عقوبات حرق الغابات في القانون الجزائري وأثرها على البيئة

تُعد حرائق الغابات في الجزائر كارثة بيئية واقتصادية متكررة، حيث تلتهم النيران سنوياً آلاف الهكتارات من الثروة الغابية، مهددة التنوع البيولوجي وحياة المواطنين. وأمام تفاقم هذه الظاهرة، تبنى المشرع الجزائري سياسة عقابية صارمة، متخذاً من الردع أداة أساسية لحماية هذا الإرث الوطني. إن فهم عقوبات حرق الغابات في القانون الجزائري لم يعد مجرد ثقافة قانونية، بل ضرورة ملحة لكل مواطن، سواء كان مالكاً لأرض فلاحية، أو مستثمراً، أو مجرد متنزه في أحضان الطبيعة.
الإطار القانوني الجديد لمكافحة حرائق الغابات في الجزائر
شهدت الترسانة القانونية الجزائرية نقلة نوعية في التعامل مع جرائم الغابات، حيث تم إصدار نص تشريعي خاص يهدف إلى تشديد العقوبات وتحديد المسؤوليات بدقة. السند القانوني الأساسي اليوم هو القانون رقم 23-21 المؤرخ في 28 ديسمبر 2023، المتعلق بالغابات والثروة الغابية. هذا القانون الجديد ألغى الأحكام المخالفة له وأسس لمقاربة أكثر صرامة، تضاف إلى الأحكام ذات الصلة في الأمر رقم 66-156 المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم.
تكمن أهمية هذا القانون في أنه لم يعد ينظر إلى حرق الغابات كجنحة بسيطة، بل ارتقى به في بعض الحالات إلى مصاف الجنايات الخطيرة التي تهدد الأمن القومي والاقتصادي والبيئي للبلاد.
تصنيف جرائم إضرام النار في الغابات والعقوبات المقررة
يفرق القانون الجزائري بوضوح بين الفعل العمدي (الأصيل) والفعل غير العمدي (الناتج عن الإهمال والتقصير)، مع ترتيب عقوبات متفاوتة لكل حالة، وتشديدها بشكل كبير عند اقترانها بظروف معينة.
1. الحرق العمدي للغابات (الجناية)
يعتبر إضرام النار عمداً في الغابات أو الأملاك الغابية جناية يعاقب عليها القانون بشدة. وقد نصت المادة 53 من القانون 23-21 على عقوبات صارمة، والتي تتناغم مع ما ورد في قانون العقوبات:
- العقوبة الأصلية: يعاقب بالسجن المؤبد كل من أضرم النار عمداً في الغابات أو الأحراش أو مناطق زراعة النباتات التي تشكل جزءاً من الثروة الغابية الوطنية.
- الغرامة المالية: بالإضافة إلى السجن، تفرض غرامة مالية تتراوح من 2.000.000 دج إلى 5.000.000 دج.
2. الظروف المشددة التي ترفع العقوبة إلى الإعدام
تتحول العقوبة إلى الإعدام في حال ترتب على الحريق العمدي وفاة شخص أو أكثر. هذا التشديد يعكس نظرة المشرع إلى أن الفعل لم يعد مجرد إتلاف للممتلكات البيئية، بل أصبح قتلاً مع سبق الإصرار، حيث أن الجاني كان يتوقع إمكانية حدوث الوفاة نتيجة فعله الإجرامي.
كما تشدد العقوبات إذا ارتكبت الجريمة في ظروف معينة، مثل:
- ارتكابها من طرف جماعة إجرامية منظمة.
- إذا كان الغرض من الحريق هو تسهيل ارتكاب جريمة أخرى.
- إذا كان الفعل يهدف إلى المساس بالأمن الوطني أو استقرار مؤسسات الدولة.
3. الحرق غير العمدي (الجنحة الناتجة عن الإهمال)
لم يغفل القانون عن الأفعال التي تتسبب في حرائق الغابات نتيجة الإهمال أو عدم الاحتياط. وتعتبر هذه الأفعال جنحة يعاقب عليها القانون. تنص المادة 55 من قانون الغابات على ما يلي:
- العقوبة الأساسية: يعاقب بالحبس من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات وبغرامة مالية من 100.000 دج إلى 300.000 دج، كل من تسبب، عن غير قصد، في حريق أدى إلى إتلاف أملاك غابية للغير.
- أمثلة عن الإهمال:
- ترك نار موقدة دون إطفائها بالكامل.
- رمي أعقاب السجائر المشتعلة.
- القيام بأعمال شرر (مثل التلحيم) بالقرب من مناطق جافة دون اتخاذ الاحتياطات.
- حرق بقايا المحاصيل الزراعية بشكل غير متحكم فيه بالقرب من الغابات.
جدول ملخص للعقوبات الرئيسية لحرائق الغابات
لتسهيل فهم الفروقات، يوضح الجدول التالي العقوبات الأساسية وفقاً لطبيعة الجريمة:
| نوع الجريمة | السند القانوني (قانون 23-21) | عقوبة الحبس/السجن | الغرامة المالية (دج) |
|---|---|---|---|
| الحرق العمدي (الحالة العادية) | المادة 53 | السجن المؤبد | من 2.000.000 إلى 5.000.000 |
| الحرق العمدي الذي أدى إلى وفاة | المادة 53 وقانون العقوبات | الإعدام | – |
| الحرق غير العمدي (إهمال) | المادة 55 | من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات حبساً | من 100.000 إلى 300.000 |
العقوبات التكميلية ومسؤولية الشخص المعنوي
لا تقتصر العقوبات على الحبس والغرامة، بل تتعداها إلى تدابير إضافية تهدف إلى زيادة الردع ومنع تكرار الجريمة.
العقوبات التكميلية للأشخاص الطبيعيين:
- المصادرة: مصادرة جميع الأدوات والوسائل التي استخدمت في ارتكاب الجريمة.
- الحرمان من الحقوق: الحرمان من ممارسة بعض الحقوق الوطنية والمدنية والعائلية.
- المنع من الإقامة: يمكن للقاضي أن يمنع المحكوم عليه من الإقامة في المنطقة التي وقعت فيها الجريمة لمدة تصل إلى 5 سنوات.
- الإقصاء من الصفقات العمومية: يمكن إقصاء الشخص المحكوم عليه من المشاركة في الصفقات العمومية.
مسؤولية الشخص المعنوي (الشركات، الجمعيات):
إذا ارتكبت الجريمة من طرف شركة أو جمعية أو أي شخص معنوي آخر، فإن العقوبات تكون مالية وإدارية بشكل أساسي:
- غرامة مضاعفة: تفرض على الشخص المعنوي غرامة تساوي خمس (5) مرات الحد الأقصى للغرامة المقررة للشخص الطبيعي.
- العقوبات الإدارية: يمكن أن تصل العقوبة إلى حل (إغلاق) الشخص المعنوي نهائياً أو إغلاق أحد فروعه، مع مصادرة أصوله ومنعه من ممارسة نشاطه.
نصيحة الخبير القانوني
إذا كنت من ضحايا حريق غابة امتد إلى أرضك أو ممتلكاتك، فإن أول وأهم خطوة هي التوثيق الفوري. قبل إزالة أي شيء، قم بالتقاط صور وفيديوهات واضحة للأضرار من زوايا مختلفة. حاول الحصول على شهادات من الجيران. بعد ذلك، اطلب من محضر قضائي إجراء معاينة رسمية لإثبات حالة الأضرار. هذا “الملف التوثيقي” هو أقوى سلاح لك عند تأسيسك كطرف مدني أمام المحكمة للمطالبة بالتعويض عن الخسائر التي لحقت بك.
إجراءات التبليغ عن حريق والمطالبة بالتعويض
مكافحة حرائق الغابات هي مسؤولية جماعية، تبدأ من المواطن. معرفة الإجراءات الصحيحة للتبليغ والمطالبة بالحقوق أمر جوهري.
واجب التبليغ الفوري
كل مواطن يشاهد بداية حريق أو يملك معلومات عن شخص يخطط لإضرام النار، ملزم قانوناً وأخلاقياً بالتبليغ الفوري. الأرقام الخضراء المخصصة لذلك هي:
- الحماية المدنية: 14 أو 1021
- الدرك الوطني: 1055
- الأمن الوطني: 1548
- محافظة الغابات: الاتصال بالرقم المحلي للمقاطعة.
التبليغ السريع يساهم في إنقاذ الأرواح وتقليل حجم الكارثة بشكل كبير.
الملف الإداري للتأسيس كطرف مدني (ضحية)
إذا تضرر شخص من حريق غابة، يمكنه المطالبة بالتعويض من خلال التأسيس كطرف مدني أمام قاضي التحقيق أو مباشرة أمام المحكمة الجزائية التي تنظر في القضية. يتطلب ذلك تكوين ملف عادة ما يشمل:
- عريضة تأسيس طرف مدني: يحررها محامٍ، توضح فيها طبيعة الأضرار والمبلغ المطلوب كتعويض.
- محضر معاينة: يتم إعداده من طرف محضر قضائي أو خبير فلاحي معتمد يقيّم حجم الخسائر (أشجار مثمرة، محاصيل، منشآت…).
- وثائق إثبات الملكية: عقد ملكية أو عقد إيجار أو أي وثيقة تثبت علاقتك القانونية بالعقار المتضرر.
- الصور والفيديوهات: التي تم التقاطها لتوثيق الضرر.
- الفواتير: إن وجدت، لأي تكاليف مباشرة نتجت عن الحريق (إصلاحات، شراء معدات بديلة…).
- طابع جبائي: حسب ما يقتضيه قانون الإجراءات الجزائية.
تنبيه هام: خطأ شائع
يعتقد الكثير من أصحاب الأراضي الفلاحية المجاورة للغابات أنهم غير مسؤولين عن حريق يبدأ في أرضهم ثم يمتد إلى الغابة، خاصة إذا كان ناتجاً عن حرق بقايا المحاصيل. هذا اعتقاد خاطئ وخطير. القانون يعتبر هذا الفعل إهمالاً جسيماً يعاقب عليه بالحبس والغرامة. يجب الحصول على ترخيص مسبق من المصالح المختصة واتخاذ كافة تدابير الوقاية قبل القيام بأي عملية حرق مراقبة، وإلا فإن المسؤولية الجزائية تكون قائمة.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
ما هي عقوبة رمي سيجارة مشتعلة تسببت في حريق غابة؟
يعتبر هذا الفعل إهمالاً وتقصيراً ويندرج ضمن الحرق غير العمدي. إذا أدى إلى إتلاف أملاك غابية، فإن العقوبة قد تصل إلى الحبس 3 سنوات وغرامة تصل إلى 300.000 دج، حسب تقدير القاضي لحجم الضرر وظروف الواقعة.
هل يمكن للدولة أن تعوضني إذا احترقت مزرعتي بسبب حريق غابة مجهول الفاعل؟
في حالة عدم تحديد الفاعل، تصبح مسألة التعويض معقدة. ومع ذلك، في بعض الكوارث الكبرى، قد تتدخل الدولة من خلال صناديق خاصة لدعم المتضررين كجزء من التضامن الوطني. ينصح بمتابعة القرارات الحكومية التي تصدر بعد الكوارث الكبيرة والاستعانة بموقع akhbardz.com للبقاء على اطلاع بآخر المستجدات. لكن الطريق القانوني المباشر للتعويض يتطلب وجود مسؤول عن الضرر (الجاني).
أنا أملك أرضاً داخل منطقة غابية، هل هناك التزامات خاصة عليّ؟
نعم، القانون رقم 23-21 يفرض على ملاك ومستغلي الأراضي الموجودة داخل أو بمحاذاة الغابات التزامات وقائية. من بينها واجب تنظيف وتجريد أراضيهم من الأعشاب والمواد القابلة للاشتعال على مسافة معينة لتشكيل “حواجز نارية”. عدم الامتثال لهذه الالتزامات قد يعرضك لغرامات مالية ويمكن أن يشكل قرينة على الإهمال في حال اندلاع حريق.
هل هناك فرق في العقوبة بين حرق غابة تابعة للدولة وحرق غابة خاصة؟
القانون يحمي الثروة الغابية ككل. العقوبات المذكورة في القانون 23-21 وقانون العقوبات تطبق سواء كانت الغابة ملكاً للدولة، أو للجماعات المحلية، أو حتى للأفراد. العبرة هي بالفعل الإجرامي المتمثل في إتلاف “الثروة الغابية” بغض النظر عن مالكها القانوني.
الخاتمة
إن تشديد المشرع الجزائري للعقوبات المتعلقة بحرائق الغابات يعكس وعياً عميقاً بحجم الخطر الذي يهدد البيئة والأمن القومي. لم يعد الأمر مجرد مخالفة، بل جريمة نكراء في حق الأجيال الحالية والمستقبلية. على الجميع، مواطنين ومؤسسات، استيعاب هذه الصرامة القانونية الجديدة والعمل كجبهة واحدة لحماية “الرئة الخضراء” للجزائر، فالمسؤولية مشتركة والجزاء رادع.
المصادر والمراجع
- القانون رقم 23-21 المؤرخ في 28 ديسمبر 2023، المتعلق بالغابات والثروة الغابية (الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، العدد 89).
- الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم.
- وزارة العدل الجزائرية.
- المديرية العامة للغابات.




