوليو 2006 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية، والذي يكرس حق الإضراب للموظفين، لكن ضمن قيود أشد صرامة.
تتمثل هذه الخصوصية في:
- القطاعات المحظور فيها الإضراب كليًا أو جزئيًا: هناك قطاعات وظيفية محددة لا يُسمح فيها بالإضراب على الإطلاق أو يُقيد بشدة، نظراً لطبيعة مهامها الحساسة والمرتبطة مباشرة بالأمن الوطني، الدفاع، الصحة العمومية، القضاء، السجون، وحماية المدنيين. فالمادة 38 من القانون 90-02 والمادة 154 من الأمر 06-03 تحددان هذه القطاعات. الهدف هو ضمان استمرارية المرفق العام وحماية الأمن والنظام العام.
- إجراءات خاصة: حتى في القطاعات التي يُسمح فيها بالإضراب، تكون الإجراءات أكثر تعقيداً وقد تتطلب موافقات من سلطات إدارية عليا، مع تشديد على ضرورة ضمان الحد الأدنى من الخدمة بشكل أكبر.
- آليات تسوية النزاعات: تعتمد آليات تسوية النزاعات في الوظيفة العمومية على الهياكل الإدارية المختصة، وقد تكون هناك لجان مصالحة داخلية أو لجان استشارية قبل الوصول إلى مرحلة الإضراب.
في الممارسة، عادة ما يكون الإضراب في قطاع الوظيفة العمومية أكثر صعوبة وقيوداً، ويتعرض الموظفون الذين يخالفون هذه القواعد لعقوبات تأديبية صارمة قد تصل إلى الفصل.
نصائح قانونية عملية لممارسة حق الإضراب بفعالية
لمن يفكر في ممارسة حق الإضراب، سواء كعامل أو كممثل نقابي، إليك بعض النصائح القانونية والعملية الهامة التي يمكن أن تُحدث فرقاً بين إضراب ناجح ومحمي قانونياً، وآخر فاشل يعرض المشاركين للمساءلة:
- الاستشارة القانونية المسبقة: قبل اتخاذ أي خطوة، استشر محامياً متخصصاً في قانون العمل الجزائري. هذا يضمن فهمك الدقيق للوضع القانوني، وتقييم مدى شرعية مطالبكم، وخطوات الإجراءات الواجب اتباعها.
- توثيق جميع الإجراءات: احرص على توثيق كل مرحلة من مراحل النزاع الجماعي: محاضر الاجتماعات، رسائل المطالب، طلبات المصالحة، إشعارات الإنذار بالإضراب، وحتى محاضر فشل المفاوضات. هذه الوثائق هي دليلك الوحيد في حال اللجوء إلى القضاء.
- الالتزام الصارم بالآجال: لا تتهاون أبداً في احترام الآجال القانونية للإخطار بالإضراب (8 أيام عمل). أي تأخير أو خطأ في الحساب قد يُبطل الإضراب.
- التفاوض بحسن نية: حتى بعد الإعلان عن الإضراب، حافظ على قنوات الاتصال مفتوحة ومستعداً للتفاوض مع المستخدم. إظهار حسن النية في التفاوض يعزز موقفكم القانوني ويظهر أن الإضراب هو الحل الأخير.
- تحديد مطالب واضحة وواقعية: يجب أن تكون المطالب محددة، قانونية، وواقعية قدر الإمكان. المطالب العامة أو غير القانونية تضعف موقفكم.
- ضمان الحد الأدنى للخدمة في القطاعات الحيوية: إذا كنتم تعملون في قطاع حيوي، فتأكدوا من الاتفاق على الخدمات الدنيا أو الالتزام بما تحدده السلطات، لتجنب اتهامكم بالإضرار بالمصلحة العامة.
- التوعية القانونية للعمال: قبل الشروع في الإضراب، يجب توعية جميع العمال المشاركين بحقوقهم وواجباتهم، وبما يمكن توقعه خلال الإضراب وبعده، خاصة فيما يتعلق بمسألة الأجر.
- تجنب أعمال العنف والتخريب: حافظوا على الطابع السلمي للإضراب. أي أعمال عنف أو تخريب للممتلكات تجعل الإضراب غير قانوني وتعرّض المشاركين للمتابعة الجزائية.
تحذير: مفاهيم خاطئة شائعة حول الإضراب في الجزائر
هناك العديد من المفاهيم الخاطئة التي تتداول بين العمال وأحياناً حتى بين المستخدمين، والتي قد تؤدي إلى الوقوع في مشاكل قانونية عند ممارسة الإضراب:
- “أي توقف عن العمل هو إضراب مشروع”: هذا خطأ فادح. التوقف العشوائي أو الفردي عن العمل، أو التوقف دون استيفاء الشروط القانونية، لا يُعتبر إضراباً مشروعاً بل تخلياً عن منصب العمل أو غياباً غير مبرر، ويُعرض العامل للفصل.
- “لا داعي للإنذار المسبق إذا كانت المطالب واضحة”: مفهوم خاطئ تماماً. الإنذار المسبق لمدة 8 أيام عمل هو شرط شكلي جوهري، وعدم الالتزام به يجعل الإضراب غير قانوني بغض النظر عن وضوح المطالب.
- “العامل يتقاضى أجره كاملاً أثناء الإضراب”: هذا ليس صحيحاً في معظم الحالات. المبدأ هو “لا عمل لا أجر”، إلا إذا تم الاتفاق على خلاف ذلك في نهاية المفاوضات أو التسوية.
- “الإضراب يمكن أن يكون ضد قرارات الحكومة مباشرة”: الإضراب في قانون العمل الجزائري موجه أساساً ضد المستخدم لتحقيق مطالب مهنية أو اجتماعية أو اقتصادية في إطار علاقة العمل. الإضرابات السياسية أو الموجهة ضد قرارات عامة للحكومة قد تخرج عن نطاق الإضراب القانوني في قانون العمل.
- “المستخدم لا يستطيع اتخاذ أي إجراء ضد المضربين”: هذا صحيح فقط إذا كان الإضراب قانونياً. أما إذا كان غير قانوني، فلدى المستخدم كل الحق في اتخاذ إجراءات تأديبية قد تصل إلى الفصل، ومطالبة بتعويض عن الأضرار.
- “الإضراب يعني تعطيل كل شيء في المؤسسة”: في القطاعات الحيوية، هناك التزام بضمان الحد الأدنى من الخدمة، وعدم الالتزام به يخرج الإضراب عن طابعه القانوني.
أسئلة شائعة حول الإضراب عن العمل في الجزائر (FAQ)
- س1: هل يمكن للعامل الفردي الإضراب؟
- ج1: لا، القانون الجزائري يتحدث عن “النزاعات الجماعية” و”ممارسة حق الإضراب” كحق جماعي. الإضراب بطبيعته هو توقف جماعي عن العمل. التوقف الفردي عن العمل لا يُعد إضراباً قانونياً بل غياباً غير مبرر أو تخلياً عن منصب العمل، ويُعرض العامل للفصل.
- س2: ما هي مدة الإنذار بالإضراب في الجزائر؟
- ج2: يجب على ممثلي العمال تبليغ المستخدم ومفتشية العمل المختصة بقرار الإضراب قبل ثمانية (8) أيام عمل على الأقل من التاريخ المحدد للشروع فيه، وفقاً للمادة 24 من القانون 90-02.
- س3: هل يمكن للمستخدم فصل العمال بسبب الإضراب؟
- ج3: لا يمكن للمستخدم فصل العمال إذا كان الإضراب قانونياً، حيث أن المشاركة في إضراب مشروع هي حق دستوري محمي قانوناً. أما إذا كان الإضراب غير قانوني (لم يستوفِ الشروط والإجراءات)، فيُعتبر التوقف عن العمل خطأً مهنياً جسيماً يمنح المستخدم الحق في فصل العمال المشاركين دون تعويض أو إشعار.
- س4: هل أتقاضى أجري خلال فترة الإضراب؟
- ج4: المبدأ العام في القانون الجزائري هو “لا عمل لا أجر“. وبالتالي، لا يُدفع الأجر عن الأيام التي توقف فيها العامل عن العمل بسبب الإضراب. ومع ذلك، يمكن أن يتم التفاوض على تعويض جزئي أو كلي عن الأجور المتوقفة كجزء من اتفاق إنهاء النزاع.
- س5: ما هي الجهة المختصة بتسوية نزاعات العمل الجماعية في الجزائر؟
- ج5: وفقاً للقانون 90-02، تمر تسوية نزاعات العمل الجماعية بثلاث مراحل أساسية: المصالحة (أولاً بين الأطراف ثم بمساعدة مفتشية العمل)، الوساطة (اختياري)، ثم التحكيم (اختياري). مفتشية العمل تلعب دوراً محورياً في مرحلة المصالحة. في حال فشل جميع هذه الطرق، يمكن اللجوء إلى الإضراب كحل أخير.
الخاتمة: دعوة للفهم وتطبيق القانون
إن حق الإضراب عن العمل في الجزائر يمثل صمام أمان قانونياً ودستورياً يكفل للعمال الدفاع عن مصالحهم وتحسين ظروفهم. إلا أن هذا الحق، وكما رأينا، ليس مجرد فعل عشوائي، بل هو عملية محكومة بقواعد وإجراءات دقيقة، يتجاهلها الكثيرون. إن الفهم العميق لهذه القواعد والالتزام بها هو السبيل الوحيد لضمان ممارسة هذا الحق بفعالية، وحماية المضربين من أي تبعات سلبية. كما أن على أصحاب العمل والإدارات أن يتفهموا أن احترام هذا الحق والتعامل بجدية مع النزاعات الجماعية هو جزء من الإدارة السليمة للعلاقات المهنية.
إن إعمال القانون يصب في مصلحة الجميع؛ فهو يحمي حقوق العمال، ويضمن استقرار المؤسسات، ويصون المصلحة العامة. لذا، قبل الإقدام على أي خطوة تتعلق بالإضراب، ندعو الجميع إلى التسلح بالوعي القانوني والعمل وفقاً لأحكام التشريع المعمول به في بلادنا، للحفاظ على السلم الاجتماعي واستدامة بيئة عمل عادلة ومنتجة. موقع أخبار الجزائر، akhbardz.com، يؤكد دوماً على أهمية نشر الوعي القانوني لكل مواطن جزائري.
لا تتردد في استشارة محامٍ متخصص لضمان حقوقك وتجنب الوقوع في الأخطاء القانونية، فالمعرفة هي درعك الواقي.
المصادر
- الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، العدد 6 لسنة 1990، متضمنة القانون رقم 90-02 المؤرخ في 6 فبراير 1990 المتعلق بالوقاية من النزاعات الجماعية في العمل وتسويتها وممارسة حق الإضراب. (الجريدة الرسمية)
- الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، العدد 17 لسنة 1990، متضمنة القانون رقم 90-11 المؤرخ في 21 أبريل 1990 المتعلق بعلاقات العمل. (الجريدة الرسمية)
- الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، العدد 40 لسنة 1990، متضمنة المرسوم التنفيذي رقم 90-276 المؤرخ في 10 سبتمبر 1990 الذي يحدد الكيفيات التطبيقية للقانون رقم 90-02. (الجريدة الرسمية)
- الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، العدد 46 لسنة 2006، متضمنة الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 يوليو 2006 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية. (الجريدة الرسمية)
- وزارة العدل الجزائرية: الموقع الرسمي (للاطلاع على المنشورات القانونية والتحديثات). (وزارة العدل)
- وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي: الموقع الرسمي (للاطلاع على الإجراءات والتنظيمات المتعلقة بالعمل). (وزارة العمل)




