دعوة الناس إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في المجتمع الجزائري

بالتأكيد. بصفتي باحثًا في العلوم الشرعية ومحرر محتوى إسلامي، سأصوغ لك هذا الدليل المرجعي الشامل بصيغة HTML خام، مع الالتزام الدقيق بجميع التعليمات الفنية والمحتوائية.
إن الدعوة إلى الله تعالى من أشرف المقامات وأعظم القربات، فهي مهمة الأنبياء والمرسلين وسبيل ورثتهم من العلماء والصالحين. لكن في خضم تسارع الحياة وتلاطم الأفكار، شاب هذا المفهوم العظيم الكثير من الغبش وسوء الفهم في واقعنا المعاصر، لا سيما في مجتمعنا الجزائري المحافظ. فبين إفراطٍ يلبس ثوب الغيرة على الدين وهو في حقيقته غلو وتنفير، وتفريطٍ يتذرع بالواقعية وهو في جوهره تمييع وتخذيل، ضاعت معالم المنهج الرباني الأصيل: الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. هذا الدليل ليس مجرد تذكير، بل هو محاولة تأصيلية لإعادة هذا المفهوم إلى نصابه الصحيح، وبيان كيف يكون المسلم داعية بسلوكه قبل لسانه، وبحكمته قبل حماسته.
1. المفهوم الشرعي للدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة
لفهم هذا المبدأ العظيم، لا بد من تفكيك مصطلحاته الأساسية لغةً واصطلاحًا، وإزالة التصورات الخاطئة العالقة به.
المعنى اللغوي
- الحكمة: من “الإحكام”، وهو الإتقان والمنع. والحكمة هي وضع الشيء في موضعه الصحيح، وإصابة الحق بالعلم والعقل. فهي تجمع بين المعرفة الصائبة والقدرة على تطبيقها في الوقت والمكان المناسبين.
- الموعظة: هي التذكير بالخير والترغيب فيه، والتحذير من الشر والترهيب منه، بأسلوب يلين القلوب ويوقظ الضمائر.
- الحسنة: قيدٌ للموعظة، يدل على أنها يجب أن تكون بالتي هي أحسن، أي بالرفق واللين والشفقة على المخاطَب، لا بالتعنيف أو التشهير.
المعنى الاصطلاحي
في الاصطلاح الشرعي، الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة هي: “تبليغ دين الله للناس وفق منهج يراعي أحوالهم وقدراتهم، باستخدام الأسلوب الأنفع والأكثر تأثيرًا في قلوبهم، بهدف هدايتهم وإصلاحهم، لا إفحامهم أو تعجيزهم”. فالحكمة تقتضي مخاطبة كل شخص بما يناسبه؛ فالعالم يُخاطَب بالدليل والبرهان، والعامي يُخاطَب بالترغيب والترهيب، والغافل يُذكَّر بالموعظة اللينة. إن فهم هذه الأصول يفتح الباب لممارسة الدعوة بشكل صحيح، وهو ما نسعى لتفصيله في العديد من المواضيع التي تجدونها في تابع الشؤون الدينية في الجزائر على موقعنا.
2. الأصل القرآني والنبوي: أدلة راسخة ومنهج حياة
لم يأتِ هذا المنهج من اجتهاد بشري، بل هو أمر إلهي وتطبيق نبوي مباشر.
أدلة من القرآن الكريم
الآية المحورية في هذا الباب هي قول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125). يقول الإمام السعدي في تفسيرها: “أي ليكن دعاؤك للناس… كلٌّ بحسب حاله وفهمه وقبوله وانقياده. ومنها: الحكمة، وهي الدعوة بالعلم لا بالجهل، والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم”.
وحتى مع أعتى الطغاة، يأمر الله باللين: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ (طه: 43-44). فإذا كان هذا هو الأسلوب مع فرعون، فكيف يجب أن يكون مع إخواننا المسلمين؟
أدلة من السنة النبوية المطهرة
حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها تطبيق عملي لهذا المنهج. من أروع الأمثلة: قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فهمَّ به الصحابة ليقعوا به، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (رواه البخاري). ثم دعا الأعرابي وعلّمه برفق أن المساجد لا تصلح لشيء من هذا القذر. انظر إلى الحكمة: عالج الموقف، وحفظ كرامة الرجل، وعلّمه، وأصّل قاعدة التيسير في الدعوة.
3. فهم السلف والعلماء للموضوع
أجمع علماء الأمة على أن الحكمة والرفق أصل في الدعوة والإنكار. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “الحكمة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي”. وهذا تعريف جامع مانع، يؤكد أن الدعوة ليست معلومات تُلقى، بل هي فن يراعي كل الظروف المحيطة.
وكان سفيان الثوري رحمه الله يقول: “لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر عدل بما ينهى، عالم بما يأمر عالم بما ينهى”. فجمع بين العلم والعدل والرفق، وهي أركان الحكمة.
نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية
تذكر دائمًا: إن القلوب بيد الله، ومهمتك هي البلاغ الحسن، لا فرض الهداية. فلتكن دعوتك رحمة للمدعو، لا إقامة حجة عليه. إن كلمة طيبة مع ابتسامة صادقة قد تفتح بابًا أغلقه ألف خطاب عنيف.
4. التطبيق العملي في واقعنا الجزائري
كيف نترجم هذه المبادئ إلى واقع ملموس في بيوتنا وشوارعنا وأماكن عملنا في الجزائر؟
ممارسات دعوية حكيمة:
- القدوة الصالحة: أن تكون أنت نفسك تطبيقًا حيًا لما تدعو إليه. استقامتك في عملك، وصدقك في تعاملاتك، وبرك بوالديك، هو أقوى دعوة صامتة.
- اختيار الوقت والمكان: لا تُنكر على شخص أمام الناس فتفضحه، بل خذه جانبًا وانصحه بمحبة. لا تناقش أمورًا دقيقة مع شخص متعب أو غاضب.
- التدرج في الدعوة: ابدأ بالأصول والكليات (كالتوحيد والصلاة) قبل الفروع والجزئيات. لا تبدأ مع تارك الصلاة بالحديث عن تقصير الثوب.
- استخدام الوسائل العصرية: يمكن توظيف وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الخير، لكن بحكمة، عبر محتوى رصين ومفيد، لا عبر الجدالات العقيمة والمهاترات.
أخطاء شائعة في التطبيق:
- الغلظة والفظاظة: استخدام أسلوب التعيير والهجوم، ظنًا أن هذا من “الغيرة على الدين”.
- التشهير العلني: فضح أخطاء الناس على الملأ، وهو ما يورث العداوة ويغلق باب القبول.
- التركيز على القشور: إهمال قضايا الأمة الكبرى والتركيز على مسائل خلافية أو شكلية تفرق ولا تجمع.
- اليأس من الناس: الحكم على الناس بالهلاك والضلال، وترك دعوتهم ونصحهم.
5. الآثار الإيمانية والسلوكية للمنهج الصحيح
عندما تُطبق الدعوة بمنهجها الصحيح، فإن ثمارها تعم الفرد والمجتمع.
- على الفرد: تزيد إيمانه وتصقل أخلاقه، وتجعله محبوبًا ومقبولًا بين الناس، وتفتح له أبواب الأجر العظيم.
- على الأسرة: تبني علاقات قائمة على المحبة والنصح الهادئ، فينشأ الأبناء على حب الدين لا الخوف منه.
- على المجتمع: تنشر الألفة والمحبة، وتقلل من حدة الخلافات، وتقدم صورة مشرقة عن الإسلام، وتحصن المجتمع الجزائري من تيارات الغلو والتطرف.
سؤال وجواب: تصحيح مفهوم خاطئ
السؤال: أليست الشدة مطلوبة في بعض الأحيان لإنكار المنكر؟ ألا يتعارض هذا مع الحكمة؟
الجواب: الحكمة ليست مرادفة للضعف أو التمييع الدائم. الحكمة هي “وضع الشيء في موضعه”. فالأصل هو اللين والرفق، ولكن قد تقتضي الحكمة أحيانًا استخدام الشدة في موضعها الصحيح، كحال الوالد مع ولده، أو الحاكم مع الرعية، أو مع المجاهر بالفسق المعاند للحق. لكن هذه حالات استثنائية يقدرها أهل العلم والبصيرة، وليست هي الأصل الذي ينطلق منه كل فرد. فالشدة بغير حكمة هي “تهور”، واللين في غير محله هو “ضعف”.
6. انحرافات ومفاهيم خاطئة حول الدعوة
هناك تياران منحرفان يهددان هذا المنهج القويم:
- الغلو والتطرف: وهو تيار يرى الدعوة من منظور الصدام والغلظة، ويكفّر بالمعصية، ويستعجل النتائج، ويحتقر المخالفين. هذا المسلك ينفّر الناس من الدين ويشوه صورته، وهو مخالف لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم.
- التفريط والتمييع: وهو تيار يرى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدخل في حريات الآخرين، فيدعو إلى ترك الناس وما هم عليه تحت شعارات “كل واحد حر” أو “الدين يسر”. وهذا تفريط في واجب شرعي عظيم، وهو سبب من أسباب هلاك الأمم.
7. أسئلة شائعة (FAQ)
س1: ماذا أفعل إذا نصحت شخصًا ولم يستجب، بل رد عليّ بسوء؟
مهمتك هي البلاغ، والهداية بيد الله. إذا أديت واجبك بالحكمة والرفق، فقد برئت ذمتك ونلت أجرك. قابل إساءته بالإحسان أو الإعراض الجميل، ولا تدخل معه في جدال، وادعُ له بالهداية في ظهر الغيب.
س2: هل الدعوة مقتصرة على العلماء وطلبة العلم؟
الدعوة مراتب. هناك دعوة عامة مطلوبة من كل مسلم، وهي دعوة بأخلاقه وسلوكه، ونصح إخوانه فيما يعلمه يقينًا من أمور الدين (كالحث على الصلاة والصدق). وهناك دعوة خاصة في المسائل الدقيقة والخلافية، وهذه لا يتصدى لها إلا العلماء الراسخون.
س3: كيف أدعو والديّ أو من هم أكبر مني سنًا إذا رأيت منهم تقصيرًا؟
يكون ذلك بمنتهى الأدب والتوقير. لا تستخدم صيغة الأمر المباشر، بل صيغة العرض والتذكير اللطيف. مثلاً: “يا أبي، ألا نصلي جماعة في المسجد اليوم؟” أو “سمعت فائدة جميلة وأحببت أن أشاركها معكم”. وقبل كل ذلك، كن أنت أشد الناس برًا بهما.
س4: ما هو الضابط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للدعوة؟
الضابط هو أن تكون وسيلة لنشر العلم النافع والأخلاق الحسنة، لا ساحة للجدال والسباب والتشهير. انشر ما هو موثوق، وتجنب الخوض في الفتن، واجعل حسابك منبرًا للخير والكلمة الطيبة.
س5: هل يجوز للمرأة أن تقوم بالدعوة إلى الله؟
نعم، المرأة كالرجل في واجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن في النطاق الذي يناسب فطرتها ويحفظ حياءها، كدعوة أخواتها وقريباتها وصديقاتها، وفي الأوساط النسائية. وتاريخ الإسلام حافل بالداعيات والعالمات.
الخاتمة: دعوة الرحمة هي سبيل النجاة
إن الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ليست خيارًا تكتيكيًا، بل هي جوهر المنهج الرباني الذي يهدف إلى بناء الإنسان وإصلاح المجتمع. إنها دعوة قائمة على الرحمة والشفقة بالخلق، وهي الترجمة الحقيقية لقوله تعالى عن نبيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. فلنكن جميعًا سفراء رحمة لديننا في مجتمعنا، ندعو بأفعالنا قبل أقوالنا، وبحكمتنا قبل عواطفنا، لننال رضى الله ونساهم في صلاح أمتنا.
لإثراء معرفتكم أكثر في هذا الباب وغيره من القضايا الإيمانية والسلوكية، ندعوكم لتصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد، حيث تجدون المزيد من المقالات الموثوقة والتحليلات العميقة.
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.




